واشنطن لا تريـد «رئيساً أميركياً» للبنان ... وبري يرد «ولا رئيساً على خـلاف مع دمشق»

بدا مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ولش، «نجما سياسيا لبنانيا» بامتياز، لليوم الثاني على التوالي، ولم تكن مواقفه في بيروت إلا تعبيرا عن الخطاب الدبلوماسي الأميركي «المتشدد» إزاء إيران وسوريا والمعارضة اللبنانية وخاصة «حزب الله»، في تناغم واضح مع مناخ إعادة ترتيب الأوراق من قبل جميع اللاعبين في الشرق الأوسط في مواجهة أحد احتمالين لا ثالث لهما بين الأميركيين والايرانيين، اما المواجهة أو التسوية، ولو أن «الوجع الأميركي» في العراق أعطى للملف العراقي أولوية صارت ترجح خيار التسوية على ما عداه. وأعطت العناوين السياسية الأساسية التي ناقشها ولش في بيروت مع المسؤولين اللبنانيين، انطباعا بأن الأميركيين يتصرفون انطلاقا من معادلة مفادها أن لبنان صار منصة اقليمية لا يمكن الاستغناء عنها «بالتالي سنرفض، في المستقبل أي تفاوض مع سوريا أو ايران على لبنان ولن نقبل بأي دور سوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة». ولخصت مصادر دبلوماسية لبنانية واسعة الاطلاع زيارة ولش بالآتي: اولا، تأكيد ثبات الموقف الأميركي من لبنان. ثانيا، الدعم الكامل لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة. ثالثا، التأكيد على أهمية ومحورية الاستحقاق الرئاسي. رابعا، محاولة اعادة لملمة الوضع المسيحي وإعطاء دور اساسي للمسيحيين بزعامة البطريركية المارونية في الاستحقاق الرئاسي، خاصة في ظل تخمة المرشحين من فريق مسيحيي الاكثرية وبروز تباينات في نظرتهم ونظرة حلفائهم مسلمي الأكثرية الى الاستحقاق الرئاسي. وجاءت خلاصة الزيارة التي سينهيها، ولش، اليوم، شبه اعلان عن بدء موسم الزيارات الأميركية المفتوحة الى لبنان، بدءا من شهر حزيران المقبل، تحت عنوان «اهمية الاستحقاق الرئاسي»، بوصفه الوجبة الأساسية على الطاولة، بعدما صار محسوما أن مجلس الأمن الدولي سيقر في الأسبوع المقبل المحكمة الدولية وفق الفصل السابع، وهو الأمر الذي أبلغه الدبلوماسي الأميركي، أمس، الى رئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة فؤاد السنيورة. ولا يتعامل الأميركيون مع الاستحقاق الرئاسي بوصفه معزولا عن باقي العناوين اللبنانية، وخاصة ملف القرارين 1701 و,1559 لا سيما في ظل اعادة تأكيد ديفيد ولش أمام المسؤولين الذين التقاهم على موقف بلاده التقليدي بوجوب نزع سلاح «حزب الله»، ملاحظا، في الوقت نفسه، بروز تقدم في المسعى اللبناني المدعوم دوليا بوضع مزارع شبعا تحت الوصاية الدولية. ولعل اللقاء الأبرز، أمس، هو الذي جمع ديفيد ولش برئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، وانطوى على «تنازل شكلي» قدّمه الأخير، بعدم إصراره على حصول اللقاء في الرابية على غرار ما جرى مع آخرين، وبالتالي قبوله مبدأ اللقاء في السفارة الأميركية في عوكر، تحت عنوان «تلبية الدعوة»، مناقضا بذلك تصريحات سابقة له ولعدد من أعضاء كتلته (آخرها يوم أمس الأول) حول الأبعاد السياسية لزيارة ولش. وإذ اكتفت اوساط نيابية في تكتل التغيير بالحديث عن عموميات اللقاء، فإن مصادر لبنانية واسعة الاطلاع، أشارت الى أن ولش كان في معظم الأحيان في موقع السؤال بينما كان ميشال عون في موقع المجيب، وأن الأسئلة تمحورت على مدى ساعة حول الوضع المسيحي ورؤية ميشال عون لعدد من القضايا مثل المحكمة الدولية ورئاسة الجمهورية وسلاح «حزب الله» والعلاقة مع سوريــــا وإيران وكيفية الخروج من المأزق السياسي الراهن في لبنان. وحرصت المصادر نفسها على القول ان الاجواء كانت ايجابية وإن عون قدم رؤيته لكيفية بناء الدولة القوية القادرة العادلة التي تشكل ضمانة لجميع اللبنانيين بمن فيهم «حزب الله» الذي كان قد أعلن أكثر من مرة بلسان أمينه العام السيد حسن نصر الله أن الحزب مستعد لمناقشة قضية سلاحه بعد تحرير مزارع شبعا والأسرى في اطار توجه لبناء هذه الدولة القادرة على حماية حدود لبنان وسيادته في وجه أي أطماع خارجية. وأشارت المصادر الى أن عون رفض اعطاء أية التزامات مسبقة في العناوين التي أثيرت، لكنه شدد على وجوب أن لا يكون الموقــــف الأميـركي منحازا لمصلحة فريق لبناني ضد فريق آخر. أما اللقاء بين ولش ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فقد جاء استكمالا لآخر مناقشة جرت بينهما في الحادي عشر من آب الماضي، عندما جاء ولش لإطلاعه على الصياغة الأخيرة للقرار الدولي الرقم ,1701 وذكّر بري ولش بما حصل من نقاش يوم صدور القرار، وبما أبلغه اليه بأن وقف اطلاق النار قد يستمر سنة، وكان جواب المسؤول الاميركي يومها انه قد يكون لسبعة ايام. ووافق ولش بري «قائلا «نعم أنت كنت على حق»، وهنا قال رئيس المجلس اننا نريد ونصرّ الآن على وقف اطلاق النار. وشرح بري لولش موقفه من موضوع المحكمة الدولية وما قام به من مساع ومبادرات من اجل انشائها في اطار المؤســسات الدستورية اللبنانية وبإجماع وطني، مشيراً الى ان كل هذه المبادرات رفضت من قبل فريق الغالبية النيابية. أضاف «قلت وما زلت اقول ان المشكلة ليست في المحكمة بل في حكومة الوحدة الوطنية». وفي موضوع الاستحقاق الرئاسي، شدد ولش على أهمية هذا الاستحقاق وضرورة الحرص على اجرائه في موعده الدستوري، وهنا ردّ بري «أنت لست أحرص مني، فأنا قد حددت موعدا لجلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية عند الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الخامس والعشرين من أيلول المقبل». وبعد ذلك خاض الجانبان في الشق الدستوري، حيث حذّر الدبلوماسي الأميركي من وجود توجه سوري لتعطيل الانتخابات الرئاسية وبالتالي فإن المعارضة ستعمل لتطيير النصاب، ورد بري «اذا كنتم حريصين على الاستحقاق وأهميته وموعده اضغطوا على جماعتكم من أجل البحث عن مرشح توافقي»، وحذر ولش من الإتيان برئيس يخضع لوصاية خارجية قائلا «نحن لا نريد رئيسا مواليا لأميركا»، وقاطعه بري بالقول «ونحن لا نريد رئيسا على خلاف مع سوريا». وأوضح بري ان الدستور والعرف ومصلحة لبنان تقضي بعملية التوافق انطلاقا من ان نصاب الثلثين هو القاعدة لأي جلسة لانتخاب الرئيس. وفي اللقاء بين ولش ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة، أكد الدبلوماسي الأميركي ثبات موقف بلاده من لبنان ودعمها القوي لحكومة الرئيس السنيورة، وشدد على أهمية الاستحقاق الرئاسي، وأبلغه أن المحكمة ستقر في الأسبوع المقبل في مجلس الأمن، وأن لا عـــودة بلبنان الى الوراء ولا تفاوض مع سوريا أو إيران على لبنان. وأثناء اجتماع ولش بالسنيورة، تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس معه بعد انتهاء محادثاتها الرسمية في موسكو، وأبلغته أنها تأمل بإقرار المحكمة في مجلس الأمن في الاسبوع المقبل. وتطرق رئيس الحكومة وولش للوضع في الجنوب حيث طرح الأول أهمية تنفيذ كل بنود القرار 1701 ولا سيما استعادة مزارع شبعا للسيادة اللبنانية وضرورة وقف الخروقات الاسرائيلية وتحرير الاسرى اللبنانيين، ورد ولش مجددا التأكيد على موقف بلاده التقليدي خاصة بوجوب نزع سلاح «حزب الله» وبسط سلطة الدولة اللبنانية على جميع اراضيها، مشيرا الى بروز تقدم في الاتصالات المتعلقة بموضوع مزارع شبعا. وتطرق البحث بين السنيورة وولش للأزمة السياسية وسبل الخروج منها. وشدد ولش في مؤتمر صحافي عقده في السرايا الكبيرة على اجراء الانتخابات في الوقت المحدد وأنه «يجب ان لا يتم تطبيق اي تدابير استثنائية، ومن اجل هذا المنصب هناك دستور، وعلى اعضاء مجلس النواب القيام بواجبهم. أما بالنسبة الى نظرة الولايات المتحدة للامر فليس لدي اي رأي لأنها مسألة تتعلق بأعضاء مجلس النواب ونأمل ان يقوموا بذلك في الوقت المحدد وفق الاصول الدستورية، وسيكون ذلك امرا ايجابيا جدا للبنان، وأعتقد ان هنالك توقعا من كل الشعب اللبناني ان الرئاسة يجب ان يصل اليها شخص لديه رؤية كاملة للوضع وأفكار إيجابية عن التغيير في هذا البلد وأن لا يكون شخص له ارتباطات خارجية كما لا تتوقع الولايات المتحدة ان يكون الرئيس ايجابيا فقط معها، هذه ليست المسألة، بل ان يكون لا يستجيب لأي امر خارجي. اما في خصوص النصاب فهنالك قواعد وواجبات ونتوقع ان يكون هنالك احترام لها». وشملت لقاءات ولش قائد الجيش العماد ميشال سليمان في مكتبه في اليرزة والرئيس أمين الجميل في دارته في سن الفيل (بحضور مستشار رئيس الحكومة السفير محمد شطح) وقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع في مقر السفارة الأميركية في عوكر، قبل أن يتوجه مساء أمس، الى قريطم ليجتمع في ختام زيارته بالنائب سعد الحريري للمرة الثانية خلال يومين، بحضور عدد من قيادات الرابع عشر من آذار. وجاءت لقاءات ولش مع عون والجميل وجعجع استكمالا للقاءاته مع البطريرك الماروني نصر الله صفير في بكركي والأعضاء المسيحيين في قوى الرابع عشر من آذار، في عوكر أمس الأول، حيث كان قد بادر قبل انتهاء اللقاء مع مسيحيي الأكثرية الى مباغتتهم بالسؤال الآتي: «لماذا لم تسألوني عن المفاوضات الاميركية السورية واللقاء الذي تم بين وزيرة الخارجية كوندليسا رايس ونظيرها السوري وليد المعلم في شرم الشيخ، يهمني أن أوضح لكم أننا لم نأت على ذكر موضوع لبنان في هذا اللقاء. وأنني أؤكد لكم ان لا نية للولايات المتحدة في تغيير التزاماتها تجاه لبنان وهي تدعم الديموقراطية فيه ونحن نأمل ان تواصلوا هذه السياسة فلا يكون لبنان تابعا للخارج بل يحافظ على استقلاله وحرية قراره». وتابع أن واشنطن تأمل «الا يكون لسوريا أي دور في انتخابات رئاسة الجمهورية لا مباشرة ولا من خلال حلفائها اللبنانيين». هدنة المئة يوم الى ذلك تنظم الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام واتحاد نقابات المهن الحرة لقاء موسعا اليوم في قصر الاونيسكو تحت عنوان «معا من أجل هدنة المئة يوم» بهدف دعوة الاطراف السياسية للعودة الى الحوار والتفاهم، وتكريس هدنة تبدأ في الاول من حزيران حتى 10 ايلول المقبل، يتم خلالها تخفيف التشنج السياسي الحاصل لمساعدة القطاعات الاقتصادية على النهوض مجددا، وإنجاح موسم السياحة والاصطياف المقبل.

مصادر
السفير (لبنان)