ليس غريباً عن سياق التطورات الدبلوماسية والسياسية في المنطقة، ما قاله رئيس الموساد الإسرائيلي مائير داغان لموظفي وزارة «الدفاع» الإسرائيلية من أن المعلومات التي في حوزته تشير إلى أن المفاوضات مع سورية اليوم ستبدو في نظر زعماء الدول المعتدلة أشبه «بالطعن بالظهر».

هذا الكلام الذي نقلته صحيفة «هآرتس» جاء في سياق تقرير أعدته صحيفة النخبة الإسرائيلية عمّا سمته عودة الحوار الأميركي- السوري وورقة العمل التي أعدتها وزارة الخارجية الإسرائيلية حول معاودة المفاوضات السياسية مع سورية، وخاصة أن هناك فريقاً واسعاً من السياسيين والاستراتيجيين الإسرائيليين يرى ضرورة إحياء المفاوضات السلمية مع سورية لأن في ذلك مصلحة إستراتيجية، بالنظر للدور الإقليمي السوري الفاعل وتأثير سورية في مختلف الملفات الإقليمية، ناهيك عن الفاتورة الباهظة التي يتوقعها الإسرائيليون في حال نشوب حرب إسرائيلية- سورية.

وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية قد أعدت مؤخراً دراسة حول إعادة المفاوضات على المسار السوري، مفادها أن من لا يرد التعامل بجدية مع إشارات الرئيس بشار الأسد إلى السلام فعليه أن يتعامل بجدية مع تهديداته بالحرب، وفي رأيها هناك خياران: الأول مفاوضات سلام مع سورية من دون شروط مسبقة، والثاني: الاستعداد لضربة استباقية، وهناك احتمال ثالث هو استمرار الستاتيكو في مرتفعات الجولان، ولكن يبدو أنه احتمال ضعيف للغاية.

ودون شك، فإن موضوع إعادة المفاوضات السلمية مع سورية كان قد تعرض لضغوط شديدة من قبل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الذي أراد استخدام هذه الورقة في سياق مشروعه الشرق أوسطي وليتسنى له من خلال هذه الورقة الضغط على سورية التي طالما اعتبرها عقبة كأداء في وجه خططه الرامية إلى إخضاع المنطقة وترتيبها حسب رغباته، إلا أن هذه المعارضة بدأت تضعفها التطورات الدراماتيكية المتسارعة سواء في الساحة العراقية، أو في الداخل الأميركي بعد الصعود المدوي للديمقراطيين في السياسة الأميركية ونقدهم الشديد للسياسة الخارجية باعتبارها سياسة لم يكن لها أية نتائج إيجابية سواء على الصعد الأمنية أو الاقتصادية الأميركية، ولا حتى بالنسبة للإستراتيجية الأميركية الكبرى التي يطرحها بوش كأساس لتحقيق المصالح القومية الأميركية.

كما أن موضوع المفاوضات السلمية مع سورية قد شهد تجاذبات حادة داخل الطبقة السياسية الإسرائيلية، إلا أن القوى والجهات الداعية لإعادة هذه المفاوضات كانت صاحبة الحجج الأقوى، والصوت الأعلى، حيث اعتبرت أن السير وراء بوش لن ينفع إسرائيل كثيراً، ذلك أن وضع إسرائيل ومتغيرات القوى على الطرف الآخر، وخاصة بعد الهزيمة القاسية للقوة الإسرائيلية أمام حزب الله، لم يعد ذلك يمنح إسرائيل ترف انتظار تجارب بوش في المنطقة، عدا ذلك فإن إسرائيل موجودة في المنطقة وتعنيها بدرجة كبيرة المتغيرات التي قد تحدث بها، في حين أن أميركا جسم غريب وتستطيع في لحظة أن تسحب يديها دون أن يكون لذلك تأثير كبير على الداخل الأميركي، وفوق هذا وذاك فإن إسرائيل ليست على استعداد للمغامرة بدخول حرب كارثية مع سورية، وخاصة في ظل التطورات الكبيرة الحاصلة في الجيش السوري، سواء على صعيد تدريباته وتجهيزاته اللوجستية، أو حتى على صعيد التغيير الحاصل في عقيدة هذا الجيش، الذي حسب ما تؤكده التقارير العسكرية الإسرائيلية، فإنه يتحول إلى جيش حديث قادر على التعامل مع جميع الظروف.

إذاً أين تكمن المشكلة ما دامت الحجج الأميركية أصبحت واهية وغير حقيقية حتى للأميركيين أنفسهم، ومادامت إسرائيل غير متشجعة كثيراً لثمن رفضها إعادة المفاوضات مع سورية؟ في الواقع، وحسب معلومات وتقارير دولية، ثمة تحريض تمارسه بعض الأطراف العربية ضد سورية، دعنا من اللغة الدبلوماسية ومنطقها الذي طالما تضطر السلطات السورية إلى استخدامه لاعتبارات متعددة، كرغبتها في المحافظة على الصف العربي، وعدم رغبتها في إحراج بعض القيادات العربية، إلا أن الحقيقة المؤسفة، تثبت وجود هذا التحريض وبشكل واضح وجلي.

وقد تجلى بوضوح انزعاج بعض العرب من محاولات بعض الأطراف الأميركيين إشراك سورية في الترتيبات الجارية في المنطقة، وخاصة بعد صدور تقرير بيكر- هاملتون. وكذلك زيارات بعض المسؤولين الأميركيين إلى دمشق، أما خلفية هذا الإزعاج فترجع إلى سببين رئيسين حسب معظم المراقبين.

1- صراع الأدوار الذي تشهده المنطقة، حيث يعتقد بعض الأطراف العربية، أن المناخ السياسي في المنطقة مناسب لإعادة ترتيب الأدوار وخاصة في ظل الضغوط الممارسة على سورية، كما ترى هذه الأطراف أن مساحة الدور السوري الكبيرة، من الممكن تقاسمها بين أكثر من طرف عربي، وبالتالي إخراج الدور السوري نهائياً وتقزيمه في المنطقة، وتتعاطي هذه الأطراف مع هذه المسألة، وفق قاعدة المعادلة الصفرية، بمعنى أن أي مكسب سياسي أو اقتصادي تحصل عليه سورية هو خسارة لهذه الأطراف، والعكس صحيح.

2- اعتقاد هذه الأطراف، بأن الانفتاح الأميركي على سورية، وإعادة المفاوضات بينها وبين إسرائيل، وما سيترتب عن ذلك من إعادة للحقوق الوطنية السورية في الجولان، سيمثل ضربة لسياسات هذه الأطراف وبشكل جلي، وقد يؤثر في استقرارها الداخلي، من منطلق أن نهج الممانعة الذي اتبعته سورية، سيظهر وكأنه النهج الصحيح، وأن التنازلات التي قدمتها تلك الأطراف كانت خطأ تاريخياً، أو ضعفاً في مدركات قيادات هذه الأطراف ورؤاها السياسية.

وانطلاقاً من هذه الوقائع فإن بعض الأطراف العربية تحاول إقناع إسرائيل بعدم الإقدام على التفاوض مع سورية وتقديم أية تنازلات لها، كما تحاول إقناع إسرائيل بالتريث قليلاً، لأنها بصدد تنفيذ ضغوطات معينة تجعل من سورية بلداً ضعيفاً، بحيث لا تحتاج إسرائيل إلى تقديم الكثير من التنازلات لها، كما تحاول هذه القيادات الضغط على الإدارة الأميركية عبر إقناع الرأي العام الأميركي، ومؤسسات صنع القرار، إن الأولوية يجب أن تكون بالدرجة الأولى للمسار الفلسطيني، وحتى على هذا المسار، تعد هذه الأطراف بخدمات مهمة كتهميش حماس وإضعافها، وتطويع فتح وقيادتها، وهكذا..

إلى أي مدى قد تنجح هذه الأطراف في مساعيها تلك؟؟ إن سورية لا تستهين بهذه المحاولات والمساعي، وخاصة في ظل وجود قيادة إسرائيلية ضعيفة، وإدارة أميركية حاقدة ومتطرفة، وقيادات عربية أعماها حقدها وقصر نظرها، عن حقيقة أن الجولان هي أرض عربية احتلتها إسرائيل في ظل الصراع العربي- الصهيوني، وفي ظل دفاع سورية عن فلسطين، ولم تقدمها سورية منحة، كما إن سورية بثباتها ومواقفها القومية هي خط الدفاع الأول عن الأمة العربية، والذي إن سقط «لا سمح الله» فلن يبقى أمام أعداء هذه الأمة أية خطوط حمراء في وجههم.