حملت انتخابات "دار النيابة" وما قبلها وبعدها آراء كثيرة متنوعة ، قد يكون من أهمها بعض ما أُطلق خلال الانتخابات من بعض المسؤولين بأن ((من لا يشارك إنما يساهم في إنجاح المشروع الأميركي)) ، وبعض ما أُطلق بعدها في مدينتي حماة ، من أن ((الحمويون مستاؤون لعدم نجاح أي مرشح من المدينة في الوصول إلى "دار النيابة" ، وأنهم لولا مقاطعتهم لكانوا استطاعوا إيصال من يريدون من مرشحي المدينة))....

كلا القولين خطيران ، أولهما قام ضمناً بتقسيم المواطنين إلى فئتين : صالحين وغير صالحين ، بمعنى قد يقود إلى أحد من اثنين : مواطن أو عميل ... هذا رغم ما حمله من متناقضات مع ما يطلق من تعابير وجمل وتحليلات تتضمن حالة من الجزم والحزم والتأكيد عن فشل المشروع الأميركي ، فهل أنه قد نجح أم فشل (!) ، وإن كان قد فشل فهل أن هذا المواطن المسكين الغلبان الذي لم يشارك في الانتخابات هو من سيؤثر وسيتسبب في إنجاح المشروع الذي فشل (!) ، رغم جميع الاحتمالات التي تحملها حالة عدم المشاركة كأن يكون الإنسان على سفر – خارج سوريا مثلاً – أو أن يكون على فراش الموت أو أن يكون مريضاً أو خاضعاً لعمل جراحي أو "مزنراً بحزام من الجبس حول قدمه المكسورة"، أو أنه لا يرغب بوضع طبقة من الحنّـاء على إصبع واحدة فقط ، إلى ما هنالك من احتمالات .

أما القول الثاني ، فقد حمل في باطنه حالة من الفرز المجتمعي الوطني ما بين الريف والمدينة من جانب ، ومن دلالة بأن المدينة تندرج تحت خانة المعارضة - كونها قاطعت (!؟) الانتخابات- من الجانب الآخر...

بالنسبة لي ، استغرب تماماً صدور مثل تلك المقولات عن جهات ذات علاقة مباشرة بالشأن العام ، ولا أدري إن كانا ينطبقان على "الموالضين والموالضة" ... واستغرب أكثر لأن لائحة "الجبهة الوطنية التقدمية" التي "فازت كاملة" وبشكل ساحق في الانتخابات تضم مرشحين (بالجمع لا المثنى) عن المدينة كما أجزم ... واستغرب أيضاً من استخدام تعبير "المقاطعة" رغم أن عدد المقترعين وصل إلى أكثر من /325000/ ثلاثماية وخمسة وعشرون ألفاً في محافظة حماة بمفردها دون أي فرز بين ريف ومدينة باعتبار أن المحافظة كاملة عبارة عن دائرة انتخابية واحدة بعدد من الناخبين يقارب ال /1200000/...؟! أوليست نسبة مقبولة للمشاركة ؟!

ثم لمَ القول بأن الحمويون قاطعوا ؟ إنهم يا سادة لم يقاطعوا بل استنكف الكثير منهم أوكانت مشاركتهم ضعيفة لقناعتهم التامة أن "لائحة الجبهة الوطنية التقدمية" ستفوز كاملة دون أي خرق لها أولاً، ولعدم وجود ثقافة انتخابية حقيقية بين غالبية المرشحين جبهويين أو غير جبهويين حيث أن الكثير منهم اعتمد على ابتسامته ونظرات عينه -عدا البعض القليل الذي كان له ما يمكن تسميته "برنامجاً انتخابياً خجولاً"- أو على مجرد ظهور اسمه ضمن "لائحة الجبهة" ، هذا ثانياً ، والسبب الثالث هو أن المرشحين المستقلين لا يمكن لهم أن يحققوا شيئاً في "دار النيابة" - إن جزمنا بأنهم جميعاً نذروا أنفسهم للمصلحة العامة ومصلحة المواطنين- ذلك لأنهم مستقلين(....!) وما من لوائح أو رؤى مشتركة أو أهداف محددة كانت قد جمعت بعضهم ، يمكن من خلالها التقدم للناخبين ببرامج انتخابية يستطيعوا بعدها مطالبتهم – للنواب – بتقديم جردة حساب عن وعودهم .

الموضوع برأيي هو ان المواطنين الحمويين ، كما غيرهم من السوريين ، يدركون ويعلمون ويستطيعون المقارنة بين الأحمر والأصفر – مثلاً - ، وباعتبارهم يعرفون ويتابعون ويدركون يستطيعون اتخاذ القرار الصحيح وفقاً لقناعاتهم وآرائهم وبخاصة في عصر العولمة والانترنت والفضائيات والانتخابات ، والابتسامات ، بلحى أو بدونها ، بلباس غربي أو بلباس شرقي ، بقبعة شيشانية أو غربية ، بنظرات حادة أو حالمة ... إلخ .

إنهم لا يعرفون الكثير من المرشحين الذين وجدوهم "مجهولين" بالنسبة لهم ، ورفضوا العودة إلى تقاليد "ما قبل المدنية" في ممارسة الحق الانتخابي أي استنكفوا عن المشاركة من خلال العصبية العشائرية والقبلية والطائفية . ونظراً لقناعاتهم ومعرفتهم ، اتخذوا القرار الملائم حسب وجهة نظرهم بمن يستطيع حقاً أن يمثلهم ... أو من هو يمثل عليهم .

ونظراً لذات القناعات والمعارف التي اكتسبوها من خلال المتابعة للشؤون الهامة ، باتوا يعلمون أن العديد من المرشحين الجبهويين والمستقلين للدور التشريعي التاسع ، كانوا هم ذاتهم "ممثلين عن الشعب" في الدور التشريعي الثامن ، وهم ذاتهم الذين كانوا "صامتين ساكنين مصفقين" خلال وجود السيد خدام ، وهم ذاتهم الذين كانوا "فاضحين كاشفين معرين مطالبين بالمحاسبة" بعد انشقاق السيد خدام .

وكذلك يعلمون أنهم ذاتهم الذين كانوا يناضلون ويطالبون بتطبيق العدالة الاجتماعية وفقاً للنهج الاشتراكي ، والذين أصبحوا يناضلون ويطالبون بتحقيق العدالة الاجتماعية وفقاً لنهج اقتصاد السوق الاجتماعي ... إلخ .

إنهم يعلمون ، ولذلك فهم يدركون ، ومن هنا كان قرارهم الذي اتخذوه ، انطلاقاً من قدرتهم في التمييز بين الألوان . بصراحة تامة ، أرى أن الموضوع يحتاج إلى وقفة صادقة مع الذات ، لأنه لا يكفي تنظيم وتنفيذ حملة إعلامية إعلانية لتحفيز المواطنين على المشاركة بالعملية الانتخابية باعتبارها "حقاً وواجباً وطنياً" ، قدر ما ينبغي تحقيق الوصول إلى ثقافة انتخابية حقيقية بين الجموع ، هذا الموضوع الذي سبق وأن تناولناه قبل الانتخابات ، والذي يتطلب إعادة النظر في قانون الانتخابات بشكل جذري ( مثلاً : الدائرة الانتخابية – لوائح الشطب – الوضع الثقافي للمرشح – نسب العمال والفلاحين وباقي "فئات الشعب" – الحملات الاعلانية والاعلامية – الجولات الانتخابية – مشاركة وسائل الاعلام ..إلخ ) توافقاً مع صدور قانون للأحزاب ، تهيئة للوصول إلى حالة تفاعلية حقيقية بين المواطنين خلال السنتين القادمتين يتم من خلالها التأكيد على مبدأ المواطنة والانتماء للوطن عوضاً عن العشيرة والقبيلة والطائفة ( كما تبين من مجريات الانتخابات ) ... ويتم من خلالها الوصول إلى حالة من الثقافة الانتخابية الحقيقية . إنها مجرد وجهة نظر "موالضية" من أحد "الموالضين" الذين يأملون أخذها بعين الاعتبار عند أية مراجعة صادقة لموضوع "الانتخابات" .

*: "الموالضية" من "الموالضة" ، أي اللاموالاة واللامعارضة ، تعبير استخدمته في مقال سابق لي حمل عنوان "كل يغني على ليلاه" ... يمكن تسميتها بالتيار الثالث إن رغبتم .