بينما كنت أسير وراء نعش"بوريس يلتسين" في مقبرة "نوفاديفيتشي" يوم الأربعاء الماضي، وجدت نفسي أفكر في الرجل الذي عملت معه عن قرب زهاء ثماني سنوات، وفي الدور الذي لعبه في تغيير العالم إلى الأفضل، في معظم الأحيان. في كل مرة التقيته فيها، كان الرجل لا يترك في نفسي أدنى شك في أن لديه هدفين يفوقان كل ما عداهما: أولهما التأكد من أن الشعب الروسي لن يجد نفسه مضطراً مرة ثانية للعيش تحت نير الشيوعية، أو تحت أنظمة الاستبداد والتطرف القومي. وثانيهما تكوين شراكة متينة ومستمرة بين روسيا الديمقراطية من جهة والغرب من جهة أخرى.

وفي المسائل الكبرى التي كانت تثار بيننا، كانت هناك خلافات بيني وبين يلتسين الذي كان يجد نفسه في ذلك الوقت في موقف صعب، تفاقم من صعوبته تلك المشكلات الاقتصادية والضغوط السياسية التي كان يجد نفسه في مواجهتها في الكثير من الأحايين. بيد أن ما كان يحدث في نهاية المطاف هو أن يلتسين كان يفعل الشيء الصحيح -في كل المرات تقريباً. كان الرجل يصر على احترام حدود روسيا مع الجمهوريات الأخرى التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي السابق، وهو ما كان يعني في ذلك الوقت التصدي للقوميين الروس الذين كان يمكن لو تُرك لهم العنان أن يغرقوا الاتحاد السوفييتي السابق في ذلك النوع من الفوضى الذي اكتنف يوغسلافيا بعد تفككها.

ويلتسين هو الرجل الذي أبرم التسويات اللازمة لجعل أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان، تتخلى طواعية عن الأسلحة النووية التي كانت بحوزتها في العصر السوفييتي، كما أنه الرجل الذي سحب القوات الروسية من دول البلطيق، وجعل روسيا جزءاً من الدول المشاركة في جهود الحل الدبلوماسي لأزمتي البوسنة وكوسوفو. ورغم أنه عارض توسيع حلف "الناتو"، إلا أنه لم يعترض على حق دول وسط أوروبا في الانضمام للحلف، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما وقّع اتفاقية للتعاون بين روسيا والحلف.

وكان يلتسين يريد من مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى أن توافق على انضمام روسيا إليها، كي تكون الدولة الثامنة في المجموعة. وقد وافق قادة تلك الدول -وأنا منهم- على هذا الطلب الذي كان يلتسين يرغب فيه، لأن روسيا كانت قد حققت تقدماً في تطوير دولة تعددية، لديها صحافة حرة، ومجتمع مدني نشط، كما قدمت تعاوناً مهماً للغاية في الكثير من المسائل ذات الطبيعة الأمنية. وقد نظرنا نحن قادة الدول السبع الكبرى إلى انضمام روسيا إلى المجموعة على أنه تصويت بالثقة على يلتسين وعلى مستقبل بلاده.

والمرة الأخيرة التي التقيت فيها يلتسين أثناء فترة رئاستي كانت في يونيو 2000، وذلك بعد مرور ستة شهور على تنحيه عن الحكم، ليكون أول قائد روسي يفعل ذلك طواعية في إطار عملية انتقال دستورية. ورغم أن أعباء المنصب السابق وجراحة القلب التي كان قد أجراها حينئذ قد تركا بصماتهما على صحته، فقد وجدت أن الرجل لا زال يلقى زواره بذلك العناق الحار وتلك الابتسامة اللذين أصبحا من علاماته المميزة. وعندما تحدثت معه بشأن تخليه عن السلطة، وجدت أن الرجل يؤمن إيماناً قوياً بأنه قد قام بالشيء الصحيح، عندما قرر التنحي مبكراً عن منصبه وعندما قام باختيار "فلاديمير بوتين" خلفاً له. كان يلتسين يعتقد جازماً بأن بوتين يمتلك من الذكاء والطاقة والجلد، ما يمكنه من وضع الاقتصاد الروسي على المسار السليم، والتعامل مع سياسات معقدة.

ولقد قلت له في تلك المرة بأنني أُعجبت بما رأيته من الرئيس بوتين حتى الآن، ولكنني لم أكن متأكداً من أن الرجل كان يشعر بالراحة تجاه الديمقراطية، أو بالالتزام نحوها بالدرجة التي كان هو عليها. وكان رد يلتسين على ما قلته إنه من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في وجهات النظر بيننا، بعد أن عرفت روسيا طريقها نحو المستقبل، ولكن الشيء المؤكد الذي يجب عليَّ أن أعرفه هو أن بوتين لن يقوم بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وأنه سيجد في النهاية وسيلة للعمل مع أميركا.

بعد هذه المرة لم يقدر لي أن أرى يلتسين سوى مرة واحدة وذلك عندما دُعيت لحضور الحفل الذي أقامه بوتين في الكرملين بمناسبة العيد الخامس والسبعين ليلتسين العام الماضي. وفي ذلك الحفل، بدا الرجل في صحة طيبة، متصالحاً مع نفسه ومع ما قام به. لقد كان بوريس يلتسين رجلاً عاطفياً، حاد الطبع، شجاعاً قوي العزيمة. لم يكن رجلاً كاملاً لأنه ليس هناك أحد كذلك، ولأنه هو بالذات كان مضطراً لمصارعة التحديات السياسية والاقتصادية الهائلة التي واجهها، وهو يقود روسيا للخروج من أسر قرون من الحكم السلطوي. لقد قدم الرجل نموذجاً للقيادة في ذلك الوقت بحيث يمكن القول، إنه كان من حسن حظ روسيا والعالم بأسره أن يكون هذا الرجل بالذات موجوداً في الفترة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة. في النهاية أقول إن الآراء ربما تختلف حول تقييم صديقي بوريس يلتسين ولكن التاريخ سيكون رحيماً به.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)