وصلتني رسالة بالبريد الإلكتروني من أسرة الطبيب الفلسطيني أشرف الحجوج ، رهين السجن في ليبيا منذ سنوات ، بتهمة زرق مئات الأطفال الليبيين _ ومعه أربع ممرضات بلغاريات _ بفيروس الإيدز ، تستفسر منّي إذا ما كنت أعرف الشاعر أحمد دحبور،الذي كتب مقالة نشرت في صحيفة ( الحياة الجديدة ) التي تصدر في رام الله ، بتاريخ 27 نيسان 2007 ، وإلصاقه التهمة بأشرف والممرضات، وإصدار حكم مبرم بالموت عليهم جميعاً !

قلت ربّما يكون في الأمر خطأ ما ، ولكنني قرأت المقالة المرفقة مع الرسالة ، وأعترف أنني قرأتها مرّات ، فتوترت، وتألمت، وذهلت ...

يعنون الشاعر أحمد دحبور مقالته بعنوان مثير : اقتراح برلماني لنهاية التاريخ ...

ويبدأ الجملة الأولى ، فالإثارة لا تتوقّف عند العنوان : لا يجوز أن ننقل هذه الواقعة إلى الأجيال البشريّة الآتية إلاّ بعد الحصول على الضمانات الكافية لإقناع هذه الأجيال بأن هذه الواقعة قد وقعت فعلاً ، في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين ، وإلاّ فإن الأجيال ستظّن بنا الجنون ، أو أنها ، في أبسط الحالات ، سوف تتهمنا ..بالكذب الصراح ...

إقناع الأجيال البشرية كلها هو هّم الأستاذ الشاعر أحمد دحبور، وهو هّم جليل ، وإن كان غير ضروري لأنه تبديد لجهده ! هذه مهمّة كبيرة مستحيلة ، فلا أحد يستطيع إقناع الأجيال البشريّة ( كلّها) بشيء ، أي شئ شرّاً أو خيراً !

الأجيال البشرية القادمة لن تقرأ ، لا ( الحياة الجديدة )، ولا غيرها من الصحف العربيّة ، فالأجيال العربيّة المعاصرة لا تقرأها ، وحسبنا أن بعضها ، قليلها يقرأها، ويقرأ ما نكتب يا أستاذ أحمد، وبيني وبينك : كتاباتنا لا تصّل حتى لشعبنا الفلسطيني داخل الوطن تحت الاحتلال ، وفي الشتات البعيد والقريب...

ولأن التساؤل المثير يجّر تساؤلاً مثيراً وراءه ، فإن الأستاذ أحمد يتساءل: وإلاّ فكيف نقنع الكائنات البشريّة ، الأبيض منها والأسود والأصفر والأحمر والخلاسي والمهجّن_ لا يريد الأستاذ أحمد أن ينسى عرقاً ، أو لوناً ، أو ملّةً ، مشرقاً ومغرباً ، شمالاً وجنوباً _ بأن أوربا العظمى تحمي الممرضات البلغاريات ، بكّل ما أوتيت من قوّة الضغط ، بعد أن اعترفن بأنهن قد زرقن مئات الأطفال الليبيين بجرثومة الإيدز ، وقد جندن معهن لهذه الغاية طبيباً فلسطينيّاً ؟

قبل أيّام أجّلت محاكمة الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات، التي ما زال الحكم النهائي لم يصدر بها، والخاضعة للاستئناف أمام القضاء الليبي ، وفي بلاد العرب : ما أدراك بالقضاء و..خضوعه لإملاءات الجهات السياسيّة ( العليا) ولا نستثني (دولةً) ما فالأمر لا يتعلّق بليبيا وحدها!

الأستاذ أحمد حبور أصدر الحكم قبل نطق القضاء الليبي به ، وفرغ من القضيّة ، وطوى ملفاتها ، وتفرّغ لملاحقة أوربة (العظمى) _ لا أدري أهو يتهكّم على أوربة ( الموحّدة) أم يحيلنا إلى عظمة الجماهيريّة الليبيّة !_ وانشغل في تدبّر أمر مخاطبة الأجيال البشريّة بكّل ألوانها !

الممرضات بحسب الأستاذ أحمد جندن معهن الطبيب الفلسطيني !..لكن لمصلحة من ؟ لم يخبرنا الأستاذ أحمد ، فهنّ بحسب مقالته ( الصغيرة) الخطيرة الشأن : ..ولا نخالهن إلاّ سعيدات وهنّ يرين الأطفال الرضّع يذبلون ويذوون ويموتون تباعاً ، لا لذنب جنوه أو جناه آباؤهم ، بل لمجرّد التسلية وتزجية الوقت ؟

التسلية وتزجية الوقت ! ..لهذا اقترفت جريمة مستشفى بنغازي ، وهي إن كانت للتسليّة وتزجية الوقت ، فهي حقّاً سادية ما بعدها سادية كما وصفها الأستاذ أحمد ...

ولكن : لماذا لم يخطر ببال الأستاذ أحمد أن يتساءل : هل وقعت مثل هذه ( الجريمة) _ أصفها هكذا ولا احدد المتهم بالضبط لأنني لا املك أدلّة _ من قبل في مستشفيات الجماهيريّة الليبيّة (العظمى)؟!

سمعت ، أقول سمعت، أن مثلها وقعت في مستشفى بطرابلس ، ومستشفى ترهونة ..وعلى الأخ أحمد أن يسأل ويستقصي الحقيقة ، حتى لا يعتور إبلاغه الأجيال البشريّة شائبة وهو ما سيحرجه أمامها، وهو ما لا نرضاه له !

كيف تمّ إدخال فيروس الإيدز على مختبرات مستشفى بنغازي ، ومن أين استورد الدّم الملوّث؟

ما علاقة القائمين على المختبر بالخطأ الخطيئة؟ وما دور الإدارة في الموضوع ؟

ولماذا _ وهذا التساؤل طرحه طبيب فلسطيني في مستشفى رام الله بعد أن قرأ مقالتي المنشورة في القدس العربي بعنوان ( الفلسطيني والبلغاريات) ، على موقع ( سوريّة الغّد) _ لم توجّه أي تهمة لليبي واحد من القائمين على إدارة المستشفى ؟! يتساءل الأستاذ الشاعر أحمد دحبور :ولكن ، لماذا قتلت الممرضات أطفال الليبيين ؟

هذا سؤال مهم ، ويمكن أن ينطلق منه أحمد ، ومن يعنيهم الأمر ، ليصلوا إلى الحقيقة .

هل يعقل أن تتسلّى أربع ممرضات،وطبيب فلسطيني بقتل الأطفال،تزجية للوقت ؟

الطبيب الفلسطيني مواليد ليبيا،نشأ فيها،وتعلّم في مدارسها وجامعتها، وبدأ ممارسة عمله كطبيب امتياز في ذلك المستشفى ... والممرضات وافدات إلى ليبيا للعمل لقاء أجور مناسبة ،من بلدهن بلغاريا، وهنّ حضرن لتحسين أحوالهن لا لأنهن ساحرات شريرات ، أو عميلات مدسوسات...

يستنتج أحمد أن الهدف : تأمين الرفاهيّة والتسلية ..كيف ؟! هو لا يخبرنا ...فما علاقة الرفاهية بالتسلية ؟! الطبيب الفلسطيني جلبنه معهن _ الممرضات_ لا ليتسلّى معهن ، بل ليتسلين به وهو يساعدهن على الجريمة !!... أن يصدر كاتب وشاعر فلسطيني حكماً بالإعدام على طبيب فلسطيني،وأربع ممرضات، دون تردد ، بل بشعور طاغ بأنه يخاطب الأجيال البشريّة القادمة ، دون أن يطّلع ولو على الميسور من ملفات القضيّة ، أو يستفسر من أي طبيب فلسطيني في مستشفى ( ناصر) في غزّة _ حيث لا أدوية بسبب الحصار الصهيوني الأمريكي العربي الرسمي الأوربي الخانع_ عن آلية تزويد المرضى بالدّم ، وخصائص فيروس الإيدز ...

وأن لا يقرأ ما كتبه عدد من الصحفيين العرب والأجانب،ومنهم باتريك سيل، وأنا زميله ..فالأمر مؤلم، بل مفجع، فأحمد ليس هكذا أبداً، ولا يقبل منه هذا الحكم المبرم على أبرياء...

للبلغاريات أوربة ( العظمى) التي تحميهن في الجماهيريّة( العظمى)،وليس للطبيب الفلسطيني من يدافع عنه سوى أقلامنا، وأصواتنا، في وجه نظام طرد الفلسطينيين، وألقى بهم في الصحراء، ليموتوا جوعاً، وحرّض على نهب ممتلكاتهم، والاعتداء عليهم، وهو ما يتبرّأ منه الشعب الليبي الأصيل .

أنت يا أحمد دافعت عن أطفال الفلسطينيين الذين استبيحت أعراضهم في ( الكويت) : هذه زفّة النفط على الأطفال ! كنت دائماً الصوت النبيل القوي الواضح الصارخ ..شعراً ونثراً، ولذا لا تقبل منك أسرة أشرف المنكوبة المشرّدة، ولا شعبك، ولا مثقفو ليبيا الذين يعرفون الحقيقة.. أقلّ من أن تعتذر، وتكتب من جديد، بأمانة ودقّة، عن مأساة أشرف ومن معه، حتى تنال رضى ضميرك، قبل رضى الأجيال البشريّة القادمة! ... أنت في غزة العظيمة ، وحولك تموت أجيال من الفلسطينيين ، جوعاً ، واغتيالاً ..وحصاراً : وهذه الأجيال هي التي يؤرقنا حاضرها ومستقبلها ...