( إلى عشتار الحلبية أنا رودسين ملك لارسا .....)

( إلى عشتار الحلبية : ابنة البكر....)

لكن عشتار كانت تتأمل مدينتها متنقلة بين تلالها محاولة التعرف على ألوان الحجارة التي شكلت مساحة حريتها . فمنذ مملكة (يمحاض) امتهنت عشتار مراقبة الأحياء والأزقة وهي تنمو لتغدو مدينة بحجم حلب تحمل كل يوم ضحكتها وفرحها لتسير بين الشوارع راصدة عشق الحياة في تفاصيل المعيشة اليومية وهي تحتضن جغرافيا البقاء وحنين الزمن لعنفوان إيقاع التاريخ .فضحكة عشتار بقيت لغزاً في وجه الكثيرين حتى أن تيمورلنك بقي أياماً يرضي غروره بأصوات الحرائق لكن ضحكة عشتار كانت أقوى فأعلن على أبواب دمشق انه ملّ الحروب .

ذاكرة عشتار لم تكونها الحروب فخارطة الفرح فيها تمتد فوق الزمن من طقس الخصب الأول إلى أهازيج العرس الحلبي مستوعبة تعاقب الأجيال التي أحبت بدورها عشتار فعشقت فرحها واستمرت حياة لم تستطع حوادث التاريخ إخمادها .

عشتار اليوم هي وجه المملكة الأولى (يمحاض) بصلابة أهلها وإصرار ملكها (ياريم ليم)على نجدة حمورابي . وهي عنف (لوكال) الذي ارتسم تجاعيد تحت عيني عشتار فخلف أسره على يد سرجون الاكادي هماً يشوبه الأمل في بسمة عشتار وتركت قسوة معاملته بعد أن كان ملكاً آلاما مازالت تنتقل في التراث النفسي لأبناء عشتار وهل هناك أهمية لمثل هذه التفاصيل؟ مادامت عشتار باقية في تمازج الجمال الحلبي ثم في وجدانها العميق الذي يستوعب هجرات العالم بدءاً من الحثيين وانتهاء بأنيين مجازر الأرمن .

في بداية هذا القرن عشتار الحلبية هي الخصب المتجدد لكل من يريد جغرافية أتعبت التاريخ وبقيت تشكيلاً متناغماً مع حياة الملايين .

..... أحاول مراقبة ذاكرتي دون جدوى فهي المرة الأولى التي أدخل فيها هذا الحي وتصر البوابات الثلاث للمسجد الكبير على الوقوف في وجه عقلي الباطن وأتوقع رؤية النقوش نفسها على الأقواس الخاصة ب(الجامع الكبير) حتى أن منارته كانت جزءاً من مسلسل أحلامي المتكرر عن هذا البناء . لكنني لست أمام هلوسة تاريخية رافقتني منذ أن أصبح التاريخ انتماءً قسرياً لحاضر منسي حيث لا جدوى من مراجعة شوق الأرض لحركة الحياة فالتاريخ والجامع الكبير يرسمان اشكالاً متفوقة للحياة ثم يكونان تشكيلات تغطيهما سحب الغبار لجحافل خيول سيف الدولة الحمداني .

لا أعرف ما سبب ربط حلب بالفترة الحمدانية ؟ ولماذا يظهر أبو فراس كلما أمعنت في تفاصيل الجامع الأموي في حلب ؟ كنت أتوقع أن أجتمع بسليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي الذي بنى الجامع في عهده وتصورت أن أبهة الأمويين سترافقني حيث ما تنقلت في أرجاء منطقة الجامع . أشاهد التجار الحلبيين في (خان الوزير) يتاجرون بالأقمشة والحرير ثم يجتمعون في الجامع الكبير لتلقي ثقافة جديدة ظهرت مع دخول الإسلام إلى المدينة .

حلم سيف الدولة أقوى من حلمي فهو يحضر كلما تذكرت فرح الحياة في أزقة حلب القديمة ويصطحب معه مجالسه الأدبية التي جعلت منه بطلا ًداخل قصيدة بينما ظلت حلب عرضة لنهب الأمير نقفور في وقت كان سيف الدولة يحمل حلمه ويهرب باتجاه حمص . وربما كانت شجاعته أكبر من الظرف التاريخي في تلك الفترة فقد بقي ذكره كأمير بطل ونسي الناس الأحداث الدامية التي عصفت بالمدينة آنذاك وحلب (حمدانية) المظهر .. فهي تحمل حلمها الدائم وشجاعتها الكبيرة وتتذكر أيام سيف الدولة بينما تتناسى ربما عن عمد باقي العصور التاريخية .

الجامع الكبير يحاصر خيالي وينعش حنيني لزاوية تحضنني فكل التكايا والربط كانت حاضرة داخل أعصابي عندما طوقني المكان بفيض تاريخي . وعلى بعد أمتار يقع خان الوزير الذي تتناثر حوله الخانات لتشكل في مواجهة القلعة تعبيراً تاريخياً لزمن حلب الخاص وأنسحب مع إيقاع استرجاع المدينة لزمنها على طول شارع القلعة الطويل فهنا حياة حكم عليها بأن تتنفس السماء عندما تجابه الخطر ... فكم من احتمالات الحياة تقف على أعتاب القلعة ؟هناك أصوات الصخب أمام الجامع الكبير وضحكات الأطفال على بوابة القلعة ومع تماوج هذا الإيقاع يدخل التاريخ الحلبي .

لم تفكر عشتار بهموم اليوم القادم فقد سحرها نشاط الفرسان واستعراضاتهم داخل المعسكر نهاراً وتاهت في فضاء الكلمات أثناء قراءة المتنبي لقصيدته في حضرة سيف الدولة وكانت تقاوم رغبتها باطلاق شعرها الخاص المكتوب على السماء منذ زارها جلجامش في الألف الرابع قبل الميلاد . وهي لا تعرض لماذا أصر سيف الدولة على اصطحابها معه إلى معسكره وأدركت بحدسها أن سيف الدولة لا يمل الحروب ويملك قدرة على استيعاب الهزائم وإحساساً عارماً بالنصر . فهو يحب فرحها عندما يطوف في معسكره بعد المعارك ويعشق رؤيا عينيها في مجالسه الأدبية لأنها وحدها تماشي طموحه في إدراك النجوم ولكن عشتار تريد الوصول إلى حالة قصوى من إدراك الحياة في عيني هذا الرجل والتعمق في إحساس الزمن الذي أوجده ورماه على أطراف إمبراطورية منهارة وحلب اعتادت الجغرافية الخاصة باستقطاب الحياة وتقلباتها بينما تضع عشتار ذاكرتها فوق هذه المساحة كي يبقى إيقاع الحياة الحلبية حالة متميزة فعلى امتداد عقد كامل كانت عشتار تغزل فصول الخصب وسط قرقعة السيوف التي تحاول إثبات الإصرار على الحياة وليس مهماً قناعتها بالزمن الذي أوجد سيف الدولة في مواجهة بيزنطة لكن المهم هو استمرار القناعة بأن حلب شكل من الوجود الذي ظهر لا يبقى ويستمر ما دامت الأرض موجودة لكل ما يحمله هذا الوجود من عنفوان وفرح وتشبث بالمدينة وهي تقف أمام المعسكر الذي لا ينام مطمئنة بقدرة التاريخ على منحها خبرة جديدة .

20 كانون الأول 962

خافت على الجامع الكبير وهي تطوف في أرجائه ثم صعدت إلى المئذنة لتشاهد المدينة بعد ثلاثة أيام من الحصار سيف الدولة لم يعد من هجومه الأخير تاركاً عشتار و مدينتها لمصير مجهول و شاهدت عشتار الهلع القادم من اتجاه قنسرين التي أفرغت تماماً من سكانها ثم عاودها شعور غريب بأهمية اللحظات اللتالية التي تحمل مع تقدمها جلجلة الكارثة و ربما كانت ثقتها أكبر من حقيقة المدينة لكنها تمسكت بالسور الخشبي لمنارة الجامع الكبير و أطلقت من جديد ضحكتها و استنشقت الأزقة عبيراً جديداً لم تألفه منذ سنوات عدة وفي تلك الأثناء جرح شاب على أعتاب باب قنسرين في الوقت الذي تراجعت قوات نقفور البيزنطي .ومرة أخرى أطلقت عشتار لنفسها العنان في بناء (مساحة الحلم )لمواجهة (تشكيل الدمار) فكانت المنجنيقات البيزنطية تضرب الأسوار و تفتح بها ثغرات كبيرة و كلما التصقت حجارة السور بالأرض انتفضت عشتار لتحتضن تعب الناس المرسوم على تفاصيل الحجارة فلا تندهش من سرعة ترميم الثغرات أو من واقع الشعب فما بين الدفاع عن المدينة والرغبة بالتخلص من قيود الظلم كانت الأحياء تتماوج رويداً على شكل هدير وصل إلى أذني نقفور وهو يهم بالرحيل بعد ان استعصت عليه المدينة توقف برهة متأملاً أشلاء السور واكتملت في عينيه صورة عشتار و لم يفهم جيشه رغبته في معاودته الهجوم على المدينة التي يقاتل سكانها أغنياءهم و الجيش الغازي في الوقت نفسه وتاه في المدينة بحثاً عن عشتار فمن بين مئة ألف من السبايا بقيت عشتار الحلم والرؤيا بعيدة وقريبة في آن فهي بين الأشلاء تلملم قوة الحياة من تفاصيل المدينة ولم تفكر بسيف الدولة أو نقفور أو غيرهما من الملوك والقادة فهي تعرف روعة الفرح في وجه صبية وعبثاً تحاول تذكر وجه سيف الدولة الذي رافقت جيشه في حملاته كلها . وضحكت عشتار من جديد عندما قرأت إعلان نقفور في الطرقات :

(ها أنا أنسحب كي أعود إليكم ثانية اعتنو بزراعة أراضيكم لأنها ملكي سأعود في العام القادم لأجمع ما زرعتموه اعملوا كي لا يخيب ظني فيكم ...) لكن نقفور لن يعود ثانية على رغم محاولاته المتكررة بينما تنطلق عشتار من جديد لنغمة الخصب في حواري حلب القديمة وتدخل الجامع الكبير وهي مستبشرة بوقع البقاء في كل تفاصيل المدينة . ... أؤكد أن للحجارة ذاكرة تحتضن لون الحدث وشكله وتتسرب إلى وجداننا ببطء شديد وتزرع أرقا نعطيه النوم راضين ويهبنا رواية تاريخية تارة أو تراثاً نفسياً يبحث عن ملخص لأرواحنا. ولا بد أن نتذكر بروية فنحن لا ندوس تراباً بل تحتضننا الأرض من دون أن نشتم رائحة ترابها . ربما لم أصب في تقديم توصيف دقيق لهواجس حدث يختلط بأشلاء الحاضر فقيظ الصيف يمنع أحياناً من الوصول إلى الهيبة الكاملة التي تحملها الحجارة حيث تنغرز قلعة حلب وميضاً داخل العين فتجن الذكريات بشكل عشوائي.وكان على (الباب الأحمر ) أن يكون منظراً خاصاً في مقابل القلعة غير أن يتهاوى رويداً وينجلي(حمام الباب الأحمر)الذي ينخفض قليلاً عن الأرض وتبقى أسئلة الاستفهام الكثيرة تسبح في فوضى الذكريات التي ربما ولدتها فيضاً من الأرض والحجارة . داخل حمام الباب الأحمر يصبح صوت الماء تكسراً للسيوف أو صخباً لفوضى معركة وربما لا يختلف هذا المكان عن أي حمام في دمشق لجهة الشكل و التقسيم باستثناء أن معالمه أكثر وضوحاً وجدرانه احتضنت معبراً للناس إلى خارج حلب . ومهما طغت معالم التحديث فان لمحة من التداخل التاريخي تسيطر عليه ثم ينخطف الزمن سريعاً ويكون سيناريو جديداً لصورة معمارية غير مألوفة وكان عليّ ان أنتظر يومين من هواجس الذاكرة لأادرك أن الباب الأحمر كان يقع على خندق رومي وعلى بعد قليل منه أقتحم تيمورلنك المدينة فبقيت هذه المنطقة - معمارياً على الأقل – شاهداً لحالة لم تتكرر أبداً . إلا أن تسمية الباب لم تأت من الحدث الدامي الذي شهدته بل لأنه كان مخرجاً باتجاه قرية (الحمر) في شرقي حلب . وكان الباب مشهداً لقانصوه الغوري - آخر المماليك - لأنه حمل اسمه قبل ان ينتهي إلى الزوال .

السبت 31 تشرين الأول 1400 م

بقيت عشتار ساهرة في مخبئها الموازي للسور المحيط بمنطقة الباب الحمر وكانت تسترجع أحداث الأيام القليلة الماضية . لم يكن اللاجئون إلى مدينة حلب في تلك الأيام يحملون ملامح مميزة كانوا خليط شعوب يجره تيمورلنك أمامه من دون رحمة وهم مجموع بشري لا يحمل انتماء بفعل الهلع العام . وعشتار احتارت بتفسير ما يجري فعلى رغم خبرتها الطويلة التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد في مملكة يمحاض لم تشهد حدثاً يوازي ما يجري اليوم من القسوة .

فقبل أيام أسرّ لها دمرداش نائب حلب هواجسه وخوفه مما يجري رسول تيمورلنك استطاع إدخال الفوضة في مجلس نواب الشام خصوصاً أنه أعلن أمام الجميع أن تيمورلنك سيبقي دمرداش في منصبه إذا اعتقل سودون نائب الشام . واستطاعت عشتار فهم هواجس دمرداش فالمماليك رجال هواجس مجنونة يرسمون على مساحة الخيال مؤامرات لن تقع لكنها تبقى المبرر العام لحملات التطهير العشوائي التي يخوضونها ضد أمرائهم . وفشلت عشتار في محاولتها إقناع نائب دمشق بأن دمرداش لم يتعاون مع تيمورلنك وخابت في إقناع المماليك مجتمعين بقدرة هذه الجغرافية على البقاء لأن المماليك لا جغرافية لهم .. كلما فكرت عشتار بأن المدينة سيتم إخلاؤها راودتها حالة من الغثيان وهي تتذكر مصير تدمر أو البتراء أو حتى ايبلا وماري . لكنها كانت تثق بالتاريخ فتطمئن نفسها بأن حلب باقية حتى ولو انكسر جيش المماليك . وتتذكر مجدداً ان دمرداش قرر مجابهة تيمورلنك وإخراج السكان منها فتصيبها رعشة من بقائها وحيدة وسط الخراب وتمني نفسها بالمعارك التي دارت قبل أيام واستطاع المماليك هزم فيالق من الجيش التتري ثم تسمع اصوات الفيلة في جيش تيمورلنك فتسترجع أحداث الغزو ولا تسعفها الذاكرة بمعركة مشابهة ... اعتلت عشتار قمة السور في الباب الأحمر ولم تستطع الوصول إلى حيث الجيوش شاهدت عنفوان الأرض وهي ترى العامة من الناس يتقدمون كتائب المماليك . غير أن حسها التاريخي أخبرها بأن هذا التنظيم العشوائي سيقود إلى الكارثة ولم تكن تدري أن المؤرخ ابن تغري بردي الذي كان يراقب معها الأحداث يشاطرها الرأي وهي ستردد رأيه لاحقاً في تنظيم المعركة (أنها من أسوأ التعبئات مع ادعاء دمرداش العلم بالفنون العسكرية لأنه لا يصح وضع العامة في المقدمة) واستفاقت عشتار من مراقبتها للجيوش مع انهيار (باب الحديد) نتيجة هجوم تيمورلنك ولم تستطع التمييز بين أصوات البشر والفيلة واختلطت الأحداث أمامها وسط الهلع الذي انتشر مع تقدم الجنود التتر .....

استفاقت عشتار على صوت تيمورلنك ( أن الذين ماتوا من أهلكم إنما ماتوا أثناء الفرار ولم أقتلهم بالسيف ) ضحكت عشتار من محاولة رجل بلا تاريخ استدراجها إلى مساحة تفكيره وبقت هي في مخبئها تطلق الضحكات أربعة أيام كي تواجه أنين الناس في الخارج وكان باستطاعتها في اليوم الخامس من منطقة الباب الأحمر مشاهدة تيمورلنك يجلس في القلعة يحاور العلماء بعد أن فشل في كسبها إلى جغرافيته العقيمة .

راقبت عشتار الجيش ينسحب باتجاه الجنوب وأدركت أن (حدد) سيعاني ما عانته عندما يقتحم تيمورلنك دمشق لكنها بعد عشرين يوم من وجود الجيش في حلب لم تستطع كتم فرحها الذي سيعيد الخصب إلى أزقة المدينة ثم شاهدت قاضي حلب محمد بن الشحنة عائداً من أطلال بيته فنادى بأعلى صوته عليها (نزلنا إلى بيوتنا بالمدينة فاستوحشنا منها,ولم يقدر أحد منا على الإقامة في بيته من النتن والوحشة كما تعذر علينا السلوك في الأزقة من كثرة الجثث) كان حديثه أشبه بالاستنجاد لأن عشتار وحدها قادرة على سماع صوته ,لكنها كانت تطوف لتحفظ وجوه القتلى في ذاكراتها ,وتسمع الأنين بشكل أوضح وتستوعب حجم الدمار ,ففرحها الذي سيمنح النهوض للمدينة يحتاج لخبرة جديدة من وحي الخراب الذي ساد حلب وانطلقت تحاول تميز الأطلال ما بين خرائب القلعة والأسوار ,ولم تستطع أن ترى مآذن الجوامع فرؤوس القتلى طغت على التشكيلات المعمارية ,وانسحبت من جديد لترمم ضحكتها التي نضبت بعد أن أفرغتها طوال وجود الجيش التتري فالضحكة –الحياة هي في النهاية كل ما تبقى لها لمواساة المدينة المنكوبة, ولم يكن أمامها سوى خيار واحد ,لقد ولى عصر (المدن البائدة ) وحلب حيّة في ذاكرتها المستمرة أبداً وانتهى تيمور من حياتها- حياة المدينة - قبل أن يغادر الشام إلى الأبد في العام نفسه.

لا تستريح المدينة لوهج الشمس الحارقة فالصيف الحلبي ذاكرة لا تنتهي من الأحداث المتراصة على ساحة واسعة وعندما تشتد عراقة الأبنية الحجرية داخل الأحياء القديمة فان القادم يصبح أشد تعبيراً عن الإصرار في معترك الحياة ثم ما الذي يمكن أن تقدمه الأحياء الحديثة ؟انه السؤال الباقي داخل مدن تجهل بداية التاريخ لأنها صانعته و بالامكان سماع حوارات متباينة داخل الأزقة تتجلى في تنافس البناء ,وأحيانا أخرى في إطلاق الحياة على امتداد شوارع العزيزية فعندما كانت قرقعة الخيول تصول في هذه المنطقة أصبح الزمن يتسابق مع الخيول المتبارية فوق الأرض ولم تنته المباريات فهي مستمرة بشكل الحياة والعزيزية تمتص وهج الشمس وتعكسه على العرق المتصبب من جبين الفرسان أو في بريق الخيول اللماعة وهي تسابق الزمن نحو هدفها وفي النهاية تجتمع كل تفاصيل الحياة على ما سمي في يوم من الأيام ب(أرض المشنقة )وكان نهر قويق يمر من هنا وتصبح هذه الأرض مرتعا ًلحياة خارجة عن إطار الزمن فاللصوص وقطاع الطرق يجولون فيها وفي النهاية تنشد فتاة لمجال الحرية على طول طريق العزيزية وعند منتصف الليل تخرج لتتنزه في المنطقة من دون أن تذكر انهيار الأمن أيام الحكم العثماني ,ويطغى العطر النسائي على سحر الليل ,بينما يرقص التاريخ على همسات الأنوثة وبعد قرن ونيف من ظهور أول بناء في هذه المنطقة تبدو العزيزية وكأنها عبق التاريخ فتغازل الأرض حسناء تتجه إلى (ساحة الشلال ) ثم تستنشق عواطف الناس على مقاهي الرصيف فوهج الصيف يعيد صقل الليل الماسي في مقاه متناثرة على جوانب الطريق فإذا ما اشتد وقع التاريخ تذكر الغربة بأنه يستوطن حجارة حلب فتوقف عن زاوية من ساحة العزيزية ليوزع محبته على المنتزهين . كانت تتعثر وهي منطلقة بسرعة إلى خارج المدينة وعشتار لا تخفي زينتها بل تسحب نجوم السماء لتنثرها على وجوه الناس ,وهي تؤرخ للحظة انتظرتها طويلا ًوتعبت من فصول الخصب حتى أوجدتها .

والمدينة تعيش المخاض,ويتهافت أبناؤها من جميع الاتجاهات ليراقبوا المولد المنتظر ,وعشتار أول الواصلين لتلقي حنينها على ذرات الأرض البكر غسلت وجهها بماء النهر الذي تحفظ سيرته عن ظهر قلب وحاولت التذكر في أي عام شهدت ولادة مماثلة ,لكن الفرحة تبقيها داخل التفاصيل القرن التاسع عشر فهي تحمل العام ( 1868)بين يديه وتشم به وجه الدهر ,وتدب الحياة داخل (ارض المشنقة )لتصبح مكان الخصب الجديد في تاريخ حلب وتجلت الحياة من جديد في وجه صبية تلحق بذويها الذين قرروا بناء منزل لهم يحتضن مولد حلب الجديد . وتنطلق زغاريد كثيرة من أبنية ستعبّر عن تشكّل الفرح الحلبي في شوارع العزيزية وعشتار ترصد الحجر الأول ثم يصبح حلمها قوس قزح يتناثر على عمران المدينة ويخيل إليها أنها تشاهد أربع مآذن تشق السماء ثم تترافق مع أسقف قرميدية مائلة تستوطنها السكينة وتتمسك ذاكرتها بالجامع الكبير ولكن أفق المستقبل ينطلق لتواكبه بحماس زائد فتظهر الأزقة بشكل متواز ونسمع من أرجائها (القدود الحلبية) التي كونها استقرار فرح عشتار في قلوب الناس والريح تسابق ثوب عشتار بينما يكتمل الحلم أمامها أنها تجدد شبابها مع التقاء الحياة فوق نقطة هي خلاصة التاريخ .تتجلى عشتار للجميع مع ظهور حي العزيزية وتصر على التجوال داخل أفق العيون التي شهدت انبثاق الحياة وتعانق الهواء في سباق الزمن لتكون وصفاً لا ينتهي من استمرار الحياة فحلب غدت بقعة يحاصرها الجميع بعد أن كانت عاصمة لجغرافية تصل حتى الأناضول. ولم يعد نهر قويق يمر في العزيزية وشقت السماء أربع مآذن لجامع التوحيد الذي أصبح من أكبر المساجد . والشئ الذي تمسكت به عشتار هو فرح الناس في ليل العزيزية انسحب الزمان باتجاه ساحات هذا الحي وانتشر الناس في فرح عفوي ما زال يؤثر بقوة في أنفاس عشتار فالعزيزية لا تتذكر تيمورلنك أو نقفور بل تحمل تفاصيل الخصب الذي تميزت به عشتار والإصرار الذي زرعه جلجامش في مقاهيها فهو تذوق حرقة الجمال الحلبي ومتعة الوجود في جغرافية متلاصقة مع الفرح والخصب في آن...

تنسحب عشتار إلى برجها في فسحة الفرح......

مصادر
سورية الغد (دمشق)