من المبهج أن تهتمّ صحيفتكم بموضوع كتابي الصادر حديثاً عن المعارضة الصهيونية، والمطبوع مؤخراً باللغة العربية («المناهضة اليهودية للصهيونية» ـ مركز دراسات الوحدة العربية). والعرض الذي كتبه زميلي المميز وسام سعادة الاستاذ في جامعة القديس يوسف (في «السفير» عدد 19 نيسان الماضي) يظهر مدى أهمية القيام بتمييزات حاسمة بين اليهود والتقليد اليهودي، من جهة، وبين إسرائيل والصهيونية من جهة ثانية.

لقد أعلن الصهاينة منذ البداية رغبتهم في تحويل يهودي شرق أوروبا الخاضع الى عبراني واثق من نفسه لا يتردد في استخدام السلاح. ولإنجاز ذلك، قرروا تحريره من نير التوراة والتقليد اليهودي. وليس مفاجئاً أن يعارض أكثر اليهود في فلسطين وغيرها من الأماكن الصهيونية عندما ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر. وما زالت الصهيونية والدولة الصهيونية تستولد المعارضة.

حاول العديد من اليهود إيجاد حلول للتباينات بين اليهودية التي يؤمنون بها وجعلها تتواءم مع الايديولوجيا الصهيونية التي قبضت عليهم. والبعض منهم، كالمؤرخ النيويوركي طوني جوت والنائب السابق لرئيس بلدية القدس ميرون بنفنيستي، يتساءل علناً الآن عما اذا كانت دولة عرقية محاصرة على الدوام في الشرق الاوسط «امر طيب لليهود». ويواصل الكثيرون إبداء القلق من أن الصهيونية النضالية تدمر القيم الأخلاقية اليهودية وتجلب المخاطر الى اليهود في اسرائيل وغيرها من الاماكن. ودخل السجال حيز الثقافة الشعبية أيضاً: يركز فيلم ستيفن سبيلبرغ «ميونيخ» المنتج حديثاً بحدة على الكلفة الاخلاقية لاعتماد اسرائيل المزمن على القوة. ونشر العديد من الكتب على امتداد الأعوام القليلة الماضية («منبوذو الأنبياء» و«الصراع مع صهيون» «سؤال صهيون» و«خرافات الصهيونية») ألّفها يهود معنيون بالنزاع الاساسي بين الصهيونية والقيم اليهودية.

ونشرت في كانون الثاني الماضي مجلة «الايكونوميست» الموالية بجلاء للمؤسسة الرسمية، استطلاعاً بعنوان «دولة اليهود» وافتتاحية دعت فيها يهود الشتات العاديين إلى الابتعاد عن موقف «مع بلدي، في الحق وفي الباطل» الذي تتبناه منظمات يهودية عدة. وفي الوقت ذاته تقريباً، أثار عدد من اليهود في بريطانيا وكندا والولايات المتحدة نقاشاً جريئاً بشأن إسرائيل في المنشورات الرئيسة وحتى في المنشورات المحافظة. ولم يعد يمكن للمرء أن يغضّ النظر عن الاعتراض اليهودي بصفته اعتراضاً هامشياً عندما تهاجم شخصيات من طراز الملياردير جورج سوروس والحائز على جائزة نوبل هارولد بينتر، علناً اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وتشدّد على حقها وواجبها الاخلاقيين في معارضة إسرائيل وسياساتها.

وتخطى اتخاذ موقف من الانعتاق اليهودي من دولة إسرائيل وسياساتها بعض الانقسامات القديمة وخلق انقسامات جديدة. ومنها أن نقداً فائق الارثوذكسية لاسرائيلية، المخاصم عادة لليهودية الإصلاحية، يدين الرابي الاصلاحي لقوله «عندما يصمت مناصرو إسرائيل اليهود في الخارج عن السياسات الكارثية التي لا تضمن سلامة مواطنيها ولا تنتج المناخ المناسب، وتتوصل الى سلام عادل مع الفلسطينيين ... فإنهم يخونون الحد الأدنى من القيم اليهودية ويتصرفون ضد مصالح إسرائيل بعيدة المدى». وقليل هو اهتمام اليهود الارثوذكس أخصام الصهيونية، بالتاريخ، كما أن الرفض الشديد للصهيونية الذي تبناه كبار الرابيين في القرن الماضي ما زال صالحاً على النحو الذي كانه عندما طُرح للمرة الأولى. ولهذا السبب، ووفق ما لاحظ الاستاذ سعادة محقاً، فإن التحقيب المعتاد لا ينطبق على هذا النوع من السرد التاريخي.

لقد استقطبت علاقتهم (كبار الرابيين) بدولة إسرائيل وبالصهيونية اليهود. ولا يتعلق المحور الذي جرى الاستقطاب حوله بأي من الانقسامات المعتادة: الاشكناز والسفارديم، الملتزمون وغير الملتزمون، الارثوذكس وغير الارثوذكس. فكل من هذه الفئات تشمل يهوداً يؤمنون بأن فكرة الدولة اليهودية بحد ذاتها والثمن الإنساني والأخلاقي الذي تتطلبه، يزعزع كل ما تعلمه اليهودية، وخصوصاً صميم قيم التواضع والتعاطف واللطف. والانقسامات بشأن إسرائيل والصهيونية حادة الى الدرجة التي قد تؤدي الى تقسيم اليهود على نحو لا براء منه على غرار ما فعل ظهور المسيحية منذ ألفي عام. والمسيحية التي تجسد القراءة اليونانية للتوراة، انفصلت في نهاية المطاف عن اليهودية. وعلى غرار المسيحية، تعكس الصهيونية قراءة قومية رومانسية للتوراة والتاريخ اليهودي، وقد نجحت في إدهاش الكثير من اليهود.

وتبقى من المهم متابعة ما إذا كان الانقسام بين اولئك الحريصين على التقليد الأخلاقي اليهودي والذين تحولوا إلى القومية اليهودية، قابلاً للالتئام. وبغض النظر عن مدى مصيرية الانقسام هذا بالنسبة الى اليهود واليهودية، فليس من الضروري ان يؤثر على اسرائيل التي يزيد عدد من يمحضها التأييد غير المشروط، من المسيحيين الانجيليين كثيراً عن مؤيديها اليهود. حيث يبلغ عدد المسيحيين الصهاينة في اميركا عشرة ملايين. وليس الرئيس جورج بوش الابن سوى واحد منهم. وعلى خلاف انتقاد الاستاذ سعادة، فأنا لم أصدر اي حكم على قدرات رئيس الولايات المتحدة او على أدائه.

ليست الصهيونية وإسرائيل موضوعاً أكاديمياً تماماً في لبنان، واستطيع تفهم الخطأ الذي وقع فيه الاستاذ سعادة عندما ادعى أن كتابي متحيز. وعلى الرغم من ذلك، فهو ليس كذلك: إنه يقدم المادة ويترك القارئ يحكم. وقد تأكد هذا المنحى من قبل عدد كبير جداً من القراء في شتى أنحاء العالم الذين وجدوا كتابي متوازناً على نحو مرضٍ. وكأكاديمي، أحاول ان انقل الى القارئ سياق وكلمات المتخاصمين بأسلوب مقنع، ويسهل مع ذلك الخلط بين الرسالة وبين الرسول، عندما تكون الرسالة ذات سمة مصيرية بالنسبة الى الشرق الاوسط برمته. وقراءة أكثر تمعناً لكتابي كانت لتساعد الاستاذ سعادة على اكتشاف أن فصلاً كاملاً من الكتاب يغطي كل واحدة من المسائل التي يدّعي أنني تجاهلتها، أي المسيحانية والمحرقة، وفيه قدّمت وجهات النظر اليهودية التقليدية مركزاً على وجهات النظر اليهودية المناهضة للصهيونية بشأن هذه الظواهر.

إن الأهمية الفكرية للتفكير الواضح والتمييز بين المفاهيم جلية تمام الجلاء. وربما تكون اهميتها العملية أقل جلاء. ومن هنا يجيء كتابي. على قاعدة مادة تاريخية مؤثرة، لكنها غير معروفة تماماً تظهر كم هي مختلفة هذه المفاهيم في الحقيقة: الصهيونية، اليهودية؛ إسرائيل كدولة، وكبلد وكأرض، وكأرض مقدسة، اليهود (الإسرائيليون وغير الإسرائيليين)، الاســرائيليــون (اليهود وغير اليهود)، الصهاينة (من اليهود والمسيحيين) ومناهضي الصهيونية (مجدداً، من اليهود والمسيحيين). وعلى سبيل المثال، عندما سميت اسرائيل دولة يهودية، أعاد ذلك التأكيد على الادعاء الصهيوني الرئيسي وأسفر عن خلط خطير بين الايمان والقومية. ولا يعني موضوع الصهيونية المثقفين اللبنانيين وحسب بل جميع اللبنانيين الذين مستهم التطبيقات العملية للصهيونية. ولهذا السبب أحيّي نشر كتابي باللغة العربية، بما سيساعد القارئ في لبنان وفي غيره في العالم العربي على تجنب حالات من المزج الخطير والمضلل بين الصهاينة واليهود.

مصادر
السفير (لبنان)