تتسم هذه الفترة من السنة بحساسية خاصة، فالإسرائيليون يحتفلون خلال هذا الأسبوع بيوم الاستقلال ومرور 59 سنة على تأسيس الدولة اليهودية عام 1948، بينما يسجل الفلسطينيون الحدث نفسه باعتباره النكبة التي أفقدتهم أرضهم. لكن هذه السنة تختلف عن سابقاتها لأن الأنظار متجهة إلى الجماعة السكانية العالقة في الوسط بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية؛ إنهم العرب الذين يشكلون خمس سكان إسرائيل والذين ما فتئوا ينظرون إلى أنفسهم كفلسطينيين. وفي هذه اللحظة التاريخية التي تشهد تصادم الروايات التاريخية والقوميات، قد لا يكون هناك من يجسد بحق التعقيدات المرتبطة بالهويتين الإسرائيلية والفلسطينية أكثر من "عزمي بشارة". فقد أعلن النائب العربي في "الكنيست" الإسرائيلي والصوت السياسي الصاخب في الساحة الإسرائيلية استقالته من البرلمان الإسرائيلي في مستهل الأسبوع الجاري. وقد جاء القرار بعد تسرب تقارير تفيد بأن "عزمي بشارة" الذي يقوم بجولة في بعض الدول العربية، سيتعرض للاعتقال حال عودته إلى إسرائيل.

وفي الوقت الذي أعلن فيه بعض المسؤولين الإسرائيليين، الذين تحفظوا عن كشف أسمائهم، لوسائل الإعلام أن "عزمي بشارة" يواجه تهماً تتعلق بـ"مساعدة العدو" في زمن الحرب، مازالت الدقة غائبة عن الاتهامات في ظل الحظر الإعلامي الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية على الموضوع.

لكن مع رفع المحكمة الإسرائيلية جزءاً من الحظر عن القضية فقد أعلنت الشرطة الإسرائيلية أن من يتولى التحقيق في قضية "بشارة" هي شعبة الجرائم الدولية. غير أن هذا الغموض التي تصر السلطات الإسرائيلية على التمسك به واكتفاءها بالإشارة إلى أن عزمي بشارة "تجاوز الحد" سرعان ما بدأ يتلاشى، في نظر زملاء "بشارة"، وسرعان ما بدأت تتكشف الأسباب الحقيقية وراء ملاحقة النائب العربي السابق في "الكنيست" الإسرائيلي. فقد قام عزمي بشارة بزيارات منتظمة إلى لبنان وسوريا، كما أعلن أكثر من مرة تأييده لبعض مواقف المسؤولين والجماعات السياسية في هذين البلدين.

وفي هذا السياق أنحى النائب العربي السابق في البرلمان الإسرائيلي باللائمة على إسرائيل في اندلاع الحرب مع "حزب الله" خلال فصل الصيف الماضي والتي تحولت إلى حرب شاملة على جنوب لبنان.

والأكثر من ذلك تحول عزمي بشارة إلى متحدث باسم حركة متنامية من العرب الإسرائيليين ممن يطالبون باستقلاليتهم داخل إسرائيل وبانتهاء تعريف الدولة اليهودية كما هو عليه الآن والنظر إليها كدولة لجميع مواطنيها. واللافت أن انزعاج إسرائيل من "عزمي بشارة" بسبب زياراته المتكررة إلى بلدان تعتبرها عدوة لها هو حديث العهد، حيث شكلت الزيارات نفسها في مرحلة معينة، لاسيما خلال فترة انتعاش أفق السلام في المنطقة فرصة لتقريب وجهات النظر. وكانت إسرائيل وقتها تنظر إلى عزمي بشارة باعتباره جسراً بين العالم العربي والدولة اليهودية. بيد أن هذا الحظر الذي تفرضه إسرائيل على زيارة سوريا من قبل الشخصيات الإسرائيلية ينظر إليه العرب على أنه أمر لا يعنيهم. وفي هذا السياق يقول "سعيد زيداني"، أستاذ الفلسفة في جامعة القدس الشرقية وأحد معارف عزمي بشارة "تسعى إسرائيل إلى فرض جميع أنواع القيود علينا، لكن بالنسبة لنا سوريا ليست عدوة".

والأهم من ذلك تزعم عزمي بشارة حركة سياسية ما فتئت تنمو داخل الأوساط العربية تطالب إسرائيل بإعلان نفسها "دولة لجميع مواطنيها". فقد نُقل عن رئيس المخابرات الداخلية الإسرائيلية "شين بيت" وهو "يوفال ديسكين" عقب قيام مجموعة من المثقفين العرب داخل إسرائيل بنشر وثيقة باسم "نظرة المستقبل" تحذيره الشديد لمكتب رئيس الوزراء من "التهديد الاستراتيجي" المتصاعد الذي بات يشكله عرب إسرائيل. فالحديث عن "دولة لجميع مواطنيها" يعني انتهاء مقولة الدولة اليهودية التي يعتبرها يهود إسرائيل سبب وجود الدولة. وهذا ما يدركه الدكتور "زيداني" الذي يقول "إذا ما أرادت إسرائيل أن تعامل جميع مواطنيها على قدم المساواة، فعليها إنهاء طبيعتها اليهودية". هذا وتكثر النظريات التي تحوم حول التهم التي ستوجه إلى "عزمي بشارة" لدى عودته إلى إسرائيل، لكن "بشارة" نفسه أعلن أمام تلفزيون "الجزيرة" أنه قد يقرر عدم الرجوع. وأضاف للصحفيين الذين التقوا به في القاهرة لدى تقديم استقالته من "الكنيست" أن عودته ستجعله يواجه "أوركسترا من الجناح اليميني العنصري والفاشي".

ويرى المراقبون أن "عزمي بشارة" سيواجه تهماً بسبب زياراته الأخيرة إلى سوريا ولبنان، بما فيها لقاءاته مع "حزب الله". ومن جانبهم أعلن زملاء بشارة أن المؤسسة الرسمية الإسرائيلية اعتبرته قد تجاوز الحدود عندما اصطف مع لبنان إبان المواجهة التي اندلعت الصيف الماضي. ويتوقع المقربون من "بشارة" أيضاً أن يواجه تهماً تتعلق بتورطه في معاملات مالية مع "حزب الله"، وذلك لما تراه إسرائيل انتهاكاً لقانون محاربة الإرهاب. بيد أن "عزمي بشارة" الذي تساق ضده التهم بعيد عن نموذج السياسي المعارض المنحدر من التيارات الأصولية الإسلامية، بل هو مسيحي علماني حاز على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا الشرقية، حيث انخرط في حزب "هاداش" الشيوعي قبل أن يؤسس حزب "بلد". ويؤكد "محمد محارب"، عضو حزب "بلد" وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الشرقية أن تداعيات القضية تتجاوز التهم الموجهة إلى "عزمي بشارة" إلى إحداث تغيير في العلاقات العربية اليهودية داخل إسرائيل.

ويعزو الدكتور "محارب" الأزمة الحالية إلى التغييرات التي لحقت بهوية العرب الإسرائيليين كما عبرت عنها وثيقة "نظرة المستقبل"، موضحاً ذلك بقوله: أعتقد أن المؤسسة الإسرائيلية و"الشين بيت" يريدان تغيير قواعد اللعبة، لأنهما يدركان أن عرب إسرائيل لم يعودوا صامتين كما كانوا في السبعينيات والثمانينيات، بل وحتى في التسعينيات". ـــــــــــــــــــــ

مراسلة "كريستيان ساينس مونيتور" في القدس

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)