يشكل ترشيح عبدالله غُل لرئاسة الجمهورية قمة المصالحة التركية مع الذات. أو بين علمانية فرضها الجيش والنخبة الحاكمة ومجتمع اسلامي محافظ.

والواقع أن هذه المصالحة تمت بعد مسيرة تاريخية طويلة شهدت صراعات وتحولات داخلية وخارجية، مستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وما قبلها، ومنذ تقاسم «ممتلكات» السلطان بين فرنسا وبريطانيا. فعملية التغريب التي قادها مصطفى كمال أتاتورك أحدثت انفصاماً في الشخصية، كان شعاره التبرؤ من الاسلام والعثمانية من أجل التحرر من التخلف الاجتماعي والاقتصادي، فاستبدل الحرف العربي باللاتيني، لا بل ذهب الى أبعد من ذلك حين استلهم الحضارتين الحثية والسومرية في بناء المجلس الوطني وأبنية رسمية أخرى كثيرة.

لكن هذا الطرح القومي المتطرف اصطدم بواقع أن المجتمع متعدد الأعراق والطوائف. هناك البوسنيون والألبان والمقدونيون، فضلاً عن الأتراك والعرب وغيرهم. ولم تكن العثمانية الاسلامية سوى رابط بين هذه الشعوب. ولم يكن التخلص من الواقع بسهولة التخلص من الحرف العربي، أو الادعاء البائس بالانتماء الى الحثيين والسومريين، وقبل كل ذلك كان على الجيش والطبقة الحاكمة اثبات الانتماء الى غرب ما زالت المسيحية أو الحضارة اليهودية - المسيحية، حسب التفكير السائد، تشكل أساس علاقته مع الآخر. وليس أفضل من تركيا ممثلاً لهذا الآخر العدو الذي خاضت معه حروباً وصراعات طويلة مستمرة.

في ظل هذا التوجه الغربي للجيش والطبقة الحاكمة كانت تنمو في أرياف الأناضول حركة اسلامية ناشطة، أفادت من بعض الحريات ومن حاجة الدولة اليها لمواجهة اليسار الصاعد ومحاربة الشيوعية القادمة من الاتحاد السوفياتي. واستطاعت هذه الحركة أن تنمو بسرعة نسبية، حتى أن الجيش الذي انقلب على الحكم المدني عام 1980 اضطر الى الاستعانة بها لتثبيت حكمه.

عدّل هذا الانقلاب النظرة الكمالية الى الاسلام، لا بل انقلب عليها، مؤكداً أن باستطاعة القومية والعلمانية التصالح مع الدين، تماماً مثلما التقت العلمانية والمسيحية في أوروبا لإبعاد اليسار عن السلطة وعن المؤسسة العسكرية. فرض زعماء الانقلاب على الضباط الصغار تلقي دروس في الاسلام. وذهبوا الى ابعد من ذلك فجعلوا التعليم الديني إجبارياً. وسمحوا بتأسيس مئات المدارس للأئمة والخطباء، وطردوا آلاف الأساتذة الجامعيين ذوي التوجه اليساري.

في خضم هذه التحولات، ومع صعود التيار الليبرالي الاسلامي، إذا جاز التعبير، كانت تركيا، أو الطبقة الحاكمة، تنتظر قبولها عضواً في الاتحاد الأوروبي، لكن المسيرة الطويلة في التغريب والمشاركة الفعالة في حلف شمال الأطلسي وكونها الجبهة الأمامية في مواجهة الشيوعية لم تشفع لها، وبقيت في نظر أوروبا دولة اسلامية شرقية متخلفة. وعزز سقوط الاتحاد السوفياتي عدم الحاجة اليها.

جاء في رفض الاتحاد الأوروبي طلب أنقرة الانضمام إليه أربعة أسباب، أهمها الاختلاف الحضاري الثقافي الذي لا يمكن تجاوزه أو التسامح فيه.

عزز هذا الرفض موقف الاسلاميين، بتياراتهم المختلفة، في مواجهة الكمالية والجيش، حتى ان رئيسة الوزراء السابقة تانسو تشيلر قالت متحدية الرفض ان تركيا «ستنقل الأذان والقرآن والمسجد الى أوروبا».

بترشيح غُل للرئاسة تكون تركيا قد دخلت مرحلة مصالحة تاريخية مع ذاتها. مرحلة تسير فيها العلمانية الى جانب الحجاب الاسلامي (زوجة غُل محجبة) وينتظر أن تلعب دوراً فاعلاً في الشرق الأوسط، بدأت مؤشراته في الظهور حين رفضت انطلاق الطائرات الأميركية من قواعدها لغزو بغداد، واقتراحها لقاءات دورية للدول المجاورة للعراق، واستضافة سولانا ولاريجاني للبحث في الملف النووي الايراني. فهل يكون لهذه التجربة أثرها عربياً واسلامياً؟

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)