كل من يتابع ردود الفعل اللبنانية على التقرير الأولي للجنة فينوغراد الاسرائيلية الحكومية المولجة دراسة اخفاقات الحرب الاسرائيلية الأخيرة على لبنان، لا بد ان يلاحظ مدى التداخل القائم حالياً بين السياسة الداخلية الاسرائيلية والسياسة الداخلية اللبنانية. وابرز دليل على ذلك مسارعة اكثر من طرف في المعارضة والموالاة الى توظيف التقرير ونتائجه في خدمة أهدافه السياسية وفي شن حملة على خصمه، الى حد ان الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله توقّع ان يقدم التقرير النهائي للجنة الذي من المنتظر ان ينجز في تموز المقبل، "ادلة" و"اثباتات" تؤكد التورط الأميركي واطراف لبنانية وعربية في حرب تموز.

ومن الأمور المثيرة للإستغراب انه رغم الاختلافات الكبيرة التي تفصل بين قوى المعارضة والأكثرية في لبنان، هذه الخلافات التي تكاد تقضي على المؤسسات الدستورية وتشل كل تحرك حزبي او شعبي نتيجة الاستقطاب الحاد الذي يقسم اللبنانيين معسكرين متعارضين، ثمة قاسم مشترك جمع بين المعسكرين المتخاصمين هو الاعجاب بالقدرة على النقد الذاتي التي يتمتع بها المجتمع الاسرائيلي وبفاعلية نظام المحاسبة الذي يخضع له الزعماء السياسيون والقادة العسكريون هناك. هذا الاعجاب الذي يذهب ببعض المعلقين اللبنانيين الى المطالبة بلجان تحقيق لبنانية على شاكلة لجنة فينوغراد. والحق اننا نشهد منذ مدة عملية تأويل لبنانية صرفة لأحداث داخلية اسرائيلية تقوم على تحميلها غير ما تحمله وتصويرها على غير ما هي عليه، في عملية اسقاط سياسي فريدة من نوعها، وحدهم الديماغوجيون من محترفي السياسة من اللبنانيين قادرون عليها.

لا يريد عدد كبير من المعجبين اللبنانيين بنتائج تقرير فينوغراد ان يرى في ادانة واضعي التقرير سوء أداء الجيش الاسرائيلي، وعدم وجود خطة عسكرية واضحة الاهداف للعملية العسكرية التي اقترحتها رئاسة الاركان، وافتقار الزعامات السياسية للخبرة في المجال العسكري، الا وجهاً واحداً الا وهو الاعتراف الاسرائيلي الرسمي بالاخفاق والفشل. وهم لا يعيرون أهمية كبيرة للشق الآخر الأكثر خطراً من هذه النتائج التي تطالب ضمناً بضرورة ترميم القدرة الاسرائيلية على الردع واعداد الجنود الاسرائيليين بصورة افضل لقتال حرب العصابات، والبحث عن جواب رادع لمشكلة صواريخ الكاتيوشا القريبة والمتوسطة المدى، فالنقد الموجه الى الزعامة السياسية بالتسرع في اتخاذ القرارات وعدم البحث في بدائل أخرى غير العمل العسكري قد يبدو ادانة للعمل الحربي المتهور الذي أقدمت عليه اسرائيل، ولكنه في جوهره يقوم على المبدأ الاساس الذي لطالما قامت عليه كل قرارات اسرائيل في حروبها السابقة اي ضرورة محافظة اسرائيل على تفوقها العسكري في اي مواجهة مع اعدائها، اما البدائل الأخرى فليست في جميع الاحوال الاستمرار في سياسة ضبط النفس التي اعتمدتها اسرائيل على جبهتها الشمالية مع لبنان بعد انسحابها الاحادي عام 2000، وانما البحث عن بدائل سياسية - عسكرية يمكنها ان تغير الستاتيكو لمصلحة اسرائيل.

لم يحمل التقرير اي ادانة للإستخدام المفرط للقوة العسكرية الاسرائيلية رغم انتقاده لخيار القصف الجوي الذي اعتمده رئيس الاركان المستقيل دان حالوتس. ورغم الانتقادات الكثيرة التي وُجِّهت الى الحكومة لاتخاذها قرارها بالعملية العسكرية البرية قبل ساعات على اتخاذ مجلس الأمن قراره بوقف النار، النقد موجه الى التأخير في اتخاذ القرار والى التأخر في دعوة رئيس الاركان قوات الاحتياط.

ثمة امور كثيرة تضمنها التقرير من شأنها ان تثير القلق والخوف بدلاً من الاعجاب والرغبة في المحاكاة. فما تفعله اللجنة ليس محاسبة الزعماء على تقصيرهم فحسب وانما هي ترسم الطريق الذي يجب ان تسلكه اي زعامة اسرائيلية مقبلة. وعمل اللجنة يتعدى عملية المراقبة والمحاسبة الى ما هو أعمق من ذلك. إنه دعوة صريحة الى استعادة اسرائيل صورتها القوية والرادعة والمنتصرة، صورة الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة التي تواجه بحراً من التطرف العربي والاسلامي، وهو ادانة صريحة للمرونة وللضعف والتردد الذي برز لدى رئيس الحكومة ووزير دفاعه. باختصار التقرير دفاع عن سياسة القهر والقوة والاحتلال وبهذا المعنى لا يمكن ان يكون مثالاً يحتذى.

مصادر
النهار (لبنان)