دخل إنذار «27 نيسان» التاريخ بوصفه من إنجازات الثورة التكنولوجية، إذ إنه صدر على شبكة الإنترنت، وليس في مؤتمر صحافي أو بيان إذاعي أو حتى مكتوب. لكن تركيا بهذا البيان كانت كما لو أنها تقهقرت أربعين سنة إلى الوراء، بل إلى عصر الكتابة على جدران الكهوف. ليس من حدث ألحق الضرر بصورة أنقرة مثل هذا البيان. لقد عادت بسهولة صورة تركيا كـ«جمهورية عسكرية» بعدما بدا لوهلة أنها استقلت قطار الديموقراطية. وما يزيد الطين بلة ما يشاع بصورة واسعة أن «بيان منتصف الليل» قد صدر عن مجموعة من الضباط الشبان، من دون علم رئيس الأركان، إلا أن هذا لا يعني أن الجنرال ياشار بويوك انيت ليس موافقا عليه. هذه المجموعة ورد ذكرها مرات عديدة في السنوات الماضية، وقيل إن انقلابين كانا على وشك التنفيذ عام 2004 وحال رئيس الأركان السابق دونهما.

خلاصة القول أن الاعتراض العسكري على سلوك «حزب العدالة والتنمية» ليس مقتصرا على فئة من دون أخرى، بل يطال كل الهرمية العسكرية.

أمر آخر يثير الهلع، وهو تعميم «واقع» أن الغالبية الساحقة من المتظاهرين العلمانيين ضد «حزب العدالة والتنمية» هم من العلويين!. بل إن مقالة في صحيفة «يني شفق» المؤيدة لرئيس الحكومة رجب طيب اردوغان أيدت هذه «الواقعة». وقد رفع العلويون شعار أن تركيا ليست الآن علمانية بل ستصبح علمانية، كما إن العديد من اليافطات «العلوية» رفعت في تظاهرات اسطنبول وأنقرة.

تركيا اليوم في مواجهة حقيقية بين مشروعين، وتصعيد التوتر هو الأسلوب الذي ينتهجه فريق «المعارضة» المتمثل بالجيش، ورأس حربته المدنية «حزب الشعب الجمهوري» الذي قال زعيمه دينيز بايكال إنه إذا لم تبطل المحكمة الدستورية انتخابات الرئيس فسنزيد الوضع توتيرا. وعكس هذا العقل التوتيري رئيس جامعة «اينونو» فاتح حلمي اوغلو، وذلك على طريقة خذوا أسرارهم من صغارهم، بقوله إنه حتى لو كانت الحكومة تحظى بتأييد، ليس فقط 35 في المئة بل 95 في المئة فلن يغير الأمر شيئا في ضرورة التصدي لها، وكائنا من كان في السلطة فتركيا علمانية وستبقى علمانية.

وانعكس التوتر الشديد على العشاء الذي أقامه الرئيس احمد نجدت سيزير على شرف رئيسي باكستان برويز مشرف وأفغانستان حميد قرضاي، إذ حضره اردوغان ووزير الخارجية عبد الله غول، المرشح الى الرئاسة، ولم يحضره رئيس الأركان.

واتصل اردوغان برئيس الأركان، معربا له عن حزنه مما ورد في بيان الجيش، وصدوره على شبكة الإنترنت، وإنه كان على الجيش أن يتباحث في هواجسه مباشرة مع الحكومة وليس بهذا الأسلوب. وقد ردّ عليه الجنرال بويوك انيت ان البيان كان يريد مقاسمة الشعب بعض هواجسه وحساسياته.

لكن ردة الفعل الأكبر جاءت من الدوائر الخارجية ولا سيما الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وهذه كانت في أساس قرار غول عدم الانسحاب من معركة الرئاسة.

وتذكر صحيفة «ميللييت» أن البيان نزل كالصاعقة على رؤوس الدبلوماسيين الأجانب في تركيا، الذين فسّروا البيان على انه: لا لعبد الله غول ولكل من يشبهه، وتدخل في قرار المحكمة الدستورية كأنه يقول لها: لا تفتحي الباب أمام غول. وهذا ما حدث خلال العام الماضي عندما تدخل الجيش بقضية شمدينلي، وقبل أسبوعين بإغلاق مجلة «نقطة» لأنها سرّبت وثائق عن مشروعي انقلاب .2004

ويرى دبلوماسيون أجانب، في أنقرة، أن الجيش يريد أن يستفيد «حزب الشعب الجمهوري» من إجراء انتخابات نيابية جديدة. وبدا واضحا أن كل الأحزاب الأخرى، ولا سيما أحزاب مركز اليمين، مثل «الطريق المستقيم» و«الوطن» هي أحزاب بيد الجيش. ويرى هؤلاء الدبلوماسيون أن أحزاب مركز اليمين ألحقت ضررا كبيرا بالديموقراطية، عبر المساهمة بتعطيل النصاب في الجلسة الأولى لانتخاب الرئيس، ما أفسح المجال أمام حزب الشعب الجمهوري للطعن بها. إلا أن هؤلاء الدبلوماسيين يقولون إن المأزق الأكبر للجيش سيكون إذا ما حوّل حزب العدالة والتنمية «مغدوريته» إلى انتصار كاسح في الانتخابات المقبلة، وهذا أمر محتمل.

ويرى الدبلوماسيين الأجانب أن ما فعله العسكر في تركيا خلق ردة فعل عكس ما يريد، وهي ازدياد الوعي بأهمية الديموقراطية.

وفي سياق شبيه بهذا يقول فهمي قورو، المقرب من «حزب العدالة والتنمية»، إن لعبة التوتير والفرز التي اتبعها «حزب الشعب الجمهوري» لن ترتد إلا عليه، داعيا إلى عدم الخوف من الشارع وقول كلمة الشعب في الانتخابات المقبلة.

وهنا يرى المراقبون انه سواء قالت المحكمة الدستورية ببطلان الانتخابات الرئاسية أو عدم بطلانها، فإن الانتخابات النيابية المبكرة واقعة لا محالة، وان صدور قرار بإبطال الانتخابات يعني انتخابات مبكرة من دون معرفة من سيبقى في سدة الرئاسة إلى حين صدور النتائج، لأن الدستور لا يحدد ذلك. فهل سيبقى سيزير ليصرّف الأعمال أم ستحل الحكومة محله.

إنها فوضى التفسيرات الدستورية. أما في حال قالت المحكمة بعدم بطلان الانتخابات الرئاسية، فإن نية «حزب العدالة والتنمية» مواصلة خوضها وبغول، لأن التراجع عن ذلك، بعد تراجع اردوغان عن الترشّح، يعني الانتحار السياسي لتيار الحزب، لكن مع الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة. هل سيسمح الجيش بالسيناريو الثاني؟.

لا شك أن شروط القيام بانقلابات عسكرية مباشرة لم تعد سهلة كما في السابق، ولا سيما مع معارضة واشنطن وأوروبا، لكن الجيش بعد إخراجه المعركة إلى العلن سيعمل على استنفاذ كل الوسائل السياسية الممكنة، حتى إذا ثبت فشلها لن يتورع عن القيام بانقلاب في وجه الجميع في الداخل وضد أوروبا «التي تريد تقسيم تركيا، وضد أميركا التي تريد دولة كردية مستقلة في العراق»، كما يرى العسكر، وانعكاسات ذلك على تركيا.

إن تركيا في مواجهة تحديات خطيرة جدا، لا احد يعرف عن أي واقع جديد ستسفر، خصوصا بعد سقوط نظرية العسكر التي راجت على ألسنة قادته باحترام العملية السياسية وإرادة البرلمان، وانعدام الثقة بما يقوله لأنه اظهر انه يقول شيئا ويفعل شيئا آخر، ويتصرف كما لو أن شيئا في هذا العالم لم يتغير في السنوات الأخيرة، بمعنى أنه يتصرف تصرف اليائس الذي يخوض معركة «إما أنا أو هم».

الجميع بانتظار قرار المحكمة الدستورية الذي عمليا لن يغير واقع المعركة المكشوفة التي انفجرت، بل فقط سيحدّد الطريق الذي ستسلكه!.

مصادر
السفير (لبنان)