- الداخل إلى البلدة القديمة في هذه الساعات التي دخلناها يشعر ولو بالقليل من الخوف والحذر، ويعتقد أن هناك شيئا ربما يكون خطيرا سيحدث، لحظات من الإرباك خلال الدقائق التي التقي بها طاقم ’ وكالة قدس. نت للانباء ’ فيها عناصر ونشطاء في كتائب شهداء الأقصى داخل أزقة البلدة القديمة في مدينة نابلس بالضفة الغربية لإجراء حوار خاص مع قائد الكتائب فيها.

يسميهم الأغلبية رهبان الليل

هم فلسطينيون شانهم شان باقي أبناء الشعب الفلسطيني، وجه الاختلاف يكمن في اختيارهم طريقا معبدة بالدماء، وفي نهاية هذه الطريق خياران لا ثالث لهما إما النصر أو الشهادة، يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، يحملون روحهم على راحتهم استعداداُ لرصاصة قد توقف حياتهم كما أوقفت حياة الكثيرين قبلهم، فمن طبيعة الاحتلال قتل الحياة وكيف لا؟ وهو لا يجيد إلا هذه اللغة، لغة القتل والدمار.

إنهم المقاومون في البلدة القديمة، أو العين الحارسة والساهرة كما يحب أهل البلدة تسميتهم، أو رهبان الليل وفرسان في النهار بإمكانياتهم المتواضعة أمام جيش يملك الأسلحة الفتاكة يحاولون بإيمانهم وإرادتهم رد الخطر والاعتداء عن بلدتهم وأهلها.

ولتسليط الضوء على حياتهم وطبيعة عيشهم يقول ’ مهدي أبو غزالة ’ أحد القادة الميدانيين في كتائب الأقصى في البلدة القديمة ’: نقضي ليلنا معظمه في الشارع، وفي الأماكن غير المكشوفة، والأزقة، نراقب تحركات الجيش الإسرائيلي.

ويضيف: نقوم بنصب الكمائن التي نفاجئ بها جيش الاحتلال عند دخولهم أحد أحياء البلدة القديمة، أما بالنسبة للاشتباكات فإنها تكون حسب دخول الجيش الإسرائيلي للبلدة القديمة ولذلك فنحن نشتبك معهم بشكل يومي بسبب عدوانهم اليومي على أهالي البلدة القديمة.

ويتابع أبو غزالة: أما من ناحية مقومات الحياة، مأكل، ومشرب، ونوم فإننا نخطط لذلك مسبقا وعندما لا يقوم الجيش الإسرائيلي باقتحام المدينة فان على كل شخص منا أن يتدبر أمره خاصة في مكان النوم بحيث ينام في مكان لا يعرفه أحدا حتى من زملائه إلا القائد المسؤول و،ذلك لأخذ الحيطة والحذر ، و إن حصل له مكروه أو تمت محاصرته أو إن احتاج إلى شيء ما فان كل ذلك يتم بسرية تامة.

أهالي البلدة القديمة دعائم لنا

وحول تعاون أهالي البلدة مع المقاومين يعقب أبو غزالة قائلا: لاشك في أن أهالي البلدة القديمة يقدمون الدعم اللازم لنا فهناك الكثير من البيوت المفتوحة لنا سواء من ناحية المأكل والمشرب، أو حتى المبيت.

وعلى الصعيد الأخر هناك بعض السكان يتضايقون من وجودنا في مناطقهم خاصة وقت الاشتباكات الليلية بسبب الخوف الذي يسببه إطلاق النار خاصة على الأطفال والنساء والشيوخ وهناك أيضا المرضى ولكن ليس من خيار أخر، هذا واقع مفروض على شعبنا الفلسطيني، وفي الفترة الأخيرة أصبح لدى السكان تعويد على مثل هذه الأمور فإن نحن لم نطلق النار على جيش الاحتلال فهو سيقوم بذلك.

حزن في الأرض. . . وفرح في السماء

عندما يفقد الإنسان شخصا عزيزا عليه فان الحزن والألم هما سيدا الموقف فهذا شيء طبيعي في الفطرة الإنسانية يقول مهدي: عند استشهاد احد من الإخوة المقاومين فإننا نتألم لفراقه، ونشعر بفراغ كبير فكما يقال حزن في الأرض وفرح في السماء فقد أصبحنا نتقبل هذا الأمر لأننا سنواجه المصير نفسه، في النهاية هو نال الشهادة وهو يقاوم، ويحمل سلاحه ليواجه به جيش الاحتلال.

الوحدة مطلوبة. .

يقال: ’ يد واحدة لاتصفق’، فشرط الانتصار الوحدة بين الفصائل، وفي الاتحاد قوة يؤكد أبو غزاله حول هذا الموضوع: يوجد تنسيق مع الفصائل الفلسطينية، ولكن طبيعة هذا التنسيق يختلف من فصيل لأخر حيث أن التنسيق العسكري يتم مع الجبهة الشعبية أكثر من غيرها بينما يتم التنسيق مع حركة حماس في الأمور الاجتماعية أكثر من غيرها فعلى سبيل المثال إذا أرادت حماس توزيع بعض المساعدات أو زيارات تضامنية مع عائلات الشهداء وغيرها من هذه الأمور يتم التنسيق معنا في وقت سابق.

ويتابع: للأسف نحن من يدفع الثمن دائما فمعظم الشهداء والمقاومين هم من كتائب الأقصى وأصبحنا نقاتل في الميدان دون مساندة من أي احد وحماس توقفت عن العمل العسكري في مدينة نابلس قبل توليها رئاسة الحكومة منذ فترة طويلة هذا ليس هجوم بقدر ما هو عتاب على إخواننا في حركة حماس.

الخيانة الوطنية. . جريمة تستحق العقاب

منذ بدء انتفاضة الأقصى عام 2000 م حرصت المقاومة الفلسطينية والفصائل والأجهزة الأمنية على ملاحقة المتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد تمت محاكمة العديد منهم ، لان خطرهم على المقاومة الفلسطينية اكبر بكثير من خطر الاحتلال نفسه، ولذلك لدقة المعلومات التي يقدمونها للجيش الإسرائيلي، سواء عن أماكن وجود المقاومين، أو غيرها من المعلومات التي تضر بمصلحة الشعب الفلسطيني فهل مازالت المقاومة تتخذ إجراءاتها بحق المتعاونين مع الاحتلال؟ أم هناك تراجع في متابعة هذه القضية؟

يقول أبو غزالة ’: في الوقت الحالي لا تقوم المقاومة بملاحقة العملاء بالشكل المطلوب،ويعود السبب في ذلك لعدم توفر الوقت الكافي، ولكن إذا تلقينا معلومات من المواطنين تفيد أن هناك احد المشتبه بهم، أو تحركات غريبة لبعض الأشخاص، فإن المقاومة ترصد تلك التحركات، وتصدر أمرا بضرورة التحقيق معهم ، وقد واجهنا مثل هذا الأمر مئات المرات.

ويتابع حديثه: عند ورود أي معلومات عن شخص مشتبه بتعاونه مع الاحتلال فإننا نجري بعض التحريات التي تؤكد إن كان متورطا أم لا وان اثبت أنه كذلك فإن المقاومة تحتجزه للتحقيق، ويكون العقاب على قدر الجريمة التي ارتكبها، وبعضهم يتم تسليمه إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

ويضيف: صحيح أن المقاومة تتخذ إجراءات صارمة وقاسية بحق المتعاونين مع الاحتلال ولأنهم يستحقون ذلك بسبب الخيانة الوطنية وخروجهم عن الصف الوطني إلا أنها تحاول إعطاء فرصة أخرى لهؤلاء لمراجعة عقلهم والعودة إلى رشدهم خاصة الذين لم يتورطوا في جرائم الاغتيال إنما يكونوا قد أدلوا بمعلومات بسيطة، ونقوم بإبلاغ ذويهم وأقربائهم للتأثير عليهم، ونستمر في مراقبته لحين التأكد من عدوله عن هذا العمل الإجرامي ، ويكون ذلك بسرية تامة.

السلاح في وجه الاحتلال فقط. .

كثيرة هي الاتهامات التي وجهت للمقاومة في كتائب الأقصى، وحركة فتح بأنها سببا في ما يحدث على الساحة الفلسطينية من حوادث انفلات امني ولتسليط الضوء أكثر على هذا الموضوع يعلق ’ أبو غزالة ’ قائلا: لم نكن يوما سببا في الانفلات الأمني ولم نرفع سلاحنا في وجه أحدا من أبناء شعبنا الفلسطيني بل على العكس سلاحنا نشهره في وجه الاحتلال الإسرائيلي،

ويتابع: كتائب الأقصى شجعت الحملة الأمنية التي قامت بها السلطة والحكومة الفلسطينية، وأعطيناها الشرعية الكاملة للقيام بمثل هذه الحملات التي تضبط الأمن، وتحفظ النظام، فلا شيء يحدث دون شرعية الكتائب والمقاومة.

لا للهدنة مع الاحتلال. .

ليست هذه المرة الأولى التي تخرق فيها إسرائيل الاتفاقات وبوادر التهدئة ولن تكون الأخيرة، وهذا لا يحتاج إلى نقاش، وعلى هذا الصعيد أكد ’ مهدي أبو غزالة ’: إنه لا يوجد تهدئة أو هدنة مع الاحتلال خاصة في الأوضاع الراهنة لان إسرائيل تواصل اجتياحها للمدن الفلسطينية وكان أخرها عملية ’ الشتاء الحار ’ في مدينة نابلس، واستمرار الإغتيالات والاعتقالات بحق أبناء شعبنا الفلسطيني، فالتهدئة يجب أن تكون متبادلة بين الطرفين، والاحتلال لا يلتزم بذلك فكيف سنلتزم بها نحن؟.

إلا. . . . . بشروط.

هناك مثل شعبي يقول: ’ اللي أوله شرط أخره نور، وكما قال أبو غزالة: أن شروطنا للتهدئة واضحة، وتتمثل في الانسحاب الكامل لحدود 67 ، وعلى إسرائيل إن رغبت في التهدئة أن توقف أشكال الاغتيالات والقتل التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني،كذلك الشرط الأهم هو إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين خاصة ذوي الأحكام العالية، والذين امضوا فترة طويلة داخل سجون الاحتلال.

في الختام. . . مسك الكلام.

على طريقته الخاصة وجه ’ مهدي أبو غزالة ’ القائد في كتائب الأقصى رسالته إلى الشعب الفلسطيني عامة، والبلدة القديمة في مدينة نابلس خاصة، قائلا: إن نهج المقاومة مستمر حتى خروج أخر جندي إسرائيلي من الأراضي المحتلة، واطلب من شعبنا الفلسطيني أن يصمد ويقاوم الاحتلال بكل ما أوتي من قوة، وبإذن الله سيكون النصر حليف هذا الشعب الذي قدم التضحيات والشهداء، هذا واقع صعب قد فرض علينا، كذلك اطلب من أبناء شعبنا مزيدا من التكافل، ورص الصفوف لنتمكن من تحقيق أهدافنا الوطنية، وتحرير القدس وفلسطين.

لماذا نخاف من اسرائيل؟ معقل زهور عدي

عقدة الخوف من اسرائيل بدأت منذ حرب 1948 حين فوجىء العرب بمقدرة الجيش الصهيوني وخبرته القتالية وعدده الذي فاق اجمالي عدد الجيوش العربية بما يقارب الضعف. وكانت هزيمة 1948 وخروج مئات الألوف من الفلسطينيين من ديارهم حدثا كارثيا ليس على صعيد الوطني والسياسي فحسب ولكن على الصعيد النفسي أيضا، في عام 1967 تنامت الى حد كبير عقدة الخوف من اسرائيل والشعور بالنقص والضعف تجاهها. فجأة اكتشف العرب ان كل التقدم الذي أحرزوه تبخر امام جبروت القوة الاسرائيلية، فالقوة الاسرائيلية هي الحقيقة، والقوة العربية هي وهم وسراب، أعادت هزيمة 1967 العرب الى الحالة النفسية التي كانوا عليها عشية هزيمة 1948 بصورة أكثر مرارة وايلاما، بعدها انطلقت موجة عارمة من جلد الذات، والتشكيك بالهوية العربية، حتى الموسيقى العربية أصبحت متهمة ومدانة.

في عام 1973 تمكن العرب من الخروج من أسر مشاعر الهزيمة، لكن لفترة قصيرة، بعدها عادوا أو اعيدوا اليها في حدث يحمل كل معاني الهزيمة ورمزيتها تجلى في زيارة السادات للقدس.

في احتلال بغداد شرب العرب كأس الهزيمة ومرارتها حتى الثمالة، وأضيفت مشاعر الاحباط والشعور بالعجز لذلك المخزون المتراكم منذ عشرات السنين. مع ذلك فالحقيقة ان احتلال بغداد جاء بعد ان نمت بذرة المقاومة والتحدي لدى الأمة لدرجة لم يعد في الامكان دفنها والقضاء عليها، فكانت الاستجابة هذه المرة سريعة وقوية تجسدت بالمقاومة العراقية.

لكن المعركة ذات الدلالة الكبيرة في تغير ميزان القوى بين العرب واسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة كانت في لبنان.

عجز اسرائيل كان أكبر من أن تتم تغطيته والتمويه عليه، واذا اخذنا بالاعتبار الهوة بين قوة حزب لا يمتلك سوى بضعة ألوف من المقاتلين وبين قوة جيش مسلح حتى اسنانه بآخر كلمة للتكنولوجيا العسكرية في العالم لأصبحت هزيمته في دلالتها أكبر بكثير مما هي عليه في الميدان.

بعد معركة تموز 2006 لم يعد مفهوما بقاء العرب في أسر الشعور بالهزيمة، لماذا هذا التذلل لاسرائيل والخوف منها ؟

بعد أن انكشف عجز القدرة العسكرية الاسرائيلية، لم يعد أمام الأمة سوى التقدم في ميدان الصراع المفروض عليها نحو الأمام، فاذا كان ذلك هو قدرنا فلنواجه ذلك القدر بشجاعة.

لابد من خوض الصراع شئنا ام أبينا فاذا خضناه بارادتنا استطعنا استثمار كل عناصره التي يمكن ان تعمل لصالحنا، واذا خضناه مرغمين عنا فقدنا المبادرة ودفعنا الثمن مرتين.

لن تعيد اسرائيل الجولان بمجرد التفاوض وحالم من يفكر بذلك، ولكنها مستعدة لاستدراج سورية للتفاوض على الحل لعشرة سنين قادمة.

ولن تعيد اسرائيل الضفة وتعيد اللاجئين بمجرد التفاوض وحالم من يفكر بذلك، ولكنها مستعدة لاستراج الفلسطينيين والعرب على الحل عشرين سنة أخرى.

وهي لن تندمج كدولة مسالمة في المنطقة العربية بل ستحاول تفتيت تلك المنطقة والسيطرة عليها بالتحالف مع الاستراتيجية الأمريكية وحالم من يفكر بفصل الاستراتيجية الأمريكية عن اسرائيل العنصرية العدوانية.

دعونا نفكر قليلا: ماذا يمكن ان يحصل اذا بدأت سورية بتسخين الجبهة مع اسرائيل طالما انها لا تعترف بحقنا في الجولان ولا تريد الانسحاب منه.

ستستخدم اسرائيل سلاحها الجوي في قصف الأهداف العسكرية والاستراتيجية داخل سورية اليس كذلك؟

حسنا يمكن لسورية ان ترد بالصواريخ كما فعل حزب الله ولكن بكفاءة ومقدرة أكبر بما لا يقاس او هكذا يفترض.

وفي البر يمكن لسورية ان تستعيد تجربة حزب الله فتبني آلاف الأنفاق وتوزع مئات الألوف من مجموعات المقاتلين المزودة بالصواريخ المضادة للدرع.

مثل هذه الحرب لا يمكن ان تستمر طويلا فالعالم لا يحتمل مثل ذلك التصعيد الخطير قرب خزان العالم من النفط.

ومقدرة الشعب في سورية على تحمل التضحيات أكبر من مقدرة الاسرائيليين على الاستمرار في العيش في الملاجىء كما شاهدنا في حرب تموز.

لا أحد يريد الحرب ولكن الى متى نسكت على احتلال الجولان؟ بعد حرب تموز انكشف ان ذلك البلطجي الذي يفرض الاتاوة على الناس هو ضعيف وعاجز الى حد ان دفع الأتاوة له يعبر عن سوء تقدير.

مسألة الجولان في عمق ضمير الوعي الوطني في سورية ولا يمكن بقاؤها بدون حل فترة طويلة، وحرب تموز فتحت طريق تحرير الجولان ان لم يكن سلما فبالقوة (اذا لم تكن غير الأسنة مركبا فما حيلة المضطر الا ركوبها).