الحياة / إبراهيم الحميدي

الآن، وقد انتهت الانتخابات البرلمانية السورية، وهي الثانية في عهد الرئيس بشار الأسد منذ تسلمه الحكم في تموز (يوليو) 2000 والتاسعة منذ قيام «الحركة التصحيحية» وتسلم الرئيس الراحل حافظ الأسد الحكم في العام 1970، يمكن إبداء سبع ملاحظات على هذه الانتخابات، تجعلها تختلف ولو جزئياً عن الانتخابات السابقة:

أولاً: حملة دعائية رسمية تحض على المشاركة في الاقتراع. إذ استبقت السلطات السورية الانتخابات بحملة دعائية استخدمت فيها جميع وسائل الاتصالات، بل انها جلبت ممثلين ونجوم الدراما السورية لتشجيع المواطنين على الاقتراع. كما انها استنفرت المواقع الإلكترونية السورية ووسائل الإعلانات الطرقية، وآخر تقنيات التصوير ووسائل الاتصال المتعددة، لحض السوريين على الاقتراع في يومي 22 و23 نيسان (أبريل) الماضي.

كما ان المرشحين اضطروا إلى القيام بزيارات ميدانية إلى أماكن تواجد المقترعين في المصانع والشوارع والدكاكين، إضافة إلى الاستمرار بالعادة القديمة – الجديدة وهي نصب المضافات التي تقدم المأكل المجاني ووسائل اللهو بما فيها «النرجيلة».

يدل هذا إلى ان الحكومة السورية على صلة بالجماهير، في شكل يختلف عن السنوات السابقة ويتكيف مع التطورات الإقليمية والدولية.

ثانياً، شفافية جزئية في إعلان النتائج. حرصت الحكومة على عدم المبالغة بأرقام نسبة المشاركة، حيث أعلن الأمين العام المساعد لحزب «البعث» محمد سعيد يخيتان ان النسبة كانت في الساعات الأولى ليوم الانتخابات الأول في حدود 12 في المئة. كما ان وزير الداخلية اللواء بسام عبدالمجيد قال إنها بلغت 57 في المئة من أصل الحاصلين على بطاقات اقتراع في جميع الأراضي السورية.

وتبلغ نسبة الذين يحق لهم التصويت في سورية 12 مليوناً من أصل 19 مليوناً. وحصل 7.6 مليون منهم على بطاقات انتخاب، لكن لم يشارك منهم سوى 57 في المئة الاقتراع، ما يعني عملياً ان ثلث الذين يحق لهم التصويت شاركوا في الانتخابات، بحسب البيانات الرسمية. كما أعلن وزير الداخلية ان في البلاد أكثر من 516 ألف شخص محرمون من التصويت. ولا شك ان بين هؤلاء سجناء سياسيين محرمين من الحقوق المدنية، إضافة إلى ان العسكريين مجمد عنهم الاقتراع طالما انهم في الخدمة وبينما أعلنت قوى «اعلان دمشق» المعارضة ان المشاركة بلغت 6 في المئة، معتبرة ذلك مؤشراً إلى «عدم الاكتراث» بنتائجها وان «الشعب دار ظهره لمسرحية الانتخابات». لكن اللواء عبدالمجيد قال إن الانتخابات جرت «في جو تسوده الحرية والشعور بالمسؤولية والديموقراطية والنزاهة والشفافية». وقال مصدر رسمي لـ «الحياة» أمس ان «عدم المشاركة جزء من الممارسة الديموقراطية التي يحق للفرد ان يختاره».

وعزا بعض المصادر السبب إلى «عدم القيام بحملة توعية من ان الانتخاب لا يحصل إلا ببطاقة الانتخابية».

ثالثاً، تعرض الانتخابات إلى حملة من «المعارضة» مقابل اهتمام لافت للحكومات الأجنبية. إذ أعلنت قوى المعارضة السورية في الخارج والداخل «مقاطعة» الانتخابات وحض المواطنين على عدم المشاركة في هذه الانتخابات. واللافت ان إدارة الرئيس جورج بوش كانت تعلق في شكل يومي على الانتخابات. إذ قال شون مكورماك المتحدث باسم الوزارة الخارجية الأميركية في بيان ان السلطات السورية «تحرم مجدداً الشعب السوري من الحق في بيئة سياسية مفتوحة وشفافة يشارك فيها الجميع».

وبينما غاب الموقف الأوروبي الواضح المماثل للموقف الأميركي، عبر ممثلو السفارات الأوروبية عن الاهتمام بالدخول إلى مراكز الاقتراع المنتشرة في دمشق (كان هناك 10903 مراكز في جميع أنحاء البلاد)، لـ «تفقد» سير العملية. لكن وزارة الخارجية الكندية أعربت عن «القلق من ثغرات القانون والنظام والعمليات الانتخابية في سورية» وتأكيدها انه «على هذا البلد ان يضمن لمواطنيه الحق في انتخابات تشريعية ورئاسية ديموقراطية فعلاً».

رابعاً، تعزيز أحزاب «الجبهة الوطنية التقدمية» مقاعدها في البرلمان. أقر حزب «البعث» الحاكم في مؤتمر العاشر في حزيران (يونيو) 2005 توصيات تتعلق بإقرار قانون جديد للأحزاب السياسية وتعديل قانون الانتخابات البرلمانية وقانون انتخاب الإدارة المحلية. لكن بعدما جهز خبراء مسودات هذه القوانين، اتخذت الحكومة قراراً بـ «تجميد» إقرارها إلى ما بعد هذه الانتخابات، بناء على قناعة القيادة السورية ان الظروف الإقليمية والدولية لا تسمع بذلك بسبب الضغوطات الخارجية والوضع المتوتر في الشرق الأوسط.

بالتالي، فإن الانتخابات جرت وفق الآلية القديمة التي كانت أقرت بمرسوم رئاسي في 1990، عندما وسع الرئيس الراحل البرلمان ليضم 250 مقعداً بدلاً من 195، في إطار المساعي الرسمية لاستيعاب التغيرات في أوروبا الشرقية وانهيار عدد من الأنظمة.

بعدها، اتخذت القيادة القطرية لـ «البعث» الحاكم قراراً سياسياً (ليس قانوناً»، قضى بأن يذهب 85 مقعداً لنواب مستقلين غير منتمين إلى أحزاب سياسية، مقابل ذهاب 165 مقعداً إلى ممثلي أحزاب «الجبهة الوطنية التقدمية»، وهي ائتلاق سياسي يضم حالياً عشرة أحزاب سياسية ناصرية وشيوعية وقومية تفتقد إلى التمثيل الشعبي الواسع، بقيادة حزب «البعث» الحاكم الذي يعتبر بموجب المادة الثامنة من الدستور «القائد للدولة والمجتمع».

لكن الجديد، ان نتائج الانتخابات كشفت ان مقاعد «الجبهة ارتفعت من 167 مقعداً في البرلمان السابق إلى 172 مقعداً في البرلمان الجديد، بحيث ان كتلة المستقلين، خسرت خمسة مقاعد موزعة على عدد من المحافظات. ويعكس هذا رغبة رسمية في تعزيز وجود الأحزاب المرخصة وقطع الطريق على مستقلين غير موالين.

يشار إلى ان أكثر من تسعة آلاف شخص رشح نفسه إلى هذه الانتخابات. وبمجرد ان القيادة اختارت قوائمها في الدوائر الانتخابية الـ 15، فإن أكثر من سبعة آلاف مرشح انسحبوا من السباق التزاماً بقرارات حزبية. وبقي في المنافسة نحو 2400 تنافسوا على 250 مقعداً بينها 172 مقعداً لـ «الجبهة»، ما يعني ان المنافسة كانت فقط على مقاعد المستقلين.

خامساً، تشكيل «قوائم ظل» لدعم مستقلين على حساب آخرين. ليس جديداً ان يكون النواب المستقلون قريبين من الحكومة لكن الجديد، ان القيادة القطرية لحزب «البعث» أصدرت تعميمات داخلية لإعطائها البالغين نحو 2.2 مليون شخص بالتصويت لمرشح مستقل مقابل مقاطعة مرشح آخر.

يشار إلى ان الممثل صباح عبيد نقيب الفنانين، عومل معاملة «الجبهويين» في انتخابات دائرة دمشق التي تضم 29 نائباً بينهم 16 نائباً من «الجبهة» والباقي من المستقلين. لكن عبيد دخل إلى البرلمان على حساب مقاعد المستقلين.

وحصل الأمر ذاته في محافظتي الحسكة وريف حلب. وباعتبار ان الأحزاب الكردية غير المرخصة، لها وجود قوي في هاتين المنطقتين، فإنها قررت خوض الانتخابات بقوائم منافسة لقوائم «الجبهة». لكن قيادة «البعث» قررت تشكيل «قوائم ظل»، بحيث انها أغلقت القوائم باختيار مرشحين مستقلين محددين على حساب آخرين. ما يعني عملياً ان القيادة دعمت عملياً المرشحين المستقلين الأربعة في الحسكة (من أصل 14 مقعداً). كما انها دعمت مرشحي ريف حلب المستقلين الـ 11 إضافة إلى اختيارها قائمة المرشحين «الجبهويين» الـ 21.

وقابلت الأحزاب الكردية هذا بـ «مقاطعة» الانتخابات لكن مصادر الحكومة تتحدث عن ارتفاع نسبة التصويت إلى 58 في المئة في هذه المناطق. وقال مصدر رسمي: «عندما كانت هناك شخصيات وطنية ترشح نفسها، لم نكن نتدخل»، مع الإشارة إلى ان قيام أي حزب بتوجيه أعضائه لانتخاب مرشح ما أو مقاطعة آخر «عمل ديموقراطي».

سادساً، تحالف ثلاثي بين الولاء ورجال الأعمال والشيوخ. يتفق معظم المرشحين والفائزين في توفر الولاء فيهم. لكن المرشحين المستقلين الذين دخلوا إلى البرلمان، انقسموا بين كونهم رجال أعمال وبين كونهم شيوخاً ورجال دين. ليس جديداً ان يكون رجال الأعمال مهيمنين على مقاعد غير «الجبهويين». لكن الجديد، ان كل قائمة شكلت للمرشحين المستقلين في دمشق وحلب وباقي المحافظات، ضمت رجل دين أو شيخ، وكأن رجال الأعمال يريدون مباركة الإسلام لترشيحهم.

صحيح أن الملاحظة الأساس كانت غياب برامج واضحة من قبل المرشحين والاكتفاء بجمل فضفاضة عامة، لكن بعض المواطنين قال إن مطالبه من مرشحيهم كانت «ان يبنوا لنا مساجد جديدة» علماً ان في سورية ثمانية آلاف مسجد. كما ان الشيخين عبدالسلام راجح ومحمد الحبش كانا في مقدمة الفائزين في محافظة دمشق بفضل الدعم الذي حصلا عليه من المجتمعات الإسلامية والمدارس الدينية. هذا دليل إضافي إلى تعمق المد الإسلامي في سورية وإلى عجز المرشحين على تلمس الحاجات الفعلية لأولئك الذين من المفترض ان يصوتوا لهم.

سابعاً، حصول أحداث شغب وعنف، ليس جديداً ان يخسر نائب مستقل ويفوز آخر بدعم «جبهوي» أو غير حكومي. لكن هذه المرة، عبر عدد من مؤيدي المرشحين عن رأيه بالعنف، فحصلت أحداث عنف وشغب في منطقتي الرقة في شرق البلاد. والجديد أيضاً ان العنف قام على أساس عشائري بسبب خلاف بين عشيرتين تؤيد كل منهما مرشحاً من المرشحين. وقام المحتجون باقتحام مواقع حكومية وتحطيم بعضها. وبحسب مصادر حكومية، فإن أكثر من مئة شخص أودعوا السجن بسبب ذلك في الرقة، كما ان السلطة تدخلت كوسيط بين العشيرتين لحل النزاع العنفي. وأوضح اللواء عبدالمجيد إن ما حدث هو حماس بعض الناخبين عندما شعروا أن مرشحهم يمكن أن يتعرض للخسارة، وأكد عدم وجود أي أذية أو إصابات، مضيفاً: «أن الانتخابات جرت في جو آمن ديموقراطي ونزيه، من دون أي حوادث».

وحصل أمر مماثل في مخيم الوافدين قرب دمشق، الذي يضم آلاف النازحين من مرتفعات الجولان بعد احتلال 1967، حيث حاول محتجون قطع أوتستراد دمشق – حلب بحرق إطارات والتظاهر والعنف، اعتراضاً على خسارة «مرشحهم» ونجاح آخر.

ويمكن الإشارة هنا، إلى عودة الناس إلى التعبير بطرق غير سلمية عن ولاءات غير مدنية، تتعلق بالعشيرة والمنطقة وصلة الدم، حصلت في إطار التأثر بما يحصل في الشرق الأوسط. بهذا المعنى استفاد البعض من أجواء الانفتاح للتعبير عن أنفسهم ولو بطرق عنيفة في شرق أوسط تزداد فيها الحساسات الطائفية والعرقية والدينية. فكان قرار السلطة أولوية الاستقرار عبر الضبط الكامل للانتخابات من دون المغامرة بـ «لعبة ديموقراطية» تعطي فرصة لانكشاف هذه النزاعات الى السطح في شكل مقلق، باعتبار ان كبار المسؤولين قالوا مرات عدة إن «الأولوية هي للأمن».