معركة الرئاسة التركية تبدو صورة غير مؤلفة داخل الشرق الأوسط، فالمسألة تجاوزت حدود الديمقراطية التي ظهرت في العراق أو أفغانستان حسب تعبير الرئيس الأمريكي جورج بوش، وتحولت نحو مساحة غيبتها "نوعية" الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فمعركة العلمانية في تركية لم تتحول إلى "مزاج" ديني لأنها تجري تحت قبة البرلمان، والأهم ان مؤسسات الدولة، تشعر أن الخطر هو في المساس بـ"قيم" الجمهورية التي استطاعت وضع تركية من جديد على الخارطة الإقليمية.

وتركية ليست حالة خاصة لأنها مثل بقية دول المنطقة تملك "مزيجا تاريخيا" يختلط فيه الدين مع التنوع الأثني والثقافي، ورغم أن "علمانية" أتاتورك استطاعت إحداث نقلة واضحة في مسار تركية الحديث، ولكن في نفس الوقت فإن التكوين الحضاري لمنطقة الأناضول إجمالا أنتج العديد من الصراعات الداخلية، إلا أن "الدولة العلمانية" كانت قادرة على الأقل الاحتفاظ بهوية واضحة قدمت نموذجا "شرق أوسطيا" يسعى للإنسجام مع ذاته.

ورغم أن التجربة التركية تخضع لتقيمات متفاوتة لكن التكوين السكاني لها يحمل شكلا معقدا، وربما لو تم تطبيق النظريات الديمقراطية وفق النموذج الأمريكي لشهدنا واقعا أغرب مما يحدث في العراق، لكن واقع الحال أن تركية اجتازت امتحانات عصيبة بدء من الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم. وفي نفس الوقت فإن الاستراتيجيات الدولية سواء خلال الحرب الباردة أو مع تشكل النظام الدولي الجديد، لم تضعف من قوتها الإقليمية، وهي اليوم مع طوحها بالدخول إلى الاتحاد الأوروبي تتعامل مع واقعها السكاني وفق معطيات لا ترضي الاتحاد الأوروبي أحيانا، إلا أنها تحقق في نفس الوقت تجاوزا في "المعتقدات" التركية التي ظهرت زمن أتاتورك.

والمعضلة اليوم أن تركية التي امتلكت موقفا سياسيا خاصا خلال حرب العراق، تتعامل معركة سياسية حول الرئاسة من منطق العلمانية، وهي تنظر في نفس الوقت إلى الواقع الإقليمي الذي تحاول الولايات المتحدة تكسيره بشكل أو بآخر، باتجاه مساحات من المذهبية أو الافتراقات الدينية، وبمعنى أدق إلى تجزئة الديمقراطية على أساس "الأقليات و الأكثريات". هذا الشكل تعرفه تركية بالخبرة التاريخية لأنها كانت أمبرطورية تضم "كافة الأقليات"، قبل أن تتعامل مع منطق الدولة الحديثة، ومن هذه النقطة فإن "علمانيتها" ليست معركة خاصة، فهي صورة لمجال ينحسر بسرعة خارج تركية، وربما داخلها، نتيجة نوعية الحرب الدائرة اليوم على ساحة الشرق الأوسط... والبحث عن "قيم الجمهورية" لا يشكل شعارا إنما "معرفة" لنوعية الدولة، أو حتى الدول التي ظهرت في العالم ماتزال قائمة على "الحداثة" وليس على مبدأ اقتسام اسلطة والدولة وفق "التوزع السكاني".