لا يخفى على أحد الظروف السياسية القاسية التي أحاطت بسوريا خلال السنوات الأخيرة، ولم يسبق لسوريا منذ عهد الاستقلال حتى الآن أن واجهت ظروفاً وتحديات ومؤامرات بهذه الكثافة أو القوة، تلك الظروف والتحديات التي رسمت ملامحها السياسة الأمريكية، ونفذتها مع حليفتها التاريخية والاستراتيجية إسرائيل، أريد منها إبعاد سوريا عن خندق الممانعة في المنطقة والدفاع عن حرية أرضها (الجولان المحتلة) وعن قضيتها المركزية (فلسطين).

ولم يفاجأ السوريون بالمواقف الأمريكية هذه، فقد اعتادوا عليها منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً سبقت، ولم يبد غريباً أن تمارس الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطها على بلد كسوريا طالما أنه منذ اللحظة الأولى لانتقال السلطة من الأسد الأب إلى الأسد الابن، كانت تأمل أن يحدث تغيير جذري في السياسة السورية التي سبق أن أربكت سياسات الإدارة الأمريكية مدة طويلة، لكن ذلك لم يحدث ولم تنل الولايات المتحدة مأربها، حيث جاء خطاب القسم في الولاية الأولى للرئيس بشار الأسد ليلخص الموقف والسياسة السورية القادمة صراحة دون أي مواربة أو مساومة على المبادئ والأسس والثوابت السورية، وأعلن بأن الحفاظ على نهج الأسد الأب من الأولويات، وأنه ليس بالأمر السهل الحفاظ عليه (حيث كان متوقعاً بالتالي تلك الهجمة الغربية على سوريا) وخاصة وأن السوريين ليسوا مطالبين فقط بالحفاظ على هذا النهج بل بتطويره مما يحتاج إلى الكثير من العمل والجهد وعلى كافة المستويات لتذليل الصعوبات ومواكبة العصر، دون التخلي عن الثوابت الوطنية والقومية، وكان خطاب القسم موجهاً للداخل والخارج معاً..

إذاً لم تجر الرياح السورية كما تشتهي السفن الأمريكية، وما لم تستطع إسرائيل والولايات المتحدة انتزاعه من الأسد الأب كان عصياً عليهما انتزاعه من الأسد الابن، وكان خطاب القسم يرسم ملامح المستقبل لسبع سنوات قادمة.. ولذلك كان متوقعاً أن تبقى سوريا على خارطة خصوم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل طالما لا يمكن أن تنجر إلى موافق مماثلة لبعض المواقف العربية التي هرولت باتجاه سلام مجاني أو (استسلام) إن صح التعبير..

دعونا نتذكر الأحداث الدولية والإقليمية التي مرت على العالم والمنطقة العربية والتي تأثرت سوريا بها كما تأثرت بها دول المنطقة، إلا أن التأثر السوري كان أشد بسبب مواقفها وثوابتها، كدعم الانتفاضة والتأكيد على الثوابت الوطنية والقومية السورية على عكس (أغلب المؤتمرين) في قمة بيروت، ثم الموقف السوري الرافض لاجتياح الضفة الغربية وجنين، حيث لاذ أغلب العرب وقتذاك بالصمت، ثم حرب أفغانستان وتهديد الولايات المتحدة للعراق ومن ثم احتلاله والموقف السوري الرافض لهذا الاحتلال شكلاً وتفصيلاً..

كل هذا جعل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبعض دول الغرب أن ينتقلوا من مرحلة التصريحات السياسية المعادية للمواقف السورية إلى مرحلة تنفيذ ما تم التخطيط له لتضييق الحصار على السوريين، فكان قانون محاسبة سوريا ثم أحداث القامشلي التي تلاها اغتيال الشهيد رفيق الحريري وشراء (عبد الحليم خدام) ثم تسييس تقرير (ميليس) الخ...

ورغم كل ما سبق فقد كانت النتائج على الأرض متطابقة مع الموقف والرأي السوريين، فدخلت الولايات المتحدة في مستنقع حرب العراق كما توقعت سوريا، وتحولت الحرب الخاطفة إلى كابوس يطبق على الإدارة الأمريكية، وفازت (حماس) بالانتخابات الفلسطينية وانتصرت المقاومة الوطنية اللبنانية على إسرائيل وبقيت سوريا متمسكة بثوابتها الوطنية والقومية، وأكدت أن لا حل لمشكلات المنطقة بدونها..

تلك كانت هي العوامل الموضوعية المرتبطة بالظروف الدولية والإقليمية التي أثرت بشدة على سوريا، وعلى حركة التطوير والتحديث المأمولة التي ليس لأعداء سوريا مصلحة بالسير فيها، ورغم كل الظروف السياسية الصعبة التي مرت فقد استطاع السوريون اجتياز هذه الظروف والمضي في مسيرة التطوير والتحديث، وتحققت خطوات إلى الأمام لكنها كانت أقل من الطموحات (كما قال السيد رئيس الجمهورية) إلا أن الطموح مازال قائماً.

والآن، ونحن على أعتاب استفتاء رئاسي لولاية دستورية جديدة واستقبال مرحلة جديدة، لابد لنا من وقفة مع الذات نحاسب فيها أنفسنا (مواطنين وحكومة) نستخلص منها إجابات صريحة لسؤالين: أين أصبنا؟ وأين أخطأنا؟ ونبحث عن السبل الكفيلة لتعزيز قدراتنا وقوانا كي تبقى شمس سوريا هي الأجمل على الدوام.