هنا وجهة نظر لمعلق أميركي تعكس نوع الإنزعاج الذي يولده قرار جمعية مهنية بريطانية بمقاطعة إسرائيل، من المفيد الإطلاع عليها.

في إيران، أبطلت الحكومة إدانة ستّة رجال قاموا، من بين أمور أخرى، بقتل شاب وفتاة لأنّهما كانا يسيران معاً في مكان عام. في الصين، قبضت السلطات المحلّية على نحو ستّين امرأة وأجهضتهنّ رغماً عنهن. وفي روسيا، وسّعت حكومة بوتين سيطرتها على وسائل الإعلام. وفي كوبا... اوه، حسناً، تعرفون. لكن ما لا تعرفونه ربّما أنّه أمام هذه المجموعة الواسعة من الممارسات المجحفة وغير السويّة، اتّخذ "اتحاد الصحافيين الوطني البريطاني "خطوة غريبة حقاً: اختار إسرائيل لمقاطعتها. انتبهوا، ليست المقاطعة صحافية وحسب، بل تمتدّ إلى الليمون والشمّام وما شابه.

واتُّخِذ قرار المقاطعة كـ"بادرة دعم للشعب الفلسطيني" الذي اختطف بعض أفراده، كما تبيّن، مراسل "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) آلان جونستون. وادّعت مجموعة إعدامه على الرغم من عدم تقديم إثبات. يكفي القول إن الوضع كارثي. ما الذي أصاب مجلس اتّحاد الصحافيين ليتّخذ خطوة من هذا النوع - بتصويت 66 مقابل 54؟ السؤال جدير بأن يُطرَح لأنّ القرار جاء بعد تصويت مماثل من الأكاديميين البريطانيين (ألغي لاحقاً) العام الفائت لتجنّب الاحتكاك بزملائهم الإسرائيليين تحت طائلة مواجهة عقوبة الإعدام أو ما شابه. والأهمّ من ذلك، إنّها شكوى أخرى، في أوروبا وفي هذا البلد بالذات، صادرة عن أشخاص ومنظّمات سئموا بكلّ بساطة من إسرائيل، لأسباب محقّة وخاطئة على السواء. لماذا لا تصطلح الدولة اليهودية المتغطرسة؟

إنّه سؤال منطقي إلى حدّ ما. دخل الاحتلال الجائر للضفّة الغربية الذي يعود بنتائج عكس المتوخّاة، عامه الأربعين. يتواصل بناء المستوطنات، وحكومة إيهود أولمرت، الضعيفة والسيّئة الطالع، غير قادرة على احتوائه أو غير راغبة في ذلك. وقد أثبتت الحكومة عدم كفايتها في حرب لبنان الصيف الفائت، فعزّزت مكانة "حزب الله" ولم تتمكّن من استعادة الجنديَّين الأسيرين اللذين شُنَّت الحرب باسمهما. بالنسبة إلى إسرائيل - إنّما في شكل خاص بالنسبة إلى المدنيين اللبنانيين - كانت الحرب كارثة.

لكنّ السودان يقتل بأعداد هائلة في دارفور، وروبرت موغابي في زمبابوي يوسِع معارضيه ضرباً، وفي كلّ العالم العربي تقريباً ليس هناك حرّية صحافة. أمّا في إسرائيل، فليس هناك حرية صحافة وحسب، بل الصحافة صعبة المراس كما في أيّ مكان آخر.

يقول الصحافيون البريطانيون إنّ محنة الشعب الفلسطيني تؤثّر فيهم، وهم محقّون في ذلك. لكنّ البؤس الذي يعيشه ساكن غزّة أو الضفة الغربية ليس فقط من صنع إسرائيل. فحكومة غزّة هي الذراع السياسي لمنظّمة إرهابية، وإذا كانت الضفّة الغربية تعاني - وهي تعاني بالفعل - ليس السبب فقط رغبة إسرائيل الشديدة في السيطرة على الأراضي، إنّما أيضاً خوف إسرائيلي مرَضي من الإرهاب. كان الصحافيون البريطانيون ليوافقوا بلا شكّ على تطبيق إجراءات مماثلة في بلدهم لو كانت حافلات مدينة لندن تُفجَّر وتتناثر إرباً إرباً على يد ركّاب يحملون مبلغاً يكفي فقط لتسديد أجرة الركوب ومزنَّرين بالمتفجّرات.

إذاً ما الذي يفسّر هذا الغضب الذي ينصبّ على إسرائيل - وعلى إسرائيل وحدها؟ ما الذي يفسّر هذه الحاجة إلى التنديد والمقاطعة؟ بعضه نابع بالتأكيد من الدعم غير المحدود الذي تحصل عليه إسرائيل من الولايات المتّحدة التي يعتبرها اليساريون في مختلف أنحاء العالم دولة دنيئة تستحقّ ربما - لولا الجينز وأفلام السينما وموسيقى الـ"هيب هوب" - المقاطعة.

ويعكس بعضه بلا شكّ الغضب من الجهود التي تبذلها منظّمات يهودية لخنق أيّ انتقاد لإسرائيل ونعت كلّ من لديه نزعة مختلفة في تفكيره ب"المعادي للسامية". لكن بعضه هو بالتأكيد عداء للسامية، غضب ساخط من اليهودي الوقح والمتغطرس ومن هذه الدولة التي أنشئت في قلب العالم العربي. ينسون، عمداً وبطريقة مروِّعة، التاريخ نفسه وسبب إنشاء إسرائيل. لا يبرّر هذا إلحاق الإجحاف بالفلسطينيين بل يفسّره فقط. لكنّه تفسير مغمَّس جداً بدم اليهود إلى درجة أنّه يبدو ملفّقاً إلى أقصى الحدود: هذا غير معقول! لكنّه صحيح.

يجرؤ الصحافيون البريطانيون، على غرار الأكاديميين قبلهم، أن يطأوا مكاناً ذهب إليه جيش من الحمقى من قبل. إذا لم يتعرّفوا على جمرة العداء للسامية التي لا تزال تتوهّج داخلهم، يجدر بهم أن يقفوا أمام مرآة ويسألوا أنفسهم، لماذا من بين كلّ الدول اختاروا إسرائيل لتأنيبها وقدحها؟ هذه الممارسة المتمثّلة في تحميل اليهود عبئاً خاصاً ونظراً الى رؤية خصال البشرية السيّئة فيهم أكثر من الخصال الحميدة، لها تاريخ مظلم وبشع: الشعب المختار، من جديد... ومن جديد، بالطريقة الخطأ. عن "واشنطن بوست"

مصادر
النهار (لبنان)