لاشيء من صدفة يجمع ما بين أربعٍ توزعت بين المناسبة والحدث والتحرك... إنها الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة العربية في فلسطين، وملتقى نوبليو البتراء الأردنية أو مظاهرتهم التطبيعية الدورية منذ ثلاثة أعوام، ومحاولة إعادة تعويم ما تعرف بالمبادرة العربية، تلك التي سبق وأن وأدها شارون ساعة ولادتها المعروفة في قمة بيروت...

تعويمها عبر تشكيل المؤتمرين في آخر قمة عربية في الرياض لوفدٍ وزاري مهمته المعلنة ترويجها إن أمكن لدى الإسرائيليين... وهاتين الاثنتين، كانتا بالتوازي مع دموية صراع ديكة السلطة البلا سلطة في قفصها الأوسلوي وتحت الاحتلال، هذا الذي تشهد بشاعة مشاهده راهنا غزة المكلومة. ثم رابعتهما، أو ما يمكن مقاربته باعتباره الوجه الآخر لفضيحة ما تشهده شوارع هذه المدينة المستباحة، أي تنفيذ ما يعرف بخطة دايتون، أو ما تفتقت عنه الذهنية الأمنية للجنرال الأمريكي الموصوف بأنه المنسق الأمني بين الاحتلال الإسرائيلي و السلطة البلا سلطة... هذه السلطة مدار الصراع التناحري بين طرفيها في هذه الأيام السوداء من عمر النضال الوطني الفلسطيني المديد.

الجامع بين هاته وتلك مما سردنا لايتعدى أمراً واحداً فحسب، هو أن ما تم البدء في ترويجها وبعث أوهامها، ووصفها بالمسيرة التسووية، و الإصرار على إلباسها قسراً لبوس السلام الذي تفننوا في توصيفاته، لم تعد تأبه أطرافها بأن تخفي ما كان يضمر حين تقرر بعثها باعتبارها أولاً وأخيراً مسيرة تصفية لقضية قضايا الأمة العربية في فلسطين...

في البتراء، ودونما أدنى مراعاة منه ومن الحضور لحرمة الأنباط المنتهكة، و دونما التفات لتململهم للمرة الثالثة في قبورهم، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، دون أن يمسح دماء آخر ضحايا الاحتلال في غزة والضفة المحتلين عن يديه الملطختين، ليبشر مستمعيه: "إننا نشفى من الإخفاقات"... في إشارة إلى تداعيات تقرير ما تعرف بلجنة "فينوغراد" حول فشل الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان، وبالتالي ليردف: "أنا أدعو 22 رئيس دولة عربية إلى القدوم للتباحث. وسوف أكون مسروراً للقائهم والاستماع لآرائهم. وأنا على استعداد للذهاب للقاء مع رؤساء الدول العربية المعتدلة في أي مكان يريدون. إننا نقول نعم لكل مبادرة جدية للتباحث أو من دون شرط"...! أولمرت ، هنا، يدعو بصفاقة للتطبيع فحسب، ومن يدعوهم للتطبيع معه هم أصحاب المبادرة المراد ترويجها لديه، تلك التي لم يقبلها، وكان قد وأدها، كما قلنا، سلفه في مهدها... إنه فحسب يريد الاستماع لآراء أصحابها، ويصنفهم سلفاً معتدلين، هو على استعداد لتجشم عناء الذهاب إليهم إن لم يأتوا إليه. أما غير المعتدلين فلا بأس إن جاؤوا هم والمعتدلون جماعة إليه!

هو يريدها حفلة تباحث تطبيعية أو تنازلية دون شروط، لأنه بكل بساطة لا يكتم رؤيته للمبادرة أصلاً والتي تقول: إننا "نرى في المبادرة العربية مبادرة مثيرة جداً للاهتمام"، لكن، " نحن لا نتوقع منهم أن يقبلوا كل ما نقول، ولا ينبغي لهم أن يتوقعوا أن نقبل كل ما نسمع، ولكن ينبغي أن نلتقي"... نلتقي، بمعنى، ينبغي أن يكون التطبيع سلفاً، وليس كنتيجة لتسوية مبتغاة كما تدعوا أو يدعوا أصحاب المبادرة... باختصار المروّجون للمبادرة والمروّجة لديهم، كلاهما كطرفين يطرحانها ضمناً للتفاوض، وليس للقبول أو الرفض، باعتبار أن هذا الأمر قد حسم منذ أن وأدها شارون عشية مولدها... ألا يصفها الإسرائيليون ب"المسرحية الوحيدة في المدينة"؟!

ولعل الأهم عندهم هو ما كان قد استرعى انتباه العجوز الداهية شمعون بيرز في مثل هذه المسرحية الوحيدة، وهو ما ينعته بأنه "موسيقى لم نسمعها طوال المائة سنة الأخيرة"!!! بيرز يرهن جدية الاستماع الإسرائيلي للمعزوفة العربية أو احتمال مبادلتها بمعزوفة إسرائيلية ما بما يلي: "شرط الاعتراف بإسرائيل، ووقف الإرهاب، وتغيير الحكم الفلسطيني من أساسه"... بمعنى التسليم أولاً بالمفهوم الإسرائيلي للسلام المتمثل في القبول غير المشروط بما تم فرضه من وقائع احتلالية وتهويدية طيلة العقود الستة الماضية، ووقف مقاومة الشعب الفلسطيني لها، ثم تغيير الحكم الفلسطيني من أساسه، بمعنى تصفية حماس السلطة بعد تصفيتها كمقاومة وسائر المقاومين في الساحة الفلسطينية... وعندها "وإذا حدث ذلك، يمكن تحقيق السلام (الاسرائيلي) خلال 24 ساعة"... أي أنه عملياً سوف تتحقق التصفية المبتغاة!!!