كان خبراً لافتاً إعلان الحكومة عن ارتفاع قيمة الصادرات السورية خلال العام الماضي لنحو 10.8 مليار دولار تبعاً لما قاله رئيس الحكومة خلال اجتماع اللجنة العليا السورية- التونسية المشتركة مؤخراً، و10.7 مليار دولار وفق ما ذكره نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حفل إطلاق جمعية رجال الأعمال السورية الكندية... وما بين التصريحين الرسمين ليس فقط وجود فارق قدره مئة مليون دولار، إنما الإشارة الواضحة الأخرى أن ما سبق من أرقام هي قيمة الصادرات غير النفطية، وهو ما يعني في حال تأكيده لاحقاً بنشر التفصيلات الكاملة قفزة نوعية لا تحتاج لشهادات من أحد.. ففي العام الماضي ووفق المجموعة الإحصائية السورية فإن قيمة الصادرات بلغت نحو 424.300 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل 8.486 مليار دولار بما فيها الصادرات النفطية، وبالتالي فإذا كانت الصادرات للعام الماضي والمعلنة سابقاً منها فقط 6 مليارات دولار للصادرات السلعية غير النفطية فإنها تكون قد تقدمت بما لا يزيد على ملياري دولار، والسبب أن هناك ما يقارب 4 مليارات دولار صادرات نفطية في العام 2005 (فقط نفط خام دون المشتقات النفطية) وتم إخراجها من القيمة الكلية البالغة نحو 8.4 مليار دولار يصبح بذلك الفارق بين الصادرات السلعية خلال العامين المنصرمين نحو ملياري دولار... فهل فعلاً تم تحقيق هذا الرقم الكبير والذي يشكل ما يزيد على الضعف؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها الحكومة فعلا وساهمت بهذا الإنجاز؟ أم الأمر لا يتعدى عملية تصحيح لأرقام الصادرات كما ذكرنا في تحقيق سابق عن واقع صادرات الملابس والمنسوجات؟!

ماتزال قائمة في واقع الأمر لم يتم خلال الفترة الماضية اتخاذ أية خطوة تصب مباشرة في دعم التصدير ومعالجة مشكلاته باستثناء قرار إحداث مكتب للتدخل السريع، ومع أهمية ودور الإصلاحات التي جرت في مختلف القطاعات الاقتصادية لاسيما المالية والضريبية وما يتعلق منها بالتجارة الخارجية إلا أن لقطاع التصدير مشكلاته وحاجاته المباشرة التي لم تعالج وتتحقق حتى الآن، فعلى سبيل المثال مشروع إنشاء هيئة لتنشيط وتشجيع التصدير ما يزال رغم قدم طرحه منذ سنوات بين أخذ ورد، ملاحظات وتعديلات، مراسلات... الخ. يعتقد الدكتور شبلي أبو الفخر معاون وزير الاقتصاد السابق والذي تولى ملف التجارة الخارجية لسنوات طويلة أن التصدير عملية مستمرة، ورغم كل الإجراءات التي اتخذت لمعالجة عقبات التصدير لاسيما صدور المرسوم التشريعي المتعلق بإعفاء الصادرات السورية من الضرائب والرسوم كافة، إلا أنه مايزال هناك بعض المعوقات والقيود التي تواجه عمل المصدر السوري، فمثلاً موضوع الملحقين التجاريين لم يقر حتى اليوم إذ أن أي منتج سوري يحتاج لما يساعده على سبر أسواق الدول العربية والأجنبية ويمنحه المعلومات والبيانات التي يحتاجها لبناء خطة تصدير، ونحن في سوريا ومنذ 25 عاماً لا يوجد أي ملحق تجاري في أية سفارة عربية أو أجنبية، والملحقون التجاريون في كل دول العالم لهم دور أساسي في الترويج لصادرات بلدانهم، وخلال فترة عملي رفعنا أكثر من مذكرة وتحدثنا فيها على ضرورة وجود ملحقين تجاريين في سفاراتنا بالخارج حسب الأولوية للمساعدة في الترويج للصادرات السورية، وطرحنا فكرة إقامة مراكز تجارية في بعض الدول العربية. وأضاف أن لا يكفي القول اليوم أننا حررنا الصادرات من مختلف الرسوم والضرائب والقيود، بل هناك إجراءات يجب أن تبادر الدولة والقطاع الخاص لتنفيذها، ولا نبالغ إذا قلنا إن التصدير يجب أن ينظر له كقضية وطنية وليس قضية اقتصادية فقط، فالنفط ثروة قابلة للنضوب، وبالتالي يجب أن نصل لمرحلة لا يؤثر تراجع الصادرات النفطية على قيمة صادراتنا وقيمة الدخل الناجم عنها وخاصة القطع الأجنبي الذي لا يمكن تأمينه دون تطوير التصدير وزيادة أرقامه. ويذكر أبو الفخر بالاتفاقيات الموقعة مع كثير من الدول العربية لجهة اعتماد شهادة هيئة المواصفات والمقاييس على الصادرات السورية وما ينجم عن ذلك من سرعة في إدخال الصادرات إلى الدول المتجهة نحوها، فهذه الاتفاقيات التي وقعت خلال السنوات السابقة تحتاج لتفعيل وتعميم وإبرام المزيد منها... ربما يكون الضعف في جانب التصدير كما في باقي الجوانب الأخرى على مستوى السياسات والاستراتيجيات، الأمر الذي يتركه تأثيراته على المستوى التنفيذي، فحتى الآن لا توجد خطة عامة للتصدير تحدد حجم الصادرات السورية المراد تحقيقها كل عام والأسواق المستهدفة والمفترض تعزيز تواجد الصادرات السورية فيها، وقد يكون هذا الأمر قد تم تلافيه في الخطة الخمسية العاشرة، إنما ذلك جاء متأخراً وبعيداً عن التحديد الدقيق لماهية الأسواق المستهدفة والسلع المراد رفع طاقتها التصديرية وتلك التي يجب أن يعاد النظر بوضعها ومنافذ المنافسة التي تواجه الصادرات السورية تبعا لحركة الأسواق. وكمثال على تأثير غياب السياسات الكلية للتصدير على الجانب التنفيذي أشير إلى أنه وقبل عدة أشهر وأثناء إداراتي إحدى الندوات المتعلقة بالتصدير في غرفة صناعة دمشق كان هناك كلام واضح من الصناعيين والتجار حول المشكلات التي يعانون منها أثناء تصدير منتجاتهم سواء في المرافئ أو على الحدود والتفسيرات الخاطئة التي تطلق والتي تحتاج لعدة أيام حتى يعاد تصحيحها، معتبرين أن ما تحقق من نجاحات في موضوع التصدير كان بفضل الجهود الشخصية التي بذلت من قبل كل تاجر وصناعي وبناء العلاقات ودراسة الأسواق التي قام بها وليس نتيجة جهود الحكومة، والصناعي رياض التاجي أوضح بعضاً من النفقات التي يتكبدها المصدر بقوله (... الجميع يعلم أنه لا يوجد مرفأ في المنطقة أغلى من مرفأ اللاذقية سواء بالرسوم الحقيقة أو بالمصاريف الأخرى غير المنظورة، والأهم من ذلك أنه لا توجد لدينا طائرات للشحن وأحياناً يعتذرون لنا عن عدم إمكانية شحن البضاعة بسبب وجود عدد كبير من الركاب...). من جانبه تطرق الصناعي محمد الشاعر إلى المشكلة التي تتسبب بها بعض القرارات وانعكاس ذلك على التصدير، إذ أوضح أنه (... من الإجراءات التي أراها معرقلة ما هو متعلق مثلاً بزيت الزيتون وهو الذهب الأخضر، إذ صدر قرار من وزارة الاقتصاد يقول إنه لا يستطيع أحد أن يصدر زيت الزيتون إلا إذا كان يملك سجلاً تجارياً خاصاً ينص على أن صاحبه متخصص بتصدير زيت الزيتون وأن يكون رأسماله المصرح 25 مليون ليرة كحد أدنى خوفاً من قيام البعض بالإساءة لسمعة الصادرات السورية... فما هذا التشجيع؟!. وسابقاً كان هناك إشكالات متعلقة ببعض الصادرات وكان هناك توجه لوضع رقابة على الصادرات، فقدمنا دراسة تضمنت تجارب لبعض الدول كاليابان وكوريا وتونس، وقدمناها للجهات المعنية ومن شأنها إبعاد المصدرين العابثين بسمعة المنتج الوطني، والنظام المتتبع في أوروبا يعتمد على الاختبارات الذاتية مقابل إلغاء الرقابة على المنشآت...).

من الدخل! وحتى لا يكون اللوم كله على الحكومة والجهات العامة، دعونا ننظر إلى المشكلات التي يتسبب بها المصدر ذاته، فواقع بيئة الأعمال في سوريا القائم على الفردية غالباً وعلى المخالفة لدى الكثير ترك تأثيرات عميقة على طبيعة الاهتمام بالتصدير كعدم الالتزام بعقود التصدير لجهة التوقيت والمواصفات والمضاربة، فنجاح البعض في دخول أسواق بعض الدول يدفع البعض من منتجي ذات السلع لدخول تلك الأسواق والمضاربة على الصادرات السورية المشابهة، إضافة إلى غياب الرقابة الذاتية على الكميات المصدرة وما ينجم عنه من ظهور مخالفات وعدم تقيد بالمواصفات التي تصل حد مخالفة المواصفات الصحية وهو ما يضفي صعوبة أخرى تتطلب جهداً كبيراً لمعالجتها... وغير ذلك من المشكلات التي يتحمل مسؤوليتها الصناعي والتاجر.

تصحيح أم جهد!؟ نعود إلى قصة الأرقام السابقة في محاولة للإجابة على الأسئلة التي طرحت.. ثمة فرق بين كون الزيادة المسجلة في قيمة الصادرات هي نتيجة تصحيح بيانات وإحصائيات المصدرين والصادرات أم نتيجة زيادة فعلية بقيمة الصادرات حسبت وبالطريقة الاعتيادية التي تحسب بها الصادرات والمستوردات سنوياً!؟ وما يدفعنا إلى هذا التساؤل ما قاله قبل فترة رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية عماد غرايوتي من أن صادرات سوريا من الألبسة والمنسوجات وصل في العام الماضي 2006 إلى نحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي أي ما يقارب 150 مليار ليرة سورية، فيما الإحصائيات الرسمية تقول بأقل من ذلك، وقد عالجت أبيض وأسود هذه النقطة سابقاً في تحقيق مستقل، وكان هناك تأكيد من الصناعيين أنفسهم بصحة ما أعلنه غريواتي، وهذا ما يشير إلى أن قيمة الصادرات التي تعلن رسمياً غير دقيقة ولا تعبر عن الحجم الطبيعي لها، والسبب أن المصدر لا يعلن بيانات صادراته الحقيقية رغبة في التهرب من تعهد إعادة القطع الذي ما يزال يعمل به حتى الآن رغم المطالبات المتكررة بإلغائه لانتفاء مبررات استمراريته، ويضاف إلى ذلك مثال آخر قاله لي في إحدى الجلسات الدكتور إبراهيم العلي مدير المكتب المركزي للإحصاء والذي لم يخف وجود عدم دقة في بعض الإحصائيات نتيجة عدم تعاون بعض المصدرين وإخفاء الأرقام الحقيقية لصادراتهم، حتى أن حديث أحدهم عن رقم معين من الصادرات شكل له مفاجأة حقيقية، كون الأرقام الرسمية حيال صادرات هذا المنتج تكاد لا تذكر بينما كان الصناعي يذكر عشرات الصفقات المعقودة مع تجار عراقيين...!! وخلال اجتماع اللجنة السورية الليبية الفنية التحضيرية كان هناك كلام من رئيس الجانب الليبي عن وجود سلع سورية كثيرة في الأسواق الليبية، إلا أن الأرقام الرسمية لا تعكس حجم تلك السلع والصادرات..!!. وإذا كانت الحكومة والقطاع الخاص متفقين على أهمية تشجيع التصدير وإيجاد القنوات التي تضمن حصول ذلك، بدءاً من الإجراءات الداخلية المتعلقة بتحسين جودة المنتج السوري وخفض تكلفته مروراً بإجراءات التصدير وخدمات المنافذ البرية والبحرية والجوية وصولاً إلى فتح الأسواق الخارجية ودراستها وما يرافق ذلك من خطوات كإنشاء هيئة تشجيع الصادرات، ورغم كل ذلك إلا أن دقة أرقام وقيمة الصادرات تبقى ذات قيمة وضرورة لحساب الكثير من المؤشرات الاقتصادية وبناء خطوات متابعة تطور عملية التصدير، لذلك فالحاجة إلى رقم دقيق وصادق للتصدير هو أمر ملح... ونحن بانتظار البيانات الرسمية لنقارن بين العامين ونحاول الوصول لنتيجة حيال ما أعلنته الحكومة مؤخراً والسلام