لم يترك الرئيس الإيراني مساحة واسعة ما بين زيارته لأبوظبي ومغادرة نائبي الرئيس الأمريكي ديك تشيني لمنطقة الخليج، فالسباق السياسي يحمل معه اكثر من مسألة النفط التي كانت سائد في مراحل الحرب الباردة. وّا كانت زيارة تشيني تحمل بعضا من "النمطية" في شكلها ومضمونها، لكن زيارة أحمدي نجاد وصفها البعض بـ"التاريخية" كونها الأولى منذ تأسيس دولة الإمارات.

الرئيس الإيراني الذي تخوض حكومته معركة دولية حول ملفها النووي تعامل مع منطقة الخليج بشكل أربك المعادلة السياسية التقليدية، فهو زار السعودية في أوج الأزمة بشأن ملف إيران النووي وخطره على امن الخليج. لكن هذا الموضوع لم يكن الوحيد الذي دفع نجاد للقاء العاهل السعودي، فمسألة "الأدوار" أو المنافسة السياسية حول "الخليج" كانت المحور الأساسي الذي دفع بالسياسة الإيرانية لاختراق هذا الملف الشائك.

ونجاد اليوم كسر أيضا القاعدة التقليدية في العرقة مع الإمارات، رغم ان النتائج السياسية لهذه الزيارة لم تتضح، وهي أيضا تحوى مساحة غامضة مرتبطة بمصير الجزر الثلاث، لكن المباحثات بذاتها مؤشر على أن طهران لا تريد ترك مسافة سياسية في منطقة تختلط فيها المصالح الدولية مع الهاجس الأمني لدول الخليج. والخيار على ما يبدو بالنسبة للإمارات أيضا هو بدء التعامل مع هذه الملفات الحساسة أيضا.

عمليا فإن الرئيس الإيراني يعرف أن "كسر" الحاجز النفسي والتوجه إلى الإمارات لن يكون كافيا لأن هناك ثلاث اعتبارات أساسية تحكم العلاقة بين البلدين:

-  الأولى مسألة الجزر الثلاث، ورغم الحجم الإعلامي الذي يمكن ان تأخذخ هذه القضية لكنها في النهاية تشكل بوابة لباقي المسائل، لأن الخلاف هنا لا يتعلق بصراع حول الأرض أو الجغرافية، بقدر ارتباطه بأمن الخليج أو الدخول إليه، فالمسألة "استراتيجية" بالدرجة الأولى. وإزالة المخاوف من "القوة الإيرانية" يمكن ان يصبح مفتاح التعامل مع هذه الأزمة.

-  الثانية ان الإمارات العربية ليست رقما عاديا في أمن الخليج، فالوجود الأمريكي في الخليج استند قبيل احتلال العراق على البحرين وقطر والإمارات والكويت، والمسألة هنا لا ترتبط بحجم القوات إلا أن الإمارات تملك نافذة واسعة على مياه الخليج، وتشكل دعما لوجوستيا مهما بالنسبة للقوات الأمريكية المتواجد في المياه أو داخل الأراضي العراقي. هذا الأمر يفرض على طهران التعامل السياسي الهادئ مع دولة الإمارات، وفتح المسارات السياسية ووقف أي مجال للتوتر بين البلدين.

-  الثالث هو الموضوع "النووي"، على الأخص أن مجلس التعاون الخليجي أبدى رغبة في اجتماعاته الأخير بالاستفادة من الطاقة النووية سلميا. ورغم أن احتياطي النفط في هذه الدول لا يستدعي الاعتماد على الطاقة النووية، فإن طرح هذا الموضوع ربما يستدعي التحكم بانتشار الموضوع النووي في منطقة الخليج.

لكن من المهم من التحرك الإيراني اليوم لا يرتبط فقط بتعامل طهران مع الخليج، فالمسألة الإقليمية بالنسبة لها تتعلق في النهاية بالواقع الذي خلفه الاحتلال بالدرجة الأولى، والمرحظ ان إيران تسعى من تحركها باتجاه الخليج إلى استكمال امتداد تعاملها مع كل من تركيا والسعودية، وبالطبع فإن علاقاتها باتجاه سورية لا تحتاج إلى تأكيد. وربما من المفيد هنا التركيز على ان "محور المعتدلين" الذي زاره ديك تشيني، تتم مقابلته في طهران عبر تحرك خارج مسألة المحاور.

ومن الضروري هنا ملاحظة ان مسألة المحاور شأن ليس افتراضيا في المطلق، لأن سياسة واشنطن كما بدت خلال العامين الأخير تسعى لرسم المنطقة على أساس المجابهة التي تخوضها في العراق، إلا أن المأخذ الأساسي لديها هو عدم التحديد في هذه المحاور، حيث تخوض معركتها في هذا الموضوع عبر قسم المنطقة باتجاهين: الأول – هو التشدد والاعتدال، من خلال تقسيم الدول.

الثاني – مذهبي يختلط مع الأول، لأن المتشددين في القسم الأول ليسوا بالضرورة "متطرفين" ضمن التقسيم الثاني. هذا الأمر خلق اختلاطا في المفاهيم وأدى لمزيد من التشويش في التعامل مع المسائل، وهو موضوع محرج أيضا بالنسبة لطهران المتهمة بالتشدد في بعض المسائل، ومتهمة بالتدخل مع "غير المتشددين" في العراق". وبغض النظر عن هذا التعثر داخل الاستراتيجية الأمريكية، لكنه بالنسبة للمنطقة عموما يخلق عدم وضوع في إيجاد خارطة للعلاقات في الشرق الأوسط، وإذا كانت إيران تسعى اليوم إلى تبديد الشكوك لدى دول الخليج تجاه استراتيجيتها عموما فإنها في نفس الوقت ستجد اختلاطا في المسائل يبدو من الصعب إنهائها بمجرد التحرك السياسي.

في زيارة أحمدي نجاد صورتين لسباق المصالح داخل الشرق الأوسط، رسمهما كل من ديك تشيني وأحمدي نجاد، ورغم أن تواجد هذه المصالح مختلف، والعلاقات التي تحكم البلدين بالمنطقة مختلفة، لكن الغائب الأساسي هو تحديد ما يريده النظام العربي عموما من العلاقات مع كل من واشنطن وطهران. فالخليج اليوم لم يعد مجالا عربيا أو فارسيا أو حتى امريكيا، والواضح أن التوجه الدولي نحوه ربما يدخل عاملا إضافيا من خلال "الهند" وما تمثله من ثقل استراتيجي في المنطقة، ورغم أن هذه المسألة ليست محسومة بالكامل بالنسبة لإيران أو لدول الخليج العربي لكنها واقع بدأ يفرض نفسه ويشكل أيضا نتائج تفرض كسر الحواجز التقليدية في العلاقات الشرق أوسطية عموما.

مصادر
سورية الغد (دمشق)