الوطن السورية

أصوات كثيرة مازالت تصدح تشكيكا بقدرة سورية على الصمود، واستمرار نهجها في التصدي والممانعة على الرغم من خفوت الصوت الأميركي والأوروبي والعربي المعتدل المعادي لها، وتراجع الضغوط لتغيير النظام أو لتغيير مسلكه، وثبوت عدم صحة تقدير خدام ووعده بالعودة متوجاً قبل انتهاء مدة جواز سفره.

بل وانقلبت الصورة وتغيرت المعطيات وصارت الإدارات الأوروبية والعربية، والإدارة الأميركية تستثمر في العلاقة الايجابية مع سورية وفي صراعها مع المؤسسة الحاكمة التي سبقتها لتأسيس علاقات قوية على إثر زيارة نانسي بيلوسي لدمشق وما نتج عن الزيارة.

على الرغم من كل شيء وعلى عادتها تظل سورية بيت القصيد، ومنطقة الاهتمام الدولي، وتتقدم في هذا الحقل بمعدلات كبيرة.

سورية في الوقائع المعاشة، وفي نتائج التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأربع التي أعقبت غزو العراق كانت في قلب الحدث وفي أولويات المشروع الغربي لإعادة هيكلة المنطقة العربية والإسلامية إنفاذا لمشروع الصقور لبناء قرن أميركي بالتوافق مع الإدارات الأوروبية. سورية عينها صارت أقوى مما كانت بمئة ضعف كما يحلو لبعض المتحمسين لها القول.

سورية، بحسب وقائع عديدة، ومؤشرات متقاطرة، خرجت من أحرج مرحلة في تاريخها، ومن حروب شنت عليها أو في جنباتها، وفي داخلها، واستهدفتها، أقوى وأفعل، وأكثر قدرة، ونضجا.

هل في هذا القول مغالاة؟ هل فعلا سورية قوية؟ أين مصادر قوتها وعناصرها؟ هل تستطيع الاستثمار بقوتها وبالظروف المرافقة والمتغيرات الإستراتيجية في المنطقة؟

هذه أمهات أسئلة مطروحة بإلحاح لتستدرج أجوبة متنوعة، تطلق البحث في مستقبل سورية، وبلاد الشام والرافدين امتداداً لإمكانية توليد منظومة أمن قومي عربي جديدة تسهم في توليد منظومة امن إقليمية يكون للعرب فيها دور يرتكز على إعادة صياغة المشروع العربي التحرري بلغة وأدوات وشعارات عصرية مناسبة.

في القمة تجسدت حقيقة أنها قمة سورية سعودية بامتياز" أفضل القمم العربية، وقمة التضامن العربي" ذلك تحقق في الخلوتين والمصالحة، وفي خطاب الملك عبدالله، وفي قرارات القمة، وإعلان الرياض، والتصريحات المتكررة لوزير الخارجية السعودية، والجاري لتعزيز العلاقات السورية السعودية وتطويرها كحاضن إستراتيجي لأحداث الشرق العربي والدفع بالعرب إلى موقع جديد يكرس قدرتهم على الاستثمار في فراغ انحسار الهيمنة الأميركية والأوروبية عن العرب والمسلمين. في القمة ظهر تراجع حاد لدور وفاعلية مصر، ومعها الحلف الرباعي العربي، وغابت الهرتقات على سورية على ما كان يجري في القمم السابقة، وجسدت كلمة الرئيس بشار الأسد الموجزة دليلا على ما نالته سورية، وما كان لها من عناصر قوة وازنة في الملفات المطروحة وجلها في الحاضنة السورية وتشكل سورية اللاعب الأقوى فيها، من الملف الإيراني، وأمن الخليج، إلى العراق، وفلسطين ولبنان، امتداداً لتعويم مبادرة قمة بيروت دون تعديل أو تلطيف مرفقة بتصريح وزير الخارجية السعودية: إن على إسرائيل قبولها كما هي أو مواجهة أمراء الحرب. أين تكمن عناصر قوة سورية، وما أهميتها الإستراتيجية: نجحت سورية في إدارة المعركة خلال السنتين المنصرمتين نجاحاً متقناً يسجل للرئيس بشار الأسد، وخرجت منتصرة، بعكس ما كان الرهان على سقوطها المدوي، وتفككها، أو خضوعها للاملاءات وتغيير سياساتها ومسلكها، بل جاءت بيلوسي وسبقها سولانا في إشارات على نجاحها في دفع أوروبا والمؤسسة الحاكمة الأميركية لتغيير مسلكها وسياساتها، إلى حلف المعتدلين، وحلف قادة الأجهزة الأمنية التي تقوده رايس. أدارت سورية وشاركت ونجحت في ثلاث حروب ضروس وفي أن واحد، الحرب على العراق، وظفرت بها أو قاربت، وحرب تموز وقد أنزلت المقاومة هزيمة إستراتيجية وتاريخية بإسرائيل جردتها من آخر أوراق قوتها وأنهت دورها الوظيفي عبرت مانشيت يدعوت احرنوت عنه" إسرائيل كلب صيد أميركي فقد قدراته" وما جاء في تقرير لجنة فينوغراد، واستوعبت الهجمة العالمية والعربية واللبنانية عليها وأفرغتها من قدراتها بما في ذلك لجان التحقيق والمحكمة واليونيفيل والتدويل، والاختراقات في بنيتها ونظامها " خدام، والآخرون". على عكس ما خطط، وما رغب أعداؤها، لم تسقط بفعل الانسحاب من لبنان، ولم تنفجر بسبب طرد العمالة السورية، بل أكدت أرقام البنك الدولي، والمؤشرات الاقتصادية، أنها دخلت طور نمو اقتصادي سنوي لا يقل عن 6% وأنجزت إصلاحاً اقتصادياً وانفتاحاً، وكسبت استثمارات، وصارت نقطة استقطاب ودائع واستثمارات لبنانية وعربية. لم تنجح جهود محاصرتها، ووضعها تحت البند السابع، ولا نجحت جهود بناء محور عربي وإسلامي ضدها، ولا نجحت خطة بوش لتصفية الجهادية السنية والشيعية، ولا صارت الفتنة التي خطط لها بوش وكلف حلف الأجهزة الأمنية إدارتها وإطلاق عفاريتها. نجحت في الاتجاه شرقاً، تعويضاً عن عدم توقيع أوروبا عقد الشراكة، وأقامت علاقات متينة سياسية، ودبلوماسية واقتصادية وعسكرية مع آسيا وفي المقدمة روسيا، وإيران، واستمالت تركيا وأسست لعلاقات إستراتيجية معها. أربع سنوات عجاف" معارك متصلة، وفي كل الاتجاهات والمستويات" لكنها الأثمن بالنسبة لسورية، جاوزت ما تحقق لها خلال العقود الثلاثة المنصرمة على أهميته. أوراق سورية القوية كثيرة ونوعية في أهمها: سورية باتت اللاعب الأهم في الساحة الفلسطينية وصارت في موقع لم تكنه من قبل وقد نجحت في حماية المقاومة الفلسطينية واستضافة حماس التي صارت القوة الأساسية والحاكمة بإقرار الجميع وبإثبات اتفاق مكة، حالة لم تكن عليها طوال قرن ونيف، فعرفات، وأبو مازن لم يقيما علاقات معها ولا تعاملا على أنها الحاضن للقضية. سورية بعد الانسحاب من لبنان تحررت من اليد التي كانت تؤلمها، ونقطة ابتزازها، فحررت نفسها من الوحل، ومن بيئة الإفساد، وأدارت الظهر للمشاغل والهموم الاستنزافية وتفرغت لإدارة معاركها الداخلية والخارجية، وتصليب بنيتها، واستثمرت في الأزمة مع لبنان بتطهير المؤسسة الحاكمة وإعادة نظمها على خيار وقلب واحد، وساعدها وأضاف قوة لها نجاح حزب الله والتفاهم مع عون والمعارضة بأطيافها في إملاء فراغ انسحابها، وتحول المعارضة إلى قوة متعاظمة نجحت في إفشال المحكمة، والحكومة، وتعطيل المشروع الأميركي لاستهداف سورية من المنصة اللبنانية، بل صارت بإقرار الجميع القوة الفصل، وكسبت بتكتيكاتها السعودية التي بدأت رحلة تفاهم استراتيجي معها يتعزز في الملف اللبناني، وفي لبنان وبعد سنتين غدت أقوى مما كانته بكثير ودون أخطاء، أو تدخلات، أو نقاط ضعف، وصارت الجهة الوحيدة التي تمر من خلالها الحلول على ما أكده الجميع من رايس إلى بيلوسي ومون ووزير الخارجية السعودية. سورية في العراق، اللاعب الأهم والأوزن، وبيضة القبان، فهي لا تتحمل وزر الاحتلال وتغطيته، وهي حاضنة المقاومة والطائفة السنية، وبيت العراقيين الجامع" 2مليون لاجئ" ولا تتحمل وزر الإدارات العراقية تحت الاحتلال، وهي نقطة اجتماع الطيف العراقي، فالشيعة العرب وهم الأكثرية يجدون بها الحاضن والحامي، والأكراد يعتبرونها الدولة الأقل تأثراً بمشروعهم وسياساتهم، فسورية في العراق الحاضن والمولد لأي حلول دونها لا يتم ولا يجري أمر. سورية في العراق، وفي توازنات المنطقة، تتشكل اليوم كصمام أمان، وكمفتاح ذهبي، فعلاقتها بتركيا، والسعودية توازن إيران، وعلاقتها الإستراتيجية مع إيران توازن السعودية أو تركيا، وعلاقتها بروسيا تجعلها غير خاضعة لأي من التحالفات الإقليمية، وفي غنى عنها، وأمن العراق، المنفذ الشرقي للأمن العربي، تنتصب سورية كجسر وجدار مكين فيه، وفي العلاقات مع إيران لحفظ أمن الخليج تتقدم سورية باعتبارها صلة الوصل والوزنة «الطابشة»، خاصة وان دول ومملكات الخليج جميعها تخاف إيران، وتخاف السعودية وترتهب من الفتنة، ومن استمرار الأزمة العراقية، وتتحسب لآثار الهزيمة الأميركية في العراق ومنعكساتها وليس اقدر من سورية على تطمينها وحفظها ومصالحها مع الجميع. سورية في ملف الصراع العربي الصهيوني رائدة، ومبادرة، وقادرة، وتمثل العنصر الحاسم، فقد سقطت التسويات التي تجاهلتها، ولها ارض محتلة، وحامية للمقاومات عموماً واللبنانية الفلسطينية بصورة أخص، ولها قدرة عسكرية تنمو وتدب الذعر في أوساط الجيش والمجتمع الإسرائيلي، وتتحكم بمستقبل مسارات التطورات في المنطقة وتمسك بقرار الحرب والسلم، فتمسك بالمبادرة العربية التي جاءت بمثابة حد أدنى لإجماع العرب في السعي لتحرير الأراضي المحتلة ربطا بالتطبيع، وربط المسارات التي جهدت سورية لتحقيقها سابقا وصارت حقيقة بين يديها. هكذا تشير المعطيات المادية، والواقعية إلى عناصر قوة لسورية تجاوز بعشرات الأضعاف ما كانت عليه سابقا، وكانت على أساسها لاعباً إقليمياً يحسب حسابه ويؤخذ دوره ومصالحه بعين الاعتبار فكيف وهي أقوى، والمشاريع والقوى التي ناصبتها العداء هي أضعف بألف ضعف مع استنفاد دور التلويح بالقوة واستخدامها بعد نفادها في بغداد وفي حرب تموز. ربما هذه حقائق تسهم في تفسير المتغيرات الإستراتيجية في دور وموقع سورية وفي علاقتها بالعرب كما في القمة، والانفتاح الغربي والأوروبي عليها، وتراجع الهجمة العربية والعالمية وتحولها من محاصرة إلى قادرة على محاصرة بوش في البيت الأبيض كما جاء في تعليقات الصحف الأميركية على زيارة بيلوسي وسولانا وتقرير بيكر هاملتون. هل يكفي سورية ما حققت؟ هل لجهة أن تعتاش على ماض وان كان مازال طازجا؟؟

تقول الحقائق التاريخية إن ما كان اليوم هاما يصبح غداً طبيعياً وعادياً، وما كان اليوم نوعياً يصبح بعد غد تقليديا، وليس للأمم والشعوب أن تعيش وان تبني مستقبلها باستخدام ماضيها وانجازاتها، إنما الماضي والحاضر يتشكل كأساس في رسم صورة المستقبل وكتابته تاريخه شرط البناء عليه.

بمعنى أدق كل تلك العناصر من القوة، والانجازات، والمكاسب، تبقى عرضة للتبدد ما لم تبن عليها سورية إستراتيجيتها في إدارة المرحلة الجديدة بعناصرها وتحولاتها الإستراتيجية والنوعية، ومع الرؤية الإستراتيجية المطلوبة من سورية لابد من أدوات وأطر وآليات وطرائق مناسبة لإنفاذها والبناء على ما تحقق.

هل البنية الإدارية، والحكومية، والحال الاقتصادي الاجتماعي والعلاقات بين الناس والدولة، وبين المجتمع والحكم على ما يرام؟ هل الأداء الحكومي في المجالات الداخلية المختلفة والمتنوعة على قدر يجيز القول: إن سورية بألف خير؟ هل الوضع الاجتماعي لعامة السوريين وسوادهم الأعظم يتناسب مع ما حققته سورية في الملفات السياسية وفي صد الهجمة عليها وكان للسواد الأعظم دور في حمايتها وتقويتها وتوفير عناصر الثبات على ما يرام؟

هل هذا ما يستحقه الشعب السوري وقدرته الأسطورية على التحمل «كرمال» عيون القضية الوطنية والقومية؟ أسئلة تحمل في طياتها تشكيكا ودعوة للعمل والانتباه.