لم تكن المسائل الداخلية في سورية منذ منتصف عام 2001 مستقلة بشكل مطلق، فالتركيز الإعلامي باتجاه الداخل السوري كان قويا، واتضح بشكل أكبر بعد احتلال العراق، وعندما يعتبر البعض أن احداث 11 أيلول سرعت من وتيرة الضغط على سورية، فإن الجانب الآخر من الموضوع يكمن في التكوين الذي بدأ يتشكل نتيجة "المرحلة الجديدة" التي دخلت فيها سورية والمنطقة عموما.

عمليا إن "عوامل جديدة" بدأت تحكم "المعادلة السورية"، ورغم أن اتجاه الدولة انسحب باتجاه "أولوية الإصلاح الاقتصادي"، بينما كانت أطراف المعارضة تتحدث عن "الأولوية السياسية"، فإن العاملين كانا مترابطين لأبعد الحدود، فالواقع الاقتصادي الجديد أثر على الحركة العامة بما فيها السياسية، في وقت كان الحدث الخارجي يقدم ظروفا موضوعية لتطورات كثيرة، فالمنطقة شهدت لأول مرة تبدلات على مستوى "المصلحة الأمريكية" التي لم تعد تؤمن بـ"تقاسم الأدوار القديم". وعملت على البدء بمسارات جديدة لإزاحة الخارطة السياسية القديمة كليا. ورغم ان هذه الاستراتيجية لم تنجز حتى اليوم لكنها أحدثت آثارا عميقة داخل المنطقة عموما.

كانت سورية أكثر المتضررين بالزلزال العراقي إن صح التعبير، لكن "إنجاز" إسقاط نظام سياسي فتح المجال أمام التفكير بهذه المنهجية التي سلكتها الولايات المتحدة، ورغم ان الدخول بمغامرة عسكرية جديدة كان مستبعدا، لكن الاستراتيجية الأمريكية كانت تقدم هذه الحالة "الانقلابية" وفق أشكالا مختلفة. وحتى يتضح الارتباط ما بين "التحول الدولي" و "الداخل السوري" لا بد من ملاحظة نقطتين:

-  الأولى أن العوامل الجديدة التي أدخلتها الدولة بعد عام ألفين كانت وسيلة ضغط أيضا من قبل السياسة الدولية عموما، سواء عبر "مكافحة تبييض الأموال" أو حتى بتوقيف اتفاقية الشراكة مع أوروبا. فأولويات الإصلاح الاقتصادي لم تكن مجال انتقاد من قبل البعض في الداخل، بل أصبحت أيضا نقطة ارتكاز لإعاقة أي حوافز او مساعدات ممكنة.

-  الثاني هو ما انتجه "الزلزال العراقي" من رؤية "مشوشة" حول العمل الديمقراطي عموما، لأن المعارضة سرعان ما انتشرت في الخارج، ثم حدثت جملة من التبدلات اللاحقة دفعت إلى تدعيم هذه المعارضة بوجوه تقليدية. هذا الأمر كان محرجا بالنسبة لأي "معارضة" داخلية، لأن المعركة بدت بعد احتلال العراق حدية وفاصلة ولا تحتمل أي حياد.

منذ أحداث الحادي عشر من أيلول لم تتبدل النظرة الدولية إلى سورية، لكن الاستراتيجية الدولية عموما تغيرت، وعاشت واقعا من الافتراق الذي حسمته الولايات المتحدة بفرض استراتيجيتها. وما حدث في سورية على المستوى الداخلي لم يترك كي يبلور اتجاهه بشكل مستقل، لأن سورية دخلت بشكل سريع ضمن التجاذب الذي فرضته الولايات المتحدة على المنطقة ممهدة للحرب على العراق.