لقد كذب الرئيس الأمريكي وأركان إدارته على الشعب الأمريكي وكان ثمن هذه الكذبة غالياً سقط من جرائه بضعة آلاف من الشباب الأمريكي بدون ذنب اقترفوه بين قتلى وجرحى ومعوقين إلى آخر ما تبقى لهم من سنوات العيش البائسة. وهذا ما حدا بأحد سيناتورات الكونغرس الأمريكي عن الحزب الديمقراطي بالمطالبة بإقالة الرئيس بوش وتقديمه للمحاكمة بتهمة الكذب والخداع المتعمد على الشعب الأمريكي لكي يشن حرباً عدوانية كلفت البلاد الكثير من الأموال والدماء منذ أربع سنوات ونيف. وإثر تفاقم الأوضاع في العراق من سيء إلى أسوء بالنسبة للقوات الأمريكية وتداعيات ذلك على المجتمع الأمريكي وعلى الاقتصاد الأمريكي ، اندلعت معركة بين الجمهوريين والديمقراطيين على خلفية الحرب على العراق وتصعيد التجاذب بين الخصمين بشأن عملية سحب القوات أو على الأقل برمجة أو جدولة إنسحاب الجنود الأمريكيين الذين يواجهون الموت في كل لحظة على أرض باتت في غاية الخطورة على حياتهم وتبث الرعب في نفوسهم من نهاية بشعة في قضية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فالحزب الديمقراطي يريد أن ينتهي مرة وإلى الأبد من ورطة الحرب العراقية . وقد تبنى الكونغرس الأمريكي ذو الغالبية الديمقراطية في 26 نيسان 2007 مشروع قانون تمويل الحربين العراقية والأفغانية بشرط تحديد موعد لسحب القوات أو على الأقل وضع جدول زمني لسحبها من العراق خلال عام، وقد فاز مشروع القرار ب 51 % من الأصوات لصالحه مقابل 46% من الأصوات المعارضة. وقد حدد القرار سحب القوات بتاريخ 31 آذار 2008 وكان مجلس النواب قد سبق له أن صوت على نفس القرار قبل أيام بغالبية ضئيلة . وقد حاول الديمقراطيون جذب بعض الشيوخ والنواب من الجمهوريين لتأييد مشروعهم لتأمين أغلبية الثلثين من أعضاء الكونغرس مما يتيح لهم تجاوز حق النقض أو الفيتو الرئاسي بيد أنهم فشلوا في مساعيهم مما سمح للرئيس بوش استخدام حقه الدستوري في عرقلة المشروع وتنفيذ تهديده بوضع الفيتو الرئاسي موضع التنفيذ مما يعني أنه سيتعين على الديمقراطيين مراجعة نصهم التشريعي الحالي وإعادة صياغته بعد التفاوض مع الرئيس بغية التوصل إلى تسوية ترضي الطرفين. النص الحالي يسمح بمنح الرئيس 124 مليار دولار منها 95 مليار مخصصة لتغطية نفقات الحرب في العراق وأفغانستان والحال أنه ليس بوسع الرئيس الأمريكي أن يثبت للكونغرس في الأول من تموز القادم بأن الحكومة العراقية تتقدم في جهود تجريد الميليشيات المسلحة من أسلحتها وفرض الأمن وخفض عمليات العنف الطائفي وتحجيم قدرة الجماعات الإرهابية والتكفيرية المسلحة في العراق. ويصر الديمقراطيون على أن تبدأ عملية الإنسحاب من العراق في الأول من أكتوبر 2007 وتنتهي بعد ستة أشهر أي في نهاية مارس ـ آذار 2008 مع الموافقة على إبقاء قوات قليلة من المارينز لتدريب وتأهيل قوات الجيش والأمن العراقية وبضعة وحدات مدربة من القوات الخاصة لحماية المؤسسات الأمريكية المدنية والعسكرية المنتشرة في أنحاء العراق والتي ستتكفل أيضاً بملاحقة الفلول الإرهابية المتواجدة في كل الكثير من مناطق العراق الساخنة . وكان السيناتور هاري ريد زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ قد صرح في 19 نيسان ـ أبريل 2007 معترفاً :" إننا خسرنا الحرب ولا داعي لإرسال المزيد من القوات والتعزيزات العسكرية لأن ذلك لن يفيد بشيء".

كما اعترف قائد القوات الأمريكية الجديد في العراق الجنرال دافيد باتريوس ، بعد ثلاثة اشهر من إرسال رئيسه جورج بوش لـ 230000 جندي أمريكي إضافي إلى العراق، بـ :" أن درجة العنف لم تنخفض في العراق إلى المستوى الذي كان مؤملاً بلوغه "، وتوقع الرجل الأول في الهرم القيادي العسكري في العراق ارتفاع عدد القتلى الأمريكيين الذي تجاوز اليوم معدل 3400 جندي . وفي نفس الوقت تتزايد تظاهرات الاحتجاج ضد الحرب داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها كنوع من الصحوة وعودة الوعي بعد حالة من التخدير وغسل الأدمغة التي قامت بها الإدارة الأمريكية تجاه المجتمع الأمريكي عبر وسائل الإعلام. ولقد طغى موضوع العراق كلياً على اجتماع مرشحي الحزب الديمقراطي الثمانية لمنصب الرئيس القادم للولايات المتحدة ومن بينهم باراك أوباما وجون إدوارد وهيلاري كلينتون حيث علقت هذه الأخيرة بالقول :" إذا لم يخرجنا هذا الرئيس من العراق فسوف أقوم بذلك بنفسي عندما سأصبح رئيسة للبلاد".

الجمهوريون يخشون من عواقب الفيتو الرئاسي ضد الانسحاب من العراق وهم يعلمون أن أكثر من ثلثي الشعب الأمريكي مؤيدون لجدولة الإنسحاب التي اقترحها الديمقراطيون في أعقاب مراسيم نقل قانون تمويل الحرب من الكونغرس إلى البيت الأبيض، أي من السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية التي رفضت التصديق عليه وإقراره بفعل الفيتو الرئاسي مما دفع زعيم الكتلة الديمقراطية إطلاق ندائه الأخير للرئيس مناشداً إياه كي يستمع إلى صوت الشعب الأمريكي وإقرار نص القانون الذي يلزم الحكومة الأمريكية بوضع جدولة زمنية للانسحاب من العراق. وقد علق الرئيس بوش على ذلك قائلاً :" إنها وصفة من أجل الفوضى والغموض وعدم الوضوح " وطالب بمنح خطة أمن بغداد فرصة للنجاح كم ألمح إلى :" أن إعلاننا موعداً للإنسحاب سيكون بمثابة دعوة للإرهابيين لكي يثابروا في غيهم وجرائمهم البشعة ولن يكون خضوعنا سوى اعتراف بهزيمتنا أمامهم وهذا لن يحصل أبداً طالماً كنت على رأس السلطة " . وبالرغم من ذلك الموقف المتعنت من جانب الرئيس ينوي بعض الجمهوريين ممارسة ضغوط على الرئيس جورج دبليو بوش لكي يضغط بدوره على شيعة العراق من أجل تقاسم السلطة والثروات النفطية مع المكون الرئيسي الآخر للشعب العراقي أي سنة العراق بيد أن مثل هذا الضغط سيحرج الحكومة العراقية ويظهرها وكأنها تابعة وذليلة ومنفذة للإملاءآت والأوامر الأمريكية وأجندات الإدارة الأمريكية وأن رئيس الحكومة العراقية ضعيف ولا يملك اتخاذ القرار والسيادة. الضغط من جانب الديمقراطيين لفرض أجندات وإملاءات وشروط وتحقيق إنجازات سياسية وعسكرية وميدانية عراقية ليس سوى مناورة للالتفاف على الفيتو الرئاسي أما ضغوط الحزب الجمهوري على الرئيس فهي محاولة يائسة للبقاء في حلبة الصراع والتنافس قبل 18 شهراً من الانتخابات الرئاسية القادمة ، وقد أظهر استطلاع للرأي أن 40% من الجمهوريين يعتقدون أن المرشح الديمقراطي هو الذي سيحقق الفوز بانتخابات 2008 في حين يعتقد 78% من الديمقراطيين أن مرشحهم هو الذي سيحتل البيت الأبيض . ولا يوجد مرشح جمهوري واحد من بين المرشحين العشرة المتنافسين على الرئاسة من هو قادر على جمع مختلف تيارات الحزب حوله وبالتالي فإن من الطبيعي أن يدفع الحزب الجمهوري ثمن تراجع شعبية رئيسه وإنحسار التأييد الشعبي له بسبب حربه في العراق التي لاتحظى برصيد أو سمعة جيدة لدى الناخب الأمريكي. إلا أن أخطر ما سيؤثر على الشارع الأمريكي وابتعاده عن الجمهوريين هو كشف الحقائق الذي ظهر مؤخراً من خلال اعترافات إثنين من أقطاب النظام الأمني والمخابراتي اللذين تقلدا أرفع المسؤوليات في هرم السلطة التنفيذية وهما ريشارد كلارك الرئيس السابق لهيئة مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض وجورج تنيت رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية السي آي أ والذي أصدر كتاباً يفضح فيه ما كان يدور خلف الكواليس بشأن الحرب على العراق وكان كتابه تحت عنوان " في قلب العاصفة" الذي صدر في 30 نيسان 2007 في الولايات المتحدة الأمريكية وكسب منه 4 ملايين دولار رغم المساس بشخصه واعترافه بجبنه في مذكراته التي هزت البيت الأبيض والحكومة والبنتاغون والتي ادعى فيها أنه يقول حقيقة مايعرفه هو ولايعرفه الآخرون عن الملف العراقي والذي مهد له بعبارة :" لم يكن هناك نقاش جدي حول العراق داخل الإدارة الأمريكية قبل الغزو الذي تم سنة 2003" . كان جورج تنيت قد استقال من منصبه كرئيس للاستخبارات الأمريكية في تموز سنة 2004 بعد أن كان برر دخول الولايات المتحدة الأمريكية للحرب على العراق مؤيداً صحة معلومات تثبت أن صدام حسين يمتلك أسلحة تدمير شامل . لكنه اعترف بكتابه المذكور أنه أدلى بذلك التصريح واتخذ ذلك الموقف نتيجة لضغوط المحافظين الجدد المتنفذين والأقوياء. كما كشف تينيت عن أن قرار مهاجمة العراق قد أتخذ منذ اليوم الأول الذي تلا أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 التراجيدية . كما تعرض بالتجريح والفضح والنقد اللاذع لشخصيات من الصف الأول في الإدارة الأمريكية الحالية مثل نائب رئيس الجمهورية ديك شيني ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس . وكان جورج تنيت في فترة تصديه للمسؤولية الأمنية الأولى في أمريكا إلى جانب رشارد كلارك مسؤول الأمن ومكافحة الإرهاب في البيت الأبيض يركز بقوة وإصرار على منظمة القاعدة باعتبارها الخطر الأكبر الذي يجب أن يحظى بالأولوية من جانب البيت الأبيض والبنتاغون وكان يبرر ممارسات وكالة المخابرات المركزية للعنف واللجوء للتعذيب الجسدي والنفسي والتحقيقات العنيفة داخل سجون سرية تابعة للوكالة ضد عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي للحصول على المعلومات مما أتاح لمؤسسته أن تكشف وتفكك وتفشل مخططات ومؤامرات هذه المنظمة الإرهابية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها أثناء قيادته للوكالة الاستخباراتية الشهيرة حيث أثبت وجود مخططات سرية لدى خلايا نائمة مستعدة لتنفيذها بمجرد تلقيها إشارة من زعيمها أسامة بن لادن. والجدير بالذكر أنه تم تعيين جورج تنيت على رأس السي آي أ في عهد بيل كلنتون وأمضى سبعة أعوام في منصبه على رأس هذه الدائرة الخطيرة واستقال في عهد جورج دبليو بوش في حزيران 2004 بعد أن شعر أن إدارة بوش تنوي تحميله مسؤولية التقصير والفشل الذريع للمشروع الأمريكي في العراق. وكان الصحافي المخضرم بوب وودورد قد قدمه في كتابه " خطة الهجوم" باعتباره الشخص الذي أكد للرئيس بوش في ديسمبر 2004 الإشاعة القائة بامتلاك صدام حسين لأسلحة التدمير الشامل في حين يشير في كتابه اليوم " في قلب العاصفة" أن البيت الأبيض والبنتاغون، وفيهما شخصيات مؤثرة مثل دونالد رامسفيلد وديك شيني وولفوفيتز، كانوا عازمين ومصممين على مهاجمة العراق منذ اليوم الأول لتسلم جورج بوش الإبن لمنصبه كرئيس لأمريكا.

إستغل المحافظون الجدد اليمينيون المعلومات غير الدقيقة وغير المؤكدة التي توفرت لدى المخابرات الأمريكية لحشد الدعم والتعبئة لشن الحرب حتى لو تطلب ذلك إدخال معلومات مغلوطة، غير دقيقة وغير مفيدة، وهذا ما حصل بالفعل، للتبرير العلني للحرب والتعمد في تقديم تفسيرات خاطئة وغير صادقة لتلك المعلومات المتناثرة التي جمعتها وكالة المخابرات المركزية. وكشف تينيت بما لايقبل الشك أو الجدل أنه لم تكن هناك داخل الإدارة الأمريكية نقاشات رصينة وجادة بشأن الخطر الداهم والوشيك كما يدعون من جانب العراق، وإن ما كتبه من تقارير للرئيس الأمريكي جاء بعد عشرة أشهر من إطلاع الرئيس جورج بوش على أول خطة هجوم عسكرية عملياتية مثبتة ومفصلة ضد العراق ن وبعد أن أعطى البنتاغون أمره بنشر القوات داخل المنطقة وتطويق العراق براً وبحراً وجواً تمهيداً لتوجيه الضربة. وفيما يتعلق بالهوس الذي سيطر على الإدارة الأمريكية بخصوص العراق وخطره المزعوم كشف تينيت تفصيلاً جديداً جاء من قلب الآلة الاستخباراتية التي يرتاب بها المحافظون الجدد ولايثقون بها لكنهم يوظفونها لصالحهم أو يلتفون عليها ويتجاوزونها في سعيهم المحموم والدائم للعثور على أية صلات أو ارتباطات بين تفجيرات 11 أيلول والعراق . ففي أعقاب تلك الهجمات الإرهابية الدامية على نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا يؤكد جورج تينيت على أنه التقى بصقور البيت الأبيض والبنتاغون وعلى رأسهم ريشارد بيرل وكان هذا الأخير يصرخ بعصبية وهو يدخل إلى البيت الأبيض :" يجب أن يدفع العراق الثمن ... سندفعه الثمن فوراً " وكان نادي المحافظين الجدد المهيمن على السلطة في أمريكا واقع تحت سحر المعارض العراقي المعروف أحمد الجلبي الذي أقنعهم بتورط نظام صدام حسين وامتلاكه لأسلحة التدمير الشامل وكانوا يستشهدون به في كل كتاباتهم وتقاريرهم وملاحظاتهم المتعلقة بالعراق. ثم يعترف تينيت بخطئه عندما أيد قبل تصويت الكونغرس على شن الحرب على العراق المعلومات التي تقول بأن صدام حسين يمتلك كميات هائلة و جاهزة من الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية أو الجرثموية ، بينما لم تخطيء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي كان يرأسها ولا مرة واحدة بشأن موضوع وجود علاقات أو صلات وثيقة بين العراق وتنظيم القاعدة بالرغم من إصرار بول وولفوفيتز الذي كان نائباً لوزير الدفاع على هذه الأطروحة .

وذكر جورج تينيت في كتابه أنه حضر في آب 2002 إجتماعاً نظمه فريق خبراء تحت إدارة نائب وزير الدفاع دوغلاس فيث وعرض فيه فيث أفكاراً عن علاقات ناضجة ومتقدمة ومتناغمة بين العراق والقاعدة على حد تعبيره بينما كانت مؤسسته السي آي أ تصف تلك الافتراضات بعدم الدقة وإنها تستند إلى تقديرات شخصية وتعتمد على مصدر واحد للمعلومات غالباً ما يتضح فيما بعد بأنه كان مخطيء أو مبالغ في معلوماته. وبالرغم من ذلك استمر بوش وديك شيني برفد هذا الافتراض بالمصداقية والإلحاح عليه وترسيخه في الأذهان عبر مطرقة وسائل الإعلام الموالية لهم ويرددون عبارات ترهيبية من قبيل:" تخيلوا أن تمتلك القاعدة أو يقع بين أيديها أسلحة صدام حسين الفتاكة" . كما عرٌج جورج تينيت على إدعاءآت شراء صدام حسين لليورانيوم من النيجر واتهم ديك شيني نائب الرئيس الأمريكي بأنه كان وراء تلك الكذبة المفضوحة في آب 2002 عندما أعلن أن الرئيس العراقي السابق قد أعاد إطلاق برنامجه النووي وبوسعه أن يمتلك بسرعة هذا السلاح الفتاك ربما خلال عام واحد. ويكون بذلك الإدعاء قد تجاوز ببعيد تقديرات وتوقعات وتحليلات دائرته. وقد عملت الوكالة المركزية للاستخبارات على إزالة وحذف الجمل المتعلقة بموضوع اليورانيوم من خطاب الرئيس مرتين لافتقادها للمصداقية لكنها لم تفلح في المرة الثالثة فعادت الكلمات الثلاثة عشر لتحتل مكانها في خطاب الرئيس الأمريكي حول حالة الاتحاد في ينايرـ كانون الثاني 2003 . كما اتهم تينيت نائب الرئيس ديك شيني وألقى على عاتقه مسؤولية اتخاذ قرار مراقبة واعتراض المكالمات الهاتفية والتنصت على كافة الاتصالات الداخلية والخارجية للعديد من الأشخاص ومراقبة بريدهم الالكتروني الإيميل وتوسيع تلك المراقبة لتشمل أجانب وأمريكيين ومسؤولين ودبلوماسيين لاسيما تلك المتجهة إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية. واتهم كونداليزا رايس بالإهمال وعدم الاهتمام بالمعلومات الإستخباراتية الدقيقة التي عرضت عليها بشأن الإرهاب ونشاطات القاعدة قبل وقوع كارثة أيلول 2001 إذ لم تبلغها للرئيس بحجة أن ذلك يخالف السياق المعتاد الذي تسير عليه الأمور في الحكومة الأمريكية لأن الرئيس ليس رجل الفعل والتنفيذ بل هو الرجل الذي يحدد الخطوط العامة للسياسة.

أما الرجل الثاني الذي سبق تينيت في مبادرة فضح الإدارة الأمريكية وكشف كذبها وتزييفها للمعلومات فهو ريشارد كلارك الذي أشار في كتابه " ضد جميع الأعداء "إلى السبات العميق الذي تغرق فيه تلك الإدارة إزاء الإرهاب الدولي وعماها الاستراتيجي الذي جعلها تهمل الخطر المباشر على الشعب الأمريكي والمصالح الحيوية الأمريكية والمتمثل بالإرهاب الإسلاموي وتركيز جهودها على العراق بلا طائل مما مهد الطريق لانتعاش النشاطات الإرهابية وارتفاع وتيرة التعبئة والتحشيد الإرهابي في كثير من مناطق العالم وبالأخص العالم الإسلامي بل وحتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية بسبب إهمال الإدارة لحربها المشروعة على الإرهاب العالمي والتوجه نحو جبهة خامدة لاتشكل خطراً مباشراً أو وشيكاً على أمن الولايات المتحدة الأمريكية .لكنه ذكر بوجود احتمال ضئيل وليس يقين بأن عملاء في المخابرات العراقية السابقة لوحوا لأسامة بن لادن بإمكانية الحصول على ملجأ آمن في العراق له ولمنظمته إبان فترة ممارسة أمريكا لضغوط كبيرة على طالبان في أفغانستان لاعتقال بن لادن وتسليمه لواشنطن لمحاكمته بيد أن بن لادن رفض ذلك العرض العراقي المغري لعدم ثقته بصدام حسين. كما كانت توجد محطة للقاعدة داخل الأراضي العراقية قبل سقوط نظام صدام وبل الحرب ولكن في منطقة كردستان العراقية شبه المستقلة والمقصود بها معسكرات تنظيم أنصار الإسلام بزعامة الملا كركر ومع ذلك لم تقرر إدارة بوش قصف تلك المعسكرات الإرهابية غداة أحداث أيلول المأساوية وانتظرت 18 شهراً لتقصفها إبان الغزو للعراق. واليوم يمكننا الجزم بوجود روابط والتقاء بين القاعدة والعراق وبان مقاتلي القاعدة يدخلون بحرية وسهولة، ويسرحون ويمرحون داخل العراق ويسيطرون على أجزاء واسعة من مناطقه وأراضيه يفرضون عليها قوانينهم وتشريعاتهم ومنظومة قيمهم المتخلفة بفضل دعوة بوش لهم لمنازلتهم ومجابهتهم هناك على الساحة العراقية بعيداً عن الأراضي الأمريكية على حد زعمه . ولايوجد دليل واحد على تمويل العراق ونظامه السابق للقاعدة أو التنسيق معها لشن هجمات إرهابية أو منحها ملجأ آمن قبل أحداث الحادي عشر من أيلول عكس ما كانت تقوم به بعض الأطراف الحليفة لأمريكا في المنطقة من خلال منظماتها الخيرية والإنسانية التي كانت تلعب دور الوسيط لجمع الأموال والمساعدات فهل ستتجرأ إدارة بوش يوماً ما على معاقبة تلك الأطراف المعروفة لديها أو مهاجمتها بتهمة مساعدة وتمويل الإرهاب العالمي ؟ هذا ما يخلص إليه رشارد كلارك من استنتاج ولم تتمكن حكومة بوش من خنق صوته أو مصادرة شهادته التاريخية هذه. ما الذي سيجنيه العراق أو يمكن أن يستفيد منه بعد كل هذه الكشوفات الإعلامية الأخيرة؟ يعتمد هذا على نوع وبرنامج وتوجهات الحكومة العراقية التي ستخلف مرحلة الاحتلال واستعادة السيادة الحقيقية.