بانسحاب طوني بلير من الساحة السياسية، فقد جورج بوش حليفاً نادراً كان لا يزال يعتقد (ومعهما طبعاً رئيس الوزراء الاوسترالي جون هوارد) ان الحرب على العراق كانت قراراً صائباً، وأن التاريخ وحده سيحكم في ما بعد على صواب هذا القرار، الذي حوًل العراق مستنقعاً دموياً يغرق أكثر فأكثر في لجة الاقتتال الطائفي ويتحول أهله لاجئين في الداخل والخارج. كما بات مرتعاً لتنظيم "القاعدة".

وقد لا تكون مأساة بوش أكبر بفقدان بلير منها بمأساة بروز تيار داخل الحزب الجمهوري نفسه يطالب بمقاربة جديدة للحرب في العراق. فالمرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين يعتبر أن تدني شعبية بوش باتت عبئاً على الحزب الذي يسعى الى الاحتفاظ بالبيت الابيض في الانتخابات التي ستجري سنة 2008. وبعد تجربة الانتخابات النصفية عام 2006 التي أطاحت سيطرة الجمهوريين على مجلسي النواب والشيوخ بسبب حرب العراق، فإن الحزب الجمهوري مهدد بفقدان البيت الابيض قبل أن يصدر حكم التاريخ المنتظر على قرار الحرب في العراق.

وليس غريباً، في ظل مناخ كهذا، ان يقول النائب الجمهوري راي لحود "ان حرب العراق أنهكت الولايات المتحدة". وما كان ليصدر مثل هذا القول عن نائب جمهوري لو لم تكن شعبية بوش في حدود الـ28 في المئة، أي أدنى نسبة تسجل لرئيس في تاريخ الولايات المتحدة. لذلك يشعر الجمهوريون بأن رئيسهم بات عبئاً عليهم، وبانه اذا لم يسارع الى تغيير المسار في العراق فإنهم سيخسرون الانتخابات الرئاسية لا محال فضلاً عن استمرار الديموقراطيين في الاحتفاظ بمجلسي الكونغرس.

ويضغط الجمهوريون على بوش لأن الوقت يدهمهم بالنسبة الى الاستحقاق الرئاسي، لذلك اقترحوا عليه التفكير في تحول جدي في العراق من الآن حتى ايلول المقبل، لأنه بعد هذا التاريخ ستدخل اميركا في حمى الانتخابات الرئاسية وتالياً فإن مزيداً من التدهور في العراق سينعكس حكماً على المرشحين الجمهوريين الذين لن يكون في امكانهم الدفاع عن حرب وصفها زعيم الغالبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد بانها "حرب خاسرة". وإحدى المعالجات التي لجأ اليها بوش هي ايفاد نائبه مهندس الحرب ديك تشيني الى العراق كي يحذر المسؤولين العراقيين من ان عليهم العمل بأقصى جهد لتحمل المسؤولية عن الولايات المتحدة التي يدهمها الاستحقاق الرئاسي. كما كلف بوش نائبه ان يستخدم "علاقاته الشخصية" لدى بعض الدول العربية للمساعدة في ايجاد حل في العراق ولا سيما السعودية ومصر والاردن باعتبارها الاكثر تأثيراً على السنًة في العراق.

بكلام آخر يضيق الجمهوريون كما الديموقراطيون، ذرعاً بهذه الحرب التي فقدت كل مبرر أخلاقي أو قانوني بعد الآثار الكارثية التي جلبتها على العراق وتهدد الاستقرار في كل المنطقة. ومهما حاول بوش ان يوحي اليوم ان غوردون براون المرشح لخلافة بلير قادر على الاستمرار في سياسته كما هي، او أن الرئيس الفرنسي الجديد سيكون أكثر قرباً من الولايات المتحدة لأنه حكماً سيكون أقل ديغولية من جاك شيراك، فإن ذلك لن يعوض الرئيس الاميركي تنحي بلير الذي هو نفسه كان ضحية الحرب التي قامت على الكذب.

فلا ساركوزي ولا براون مستعد للدخول اليوم في غمار تجربة يبحث الاميركيون عن سبيل للخروج منها. وحتى بلير قبل خروجه من الحكم وضع جدولا زمنيا للخروج من العراق حتى لا يلزم خليفته باعباء هي من صنعه. ولعل في تنحي بلير بعض ثمن يدفعه الرجل عن قرارات خاطئة. أما بوش وتشيني فإنهما مستمران في ايهام العالم وخداعه بأن العراق اليوم هو افضل حالاً، وبأن الحرب تؤتي ثمارها!

مصادر
النهار (لبنان)