يمكن اعتبار مقالنا هذا تأكيداً على ما طرحناه في المقال السابق لنا والذي عنوناه بـ"نحن والآخرون بين ثقافة الأنا والمؤسسة" حيث أكدنا في المقال المذكور؛ على أن الخلافات الحزبية ضمن صفوف الحركة الوطنية الكوردية في سوريا وبالتالي الانشقاقات التي حصلت – والتي ما زالت مستمرة إلى هذه الساعة؛ حيث البلاغات والبيانات التي تنشر في هذه الأيام وعلى صفحات المواقع الكوردية تؤكد ما ندعيه – مردها وأسبابها هي مسائل وقضايا تنظيمية – قيادية وليست هي خلافات فكرية – أيديولوجية حول برامج وأجندة سياسية لقوى وكتل تتصارع وتتعارك ضمن هذا المشهد والحراك السياسي الكوردي في هذه الجغرافية أو تلك من الجغرافية الكوردية في هذه الساحة. وهكذا يمكن القول والادعاء بأننا ما زلنا في عصر الفكر القبلي – العائلي ومن هو الشخص الذي يملك من القوى والإمكانيات التي ترشحه لأن يكون "الزعيم" المطلق على قبيلته و"رعاعه" ليقودهم إلى بر الأمان والخلاص. ولكن وللأمانة نقول بأن المرشح ذاك – وفي أكثر الأحيان – يكون أضعف الموجودين في حلقة المنافسة والمبارزة؛ حيث يتم التوافق عليه بين مجموعة الرجال الأشداء في القبيلة أو ما يمكن تسميتهم في أيامنا هذه بـ"مراكز القرار" السياسي والحزبي أو الأمني المخابراتي.

ولتأكيد هذه القضية؛ يمكن العودة إلى ملفات وتاريخ الحركة الوطنية الكوردية في سوريا. بل يمكن العودة إلى تاريخ الصراعات والخلافات بين الملوك والزعامات، التي برزت ونافست وما زالت، للاستيلاء على قيادات بلدان الشرق الأوسط عموماً؛ حيث أن التاريخ – الغابر والحديث – يؤكد على هذه المسألة وبأن الأخ استولى على عرش أخيه وأطاح به، بل وسمل عينيه وكحلهما بـ"الحديد المحمى" كما دونتها كتب التاريخ العباسي الصفراء، أو كما استولى الابن على عرش أبيه ومنعه من العودة إلى الديار والعيال وذلك في العصر الحديث كما دونته تاريخ الدولة والإمارات في بعض بلدان الخليج العربي. وبالتالي فإن ثقافة الإقصاء هي متجذرة في عقولنا وذلك بعد أن حصناها (من الحصن)؛ (أي العقل الشرقي الإقصائي الاستبدادي) بأفكار ومفاهيم الحق والحقيقة المطلقة وامتلاكها من قبل طائفة وحزب وفئة بحد ذاته وما الفئة والحزب والطائفة الأخرى إلى أنها الخارجة و"الباغية" ومصيرها الويل واللعن والطرد إلى "وادي هنوم" والجحيم. وهكذا وضمن هذه الآلية والميكانيزمية الستاتيكية للعقل الاستبدادي الإقصائي في الشرق، لا يمكن التأسيس للحالة المؤسساتية البعيدة عن مفهوم الفردانية وهيمنة (الزعيم والقائد) الأوحد الذي لا يأتيه الموت ولا النوم دون الخطأ والباطل والذي يحكم باسم الحق الإلهي أو الأيديولوجي الحزبي الأمني.

ولكن ونحن العباد والمحسوبين ضمن "الرعاع" أو الشعوب – حسب المفهوم العصري للرعية – ألا يحق لنا ولو من باب الفضول والاستفسار أن نتساءل ونستفسر من هؤلاء "السادة والزعماء"؛ ما هو مفهومهم لمسألة "القيادة" وكيف ينظرون إليها وكيف هم بـ"قادرون" على الفعل والحركة من خلال ذاك الموقع وتفعيله في الآن ذاته، بل كيف سوف يعملون على التأكيد بأنهم (هم) بالفعل رجالات المرحلة وبأن لهم القدرة والإمكانية لتحمل كافة الأعباء والمستحقات التي تفرض عليهم هكذا موقع قيادي، وبالتالي القيام بالواجبات والمهمات التي تتطلبها مرحلة ما وضمن ميثاق وبرنامج عمل سياسي يلبي حاجة وطموحات الجماهير الشعبية التي تسير خلف هذه أو تلك "القيادة الملهمة والتاريخية"، وهكذا يحق لنا أن نحاسب هذه "القيادات التاريخية" حينما تكون مقصرة في أدائها للواجبات والمهمات الملقات على عاتقها – إن كانت هناك مهمات وبرامج سياسية حقيقية تمتلكها هذه الكتل الحزبية القبلية – ولكن ومن خلال هذا الركض و"السعار" باتجاه القيادة وأن يكون (هو) – مهما كان هذا الـ(هو) – الرجل الأوحد والقائد الملهم والزعيم المطلق وفي مناخ سياسي عام موبوء بالعنف والاستبداد الممنهج وأيضاً وضمن السياق المعرفي السابق والمبنى على الاستبداد والإقصاء وأنت (أي الحركة الوطنية الكوردية بمجمل أحزابها وكتلها السياسية) تمثل الآخر والذي يهدد بـ"اقتطاع جزء من الوطن وإلحاقه بدولة أجنبية" وبالتالي فأنت متهم بـ"الخيانة العظمى" والذي (يستحق) على أساسه حكماً قضائياً بالإعدام وليس النفي أو الاعتقال لشهرين أو سنتين أو سنين ومن ثم العفو والإفراج عنه.

نعم.. عندما نرى وضمن هذه الأجواء والمناخات بأن (الكل) يركض باتجاه القيادة والزعامة، أفلا يحق لنا أن نتساءل: هل هؤلاء يملكون من الشجاعة والإقدام بأن الواحد منهم سوف يضحي بالغالي والنفيس من أجل المبادئ والقضايا التي يؤمن بها ويعمل على تحقيقها وبالتالي فهو لا يبالي بأي عقوبة ومصير سوف ينزل به، بل إنه لا يفكر بحياته ذاته وهو مستعدٌ لأن يضحي بها في سبيل تحقيق أماني شعبه وبني جلدته وبالتالي فهو رمز القائد الحقيقي للمرحلة التاريخية وعلى هؤلاء "الرعاع" أن يتقبلوه ويعملوا وفق "آياته"؛ برنامجه السياسي المطروح بقوة وشفافية في الشارع السياسي الكوردي وهكذا أن يعملوا تحت رايته ومن دون منافسة على الزعامة والقيادة. أم إن العكس هو الصحيح والأدق؛ بحيث يمكن القول والادعاء بأن هذه الأحزاب والكتل السياسية في الحركة الوطنية الكوردية لا تملك من البرامج السياسية الحقيقية والتي تنسجم مع واقع الشعب الكوردي في هذا الإقليم الكوردستاني من الجغرافية الكوردية، بحيث تدفع السلطات إلى الضغط على القيادات (أي قيادات تلك الأحزاب) – كما قامت بها أيام البرنامج السياسي للبارتي الكردستاني والذي كان يدعو إلى "تحرير وتوحيد كوردستان" – وبالتالي تكون أمام قيادات هذه الأحزاب إما التراجع كما فعلت سابقاً – وما فعلته وتفعله لاحقاً – أو الصمود على الموقف وليكن ما يكون؛ الاعتقال والمصير، بل حتى الإعدام والموت.

أم إن هذه الأحزاب وقياداتها لربما هي متفقة مع السلطات الأمنية والسياسية في البلد؛ على إن طرحها النظري السياسي حول القضية الكوردية في سوريا ومن خلال "برامجها ومناهجها السياسية" شيء والعمل الحقيقي والفاعل شيءٌ آخر؛ أي بما معناه "لا تصدقوا كل ما يقال" وما طرحنا (أي طرح أحزاب الحركة الوطنية الكوردية إجمالاً) من برامج ومناهج سياسية والتي تطالب من خلاله تحقيق الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي ما هي إلا للتسويق الجماهيري الشعبي ولزيادة عدد أفراد القبيلة – الحزب على حساب مريدي القبائل والأحزاب الأخرى والتي تنافسها، بل تصارعها أكثر مما "تصارع" على الجبهة الأخرى؛ أي جبهة السلطة والأحزاب التي تواليها.. وهكذا يمكن القول أن كل الفعل السياسي الكوردي في سوريا يندرج تحت يافطة العبث ولا نريد أن نقول "البعث"، نقول ربما ولا نؤكد على هذه المسائل بكل حيثياتها. هذه هي السياقات التي يمكن لنا أن نفهم من خلالها ركض هؤلاء باتجاه مسألة القيادة ومن دون أن يكون لديهم أي تخوف أو نوع من القلق والتردد حيال تقلدهم لهذه المناصب الحزبية؛ بحيث أن أحدهم سوف يحمل رتبة الجنرال، عفواً "عضو اللجنة المركزية أو المكتب السياسي وحتى السكرتير والأمين العام" وهو غير عابئ مما قد يجلب له هذه "المنصب القيادي" من أعباء ومهمات كبيرة وبالتالي مسؤوليات جمة وخطيرة تجاه قضية شعب يناضل ويكافح في سبيل تحقيق هويته القومية ونيل حقوقه المشروعة.

ولكن وإن عدنا إلى الواقع وحللنا الأمور بدرايةٍ أكثر وبنظرة أكثر موضوعية وتحليلية؛ فإننا سوف نجد بأن أكثر القياديين في الحركة الوطنية الكوردية يرون في هذه "المناصب الحزبية" نوع من الامتياز والسلطة وإرضاء الأنا المتضخمة أكثر مما هي مسؤوليات وواجبات تجاه قضية شعبهم وأمتهم، وبالتالي فإننا نستطيع القول بأن كل مما ذكرناه في سياق الحديث عن مفهوم "القيادة" بين مسألتي السلطة والمسؤولية يمكن اعتباره حقيقة وواقعاً ملموساً وبالتالي لا يمكن أن نجعل من هذه "المناصب والمراتب الحزبية" منابر عمل نضالية حقيقية إلا من خلال طرحنا؛ أي تلك الأحزاب (أحزاب الحركة الوطنية الكوردية في سوريا) لبرامج ومناهج سياسية فاعلة ومنسجمة مع واقع وطموح الشعب الكوردي من جهة ومن الجهة الأخرى أن تتلاءم والمرحلة التاريخية للعصر الحديث وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومسألة الفكر المؤسساتي وبالتالي امتلاك نظام داخلي وأسلوب وسلوك حزبي نضالي منسجم مع تلك المفاهيم والمسائل؛ بحيث يكون "الرفيق أو الأخ القيادي" هو الأكثر مسؤوليةً وليس الأكثر وجاهةً وحباً للظهور بمعنييها (من الظهور والاستظهار ومن الظهر؛ أي الركوب على ظهور الرفاق والأخوة) وهكذا نقطع الطريق لكل من يسول له نفسه أن يجعل من أعضاء ورفاق الحزب والنهج السياسي (الواحد) نوع من "القطيع السياسي" يقودهم أينما ومتى يشاء وبالتالي يجعل من نفسه (زعيماً) سياسياً جديداً.