منذ الحادي عشر من أيلول تبدلت استراتيجية الحرب على الإرهاب بشكل واضح، وشكلت "الأسماء" سمة واضحة سواء في الحملات الإعلامية، أو حتى في تكتيك المعارك التي خاضتها الولايات المتحدة سواء في أفغانستان أو العراق، فلم يكن كافيا بالنسبة للولايات المتحدة إسقاط نظام طالبان، أو احتلال العراق لأنها كانت تملك أسماء محددة تلاحقها، أو تدفع "الحرب على الإرهاب" باتجاهها، وهذه السياسية لا تشكل فقط عنوانا إعلاميا إنما هي صورة واضحة لطبيعة النظر إلى الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة. والأخبار التي تم تناقلها عن مقتل "أبو أيوب المصري" الذي يعتقد أنه زعيم القاعدة في العراق، لا يشكل في المقياس العسكري أي معيار في مسألة التقدم بشأن محاربة "الإرهاب"، لكن المسألة بالنسبة للولايات المتحدة أكثر تعقيدا من تقليص "بيئة الإرهاب"، لأنها في النهاية لا تتعامل مع الارهاب كنتيجة النظام العالمي، أو لأشكال الثقافات الموجودة ، إنما تسعى لرسم سياسة خارجية تتسم أساسا:
-  تبديل في نوعية الدور الأمريكية، فالحرب على الإرهاب لم تتعامل مع مشاكل حقيقية للسياسة الأمريكية داخل المجتمعات أو الدول، إنما حاولت تشكيل صورة أخرى ترسم "العدو" بمجموعة أشخاص، وفي أحسن الحالات مجموعات متفرقة، وهذا الأمر شكل محور "الحرب غير المتوازية" كما طرحها الرئيس الأمريكي بعد الحادي عشر من أيلول.
-  انعكس التبدل النوعي في السياسة الأمريكي على كافة أشكال سياستها الخارجية، فالمسألة ليست إخضاع سياسات الدول، أو فرض إملاءات فقط، إنما خلق سلسلة من التوافقات القادرة على خلق مجال سياسي مغلق، يولد ازمات متتالية نتيجة "الحرب على الإرهاب"، وهذا ما حدث داخل السعودية أو حتى في المناطق االمتوترة مثل أفغانستان على سبيل المثال. فالاحتلال أو سياسة محاربة الإرهاب كانت كفيلة بخق سياسات داخلية للدول تتسم بالصراع الدائم مع "أطراف المجتمع". عمليا فإن الولايات المتحدة أوجدت "نظرية" خاصة في التعامل الدولي، وإطلاق مصطلح النظرية هو فقط لتمييزها عن أي سياسات سابقة سواء في ظل الحرب الباردة أو في مراحل التسعينات عندما بدأت بوادر النظام العالمي الجديد. وهذه "النظرية" اعادت رسم أي نزاع إقليمي ودولي إلى مقياس واحد، يقود بشكل مباشر نحو تحديد أسماء مطلوبة، معتبرة أن التحول يمكن أن يحدث مع إزاحة هذه الأسماء، والملاحقات لشخصيات القاعدة في العراق والعالم بدأ يشكل نوعية الصراع والعدو في نفس الوقت بالنسبة للسلام العالمي، واستطاعت الخارجية الأمريكية خلال السنوات الماضية نقل التهديدات للسلام العالمي من قضايا أساسية مثل "التسلح" أو "البيئة" أو حتى "الإرهاب"، إلى مصطلحات جديدة حولت "نوعية العدو" باتجاه "الأشخاص" وفي أحسن الأحول إلى دول معينة، بينما يتم اختصار دور سياسات هذه الدول بالأشخاص، كما يحدث مع إيران والهجوم الذي يتعرض له الرئيس نجاد، أو حتى في تصريحات الخارجية الأمريكية تجاه السياسة السورية، والانتقال نحو الهجوم الشخصي على السياسيين. كان واضحا أن الولايات المتحدة كانت معنية بالدرجة الأولى بإيجاد "بيئة" إضافية وليس فقط التعامل مع "بنية الإرهاب"، وهو ما يعطي "الأسماء" المطلوبة على قائمتها أهمية واضحة لأنها لم تستطع إيجاد استراتيجية واضحة لمعالجة هذا الموضوع على المستوى الدولي، مما يدفعها إلى رسم حركة الإرهاب وفق الأسماء التي يتم طرحها وكأنها صور لمجرمين في الغرب الأمريكي، فمنذ انتقال المعركة من القاعدة إلى "أسامة بن لادن" اتخذت الحرب شكلا آخر، فلم يعد بالنسبة للولايات المتجحدة وجود ائتلاف دولي في أفغانستان كافيا، لأن "الملاحقة" مع زعيم القاعدة لم تنته. ربما ليس مهما متابعة الأخبار التي تتعامل مع "الإنجازات" التي تنشر يوميا في مسألة الحرب على الإرهاب، لأن "الشخصيات" الإرهابية حسب تعبير الإدارة الأمريكية هي في النهاية ترسم أزمات جديدة نتيجة أشكال الحرب والملاحقات، واعتبار أن بنية الإرهاب مركبة خارج حركة "السياسة الدولية"، أو أنها تتولد ذاتيا مما يستدعي "تبدلا ثقافيا" على شاكلة الشرق الأوسط الجديد. فالإرهاب لا يتكرر لكنه يظهر في افتراضات الخارجية الأمريكية على أنه معركة محدودة يمكن السيطرة عليها بينما أثبتت الحرب في أفغانستان والعراق، وحتى في فلسطين، أن القضية لا تتعلق بتعريفات الإرهاب أو الاتفاق عليها بل اعتبارها ظاهرة مرتبطة أساسا بالسياسة الدولية، وحتى بطبيعة النظام العالمي الذي تبلور بشكل سريع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومسألة إطلاق عناوين إعلامية هي في النهاية نوعا من تحويل مجال الصراع نحو جزئيات صغيرة لا يمكن أن تعبر عن حالة معقدة أنتجتها التطورات التي ظهرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

مصادر
سورية الغد (دمشق)