قال الامير سعود الفيصل بعد اجتماعه بالسيدة رايس «يستعمل الناس، في بعض الاحيان، ‏المحادثات الديبلوماسية كمكافأة او كعقوبة»، من دون ان يحدد الوزير السعودي «المحنك» اذا ‏كان من دواعي هذا الوصف المحادثات التي جمعت رايس مع وزير خارجية سوريا وليد المعلم.‏

من المؤكد ان الاجتماع الذي استغرق 30 دقيقة لن يكون كافياً لتصحيح الخلل الكبير في ‏العلاقات الاميركية - السورية، ولكنه يشكل نقطة بداية، خصوصا ان الطرفين قد وصفا ‏المحادثات بالموضوعية والبناءة، وبأنها قد اتبعت الاسلوب المباشر الذي يستعمله رجال ‏الاعمال في محادثاتهم. ويبدو ان ادارة بوش قد سعت لاعطاء هذا الاجتماع قدراً من الايجابية من ‏خلال الكلام عن تحسن ملموس في ضبط الحدود مع العراق خلال الشهر الماضي، والذي ترجمته ‏القيادات العسكرية الاميركية بتراجع مستوى العنف والعمليات الانتحارية داخل العراق، ‏وبتراجع تسلل المحاربين الغرباء من سوريا باتجاه الاراضي العراقية.‏

سعت الولايات المتحدة خلال سنتين الى عزل سوريا بعدما اتهمتها برعاية الارهاب، وبالعمل على ‏دعم المقاومة العراقية والسماح للمقاتلين الاجانب بالالتحاق بتنظيم القاعدة بالاضافة الى ‏تهديد الاستقرار في لبنان. لم تنجح الاستراتيجية الاميركية لعزل سوريا في تحقيق اي تغيير في ‏السلوكية السورية، وفق الخط الذي حددته اميركا.‏

يأتي اجتماع شرم الشيخ ليحقق ما سعت اليه الديبلوماسية السورية خلال الاشهر الستة ‏الماضية من اجل فتح قنوات للحوار مع الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. لكن لا يحقق هذا ‏الاجتماع كل ما تطمح اليه دمشق للخروج بسرعة من العزلة الديبلوماسية الغربية ‏والعربية التي واجهتها منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. تدفع واقعية ‏الديبلوماسية التي يعتمدها الوزير وليد المعلم، والتي تستند الى تجربته الطويلة كسفير ‏لسوريا في واشنطن الى ادراك صعوبة اجتياز الحواجز الصعبة التي ما زالت تفصل بين ما تحقق ‏وما تصبو اليه سوريا من تطبيع للعلاقات مع الولايات المتحدة، وخصوصا لجهة القضايا ‏العالقة مع لبنان، او لجهة مباركة واشنطن لبدء حوار جدي بين سوريا واسرائيل من اجل ‏تحقيق الانسحاب من هضبة الجولان.‏

من المؤكد ان اجتماع المعلم مع رايس قد شغل بال القوى السياسية في 14 آذار، وهذا ما ‏دفع واشنطن الى اصدار اكثر من توضيح حول ماهية الاجتماع والتأكيد على عدم اثارة اي ‏موضوع خاص بلبنان، وبأنه لا تتوافر النيّة لدى الادارة الاميركية لمقايضة اي مساعدة سورية ‏لتحسين الاوضاع داخل العراق بالمطالب السورية في لبنان، وخصوصاً قضية تشكيل المحكمة ذات ‏الطابع الدولي. ويمكن في هذا الاطار التوقف عند ما صرح به الناطق باسم الخارجية الاميركية ‏شون ماكورماك بقوله «ليس لدى الشعب اللبناني من صديق افضل من الولايات المتحدة». وكان ‏اللافت ايضا في هذا الجهد لطمأنة الحلفاء في لبنان، التأكيد الصادر عن السفير فيلتمان بأن ‏لبنان ليس بنداً على اجندة اجتماع شرم الشيخ، بالاضافة الى تأكيده على استمرار الجهود ‏الاميركية من اجل اقرار موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي. ‏

ليس من المتوقع ان يبقى اجتماع شرم الشيخ بين رايس والمعلم «يتيما»، انه بداية، وستبدي ‏سوريا الكثير من الحرص على استثماره من اجل توسيع قنوات الحوار مع واشنطن. من هنا تبدو ‏لي التأكيدات التي صدرت بعد هذا الاجتماع بأنه لم يتضمن اي بحث بشأن الازمة في لبنان، هي ‏مجرد مناورة اميركية موقتة، فالحوار حول لبنان الذي لم يجر بالامس في شرم الشيخ مرشح ‏للاستمرار اليوم وغداً عبر مختلف القنوات الديبلوماسية. يدرك الطرفان الاميركي والسوري ان ‏هناك روزنامة ضاغطة تفترض معالجة بعض الاستحقاقات في لبنان وابرزها المحكمة، والانتخابات ‏الرئاسية، وبأن المصالح المتبادلة بينهما في العراق ولبنان وفلسطين تفترض استمراراً في ‏استثمار الايجابيات التي تمخض عنها اجتماع شرم الشيخ.‏

ان العقبة الكأداء التي يمكن ان تقف في طريق استثمار مثل هذه الايجابيات تتركز حول ان ‏تتضمن الاجندة الاميركية تجاه سوريا مطالبة دمشق بفك ارتباطاتها الاستراتيجية مع طهران، ‏وخصوصاً بعد ان رشح من المحادثات التي اجرتها رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوزي بأنها قد ‏تركزت حول حماية المصالح الاميركية في لبنان وفلسطين والعراق وافغانستان، مع استطلاع ‏امكانية شق فجوة في العلاقات السورية - الايرانية. وكانت بعض المعلومات قد ذكرت ان ‏بيلوزي قد طرحت بصراحة امكانية حدوث مثل هذا التباعد، ولكنها لم تتلق اي جواب شاف. ‏ ان ابشع الخيارات التي تواجهها الديبلوماسية السورية تتمثل بارتكاب اي خطأ او سوء ‏تقدير قد يؤدي بها الى العزلة من جديد، ويبدو ان امكانية حدوث مثل هكذا خطأ ما زالت ‏قائمة وتحديداً في لبنان وذلك نظراً للتعقيدات الناتجة من اقرار المحكمة الدولية، وتعطيل ‏المؤسسات الدستورية.‏

تقود المواقف السورية تجاه لبنان الى الاعتقاد بأن سوريا ما زالت تخشى امكانية تحميلها في ‏التحقيق الدولي مسؤولية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبالتالي ما يمكن ان يترتب من مخاطر ‏على النظام جراء المحكمة الدولية. من هنا من المتوقع ان تفتش سوريا في مرحلة لاحقة عن ‏مخارج لهذه القضية من خلال العمل الديبلوماسي وتحديداً مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعدما ‏فشلت في احتواء الازمة في لبنان من خلال افتعال ازمة سياسية معقدة بواسطة حلفائها ‏المحليين.‏

ان الخيارات المفتوحة لاستدراك نتائج توجيه التهمة لسوريا ستكون من خلال اجبارها على ‏القبول بدفع فواتير سياسية باهظة الثمن للولايات المتحدة. ما هي العناصر لمثل هكذا ‏تسوية؟

من الناحية النظرية، يمكن ان تطلب الولايات المتحدة تخلي سوريا عن تحالفها مع ايران ‏خصوصاً اذا رفضت ايران التنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، اما داخل لبنان فانه من ‏المنتظر مطالبة سوريا بوقف دعمها لحزب الله وبالتخلي عن سياسة دعم المنظمات الارهابية ‏وخلخلة الاوضاع الداخلية اللبنانية. وسيطلب من سوريا ايضا المباشرة بترسيم حدودها مع ‏لبنان، وبدعم بتنفيذ القرارين 1559 و1701، وهو هدف اساسي من اجل تحقيق المصالح الامنية ‏لدولة اسرائيل. اذا تحققت هذه الاهداف فان ذلك سيفتح الطريق امام سوريا لمطالبة ‏الولايات المتحدة واسرائيل للانفتاح فعلياً على المبادرة العربية للسلام، وبالتالي معاودة ‏المفاوضات على المسار السوري من اجل تحقيق الانسحاب من الجولان.‏

ستحدد الاشهر القليلة المقبلة الاتجاه الذي ستعتمده دمشق في سياستها الخارجية على المستويين ‏الاقليمي والدولي. ان امام سوريا خيارين: الاول، ان تستغل الانفتاح على الولايات المتحدة ‏من اجل الخروج من العزلة الخانقة، سياسياً واقتصادياً، ومن اجل تصحيح علاقاتها مع لبنان ‏والعراق ودول الخليج. والثاني ان تتمسك بتحالفاتها مع ايران وبعض قوى الرفض الاخرى، ‏ضمن استراتيجية اقليمية لاستغلال المصاعب التي تواجهها الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً من ‏اجل دحرها.‏

ان كل المؤشرات تقود الى الاعتقاد بأن الديبلوماسية السورية ستجنح الى اعتماد الخيار ‏الأول.‏