في أول محادثات علنية مباشرة من نوعها منذ عام 1980، من المرتقب أن يلتقي وفدان أميركي وإيراني في 28 من شهر مايو الجاري في بغداد، بهدف مناقشة الوضع الأمني في العراق. ويشير هذا التطور المهم، إلى تحولات كبيرة في سياسات كل من الدولتين إزاء الأخرى.

وفي هذه الخطوة ما يكاد يصل حد اعتراف كل منهما بحاجتها إلى الأخرى. غير أن الطريق إلى المصالحة والتطبيع الكامل للعلاقات لا يزال طويلاً وشائكاً للغاية. إلا أن ما أفسد أجواء هذه المحادثات، اعتقال السلطات الإيرانية للأكاديمية الأميركية البارزة، "هالة إسفاندياري"، رئيسة برنامج الشرق الأوسط بمركز "وودرو ويلسون" العالمي للعلماء والباحثين، وهو إحدى مؤسسات البحث العلمي غير الحزبية النادرة في واشنطن.

يذكر أن "إسفاندياري" لا تزال أسيرة قضبان سجن "إيفن" في العاصمة الإيرانية طهران. ووجه المفارقة في هذا، أن الدكتورة "إسفاندياري"، التي عاشت في الولايات المتحدة الأميركية طوال الستة والعشرين عاماً الماضية، ظلت من أشد الدعاة المتحمسين للحوار الأميركي- الإيراني، وقد عادت إلى بلادها لزيارة والدتها المريضة البالغة من العمر 93 عاماً.

وفي أثناء طريقها إلى المطار في شهر ديسمبر الماضي، تم إيقافها بواسطة ملثمين، وتم وضعها تحت الإقامة الجبرية وأجريت معها تحقيقات من قبل مسؤولي الأمن، لينتهي بها الأمر إلى السجن في الثاني من مايو الجاري، تحت تهم تتعلق بتهديدها للأمن القومي.

وربما كانت "إسفاندياري" ضحية لصراعات داخلية إيرانية بين المعتدلين وخصومهم المتشددين. وقد ألحق اعتقالها هذا أذى بالغاً بسمعة إيران في الغرب، وهو أمر لا يروق لطهران، في وقت صادف فيه شنها حملة دعائية مناوئة للولايات المتحدة الأميركية.

يذكر أن هذين الطرفين على خلاف حول جملة من القضايا الممتدة من الوضع العراقي، إلى طموحات طهران النووية. أما الولايات المتحدة فهي في أمسّ ما تكون الحاجة لتحقيق الاستقرار في العراق، كما أنها تبدي قلقاً متعاظماً إزاء خفض عدد القتلى اليوميين من جنودها هناك، إلى جانب حرصها على وقف النزيف المالي، خاصة بعد أن بلغ هذا النزيف ما يقدر بنحو 9 مليارات دولار شهرياً.

ثم إن واشنطن حريصة كل الحرص على إقناع الرأي العام الأميركي بالنجاح الذي تحققه سياسات الرئيس جورج بوش. وفوق ذلك كله، تبدي واشنطن حرصاً ملحوظاً على إنقاذ العراق من كارثة الحرب والاحتلال، وأن تخرج به إلى بر الأمان، باعتباره دولة تحتل المركز الثاني أو الثالث عالمياً، من حيث حجم احتياطيات النفط.

أما المصالح والاهتمامات الإيرانية، فهي جد مختلفة. فهي حريصة كل الحرص على تأمين اعتراف دولي بما تعتبره حق الشيعة في العراق، في سيادة المشهد السياسي هناك، باعتبارهم الأغلبية السكانية التي لا منازع لها. ويجدر بالذكر هنا أن هذه هي المرة الأولى التي يسيطر فيها الشيعة على مقاليد الأمر السياسي هناك، منذ أن أنشأت بريطانيا دولة العراق المعاصرة تحت مظلة الحكم السُّني خلال العامين 1920-1921.

ومن ناحيتها تتهم طهران الولايات المتحدة الأميركية بمحاولة إعادة البعثيين مجدداً إلى سيادة المشهد السياسي، مع العلم بأن هؤلاء هم الذين خاض نظامهم المندحر ضدها حرباً ماراثونية سابقة، دامت لثماني سنوات خلال الفترة الممتدة بين 1980-1988، وقدر فيها عدد القتلى بما لا يقل عن المليون قتيل. ولذلك تأمل طهران في أن ترى في جارها العراق، دولة مستقرة وقوية نسبياً، على أن تكون تحت سيطرة أصدقائها من المسلمين الشيعة.

وفي اعتقاد طهران أن السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف هو انسحاب القوات الأميركية من العراق، ومن منطقة الخليج بأسرها، خاصة وأنها تحمل هذا الوجود العسكري الأميركي مسؤولية إثارة الفوضى، وإشعال فتيل الحرب السُّنية- الشيعية الطائفية. غير أن كلاً من واشنطن وطهران، تدفعان الآن دفعاً باتجاه منطقة الخليج. فقد قام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، بزيارة تاريخية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في وقت مبكر من الشهر الحالي. وقد دعا "نجاد" إلى تعزيز العلاقات التجارية بين بلاده ودولة الإمارات، مع العلم بأنها علاقات اقتصادية وطيدة في الأصل.

وكانت قد سبقت جولة "نجاد" الخليجية جولة في المنطقة أيضاً لنائب الرئيس الأميركي "ديك تشيني" الذي استخدم نبرة، في مختلف محطات جولته الإقليمية، بدت أكثر ميلاً لتهديد إيران، والتأكيد لها أن الولايات الأميركية لن تسمح لها بإغلاق ممرات تدفق النفط عبر مياه الخليج، أو بحيازة الأسلحة النووية.

وفي هذه الأثناء تمضي إيران حثيثاً في تطوير وتوسيع أنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم في مفاعلات "ناتانز" على رغم أن الإيرانيين يقولون إن هذه الأنشطة ذات طبيعة سلمية خالصة، وإن لهم كامل الحق في تطوير هذه التقنية، بموجب نصوص معاهدة حظر الانتشار النووي. غير أن واشنطن لا تزال على شكوكها السابقة، في أن هذه الأنشطة، ليست سوى غطاء خارجي لبرنامج نووي عسكري.

ولذلك فلطالما كررت واشنطن عبارة التهديد والوعيد "تظل كل الخيارات مفتوحة أمامنا، وموضوعة على الطاولة" وهي ليست سوى تهديد مبطن باحتمال اللجوء لاستخدام القوة العسكرية ضد طهران، فيما لو اقتضت الضرورة ذلك.

ووفقاً لآخر نتائج استطلاعات الرأي العام في إسرائيل التي أجريت بهذا الشأن، فقد تبين أن نسبة 71 في المئة من الإسرائيليين، تؤيد توجيه ضربة عسكرية أميركية إلى طهران، فيما لو أخفقت الوسائل الدبلوماسية في لجم الأنشطة النووية الإيرانية ووضع حد لها.

أما في الولايات المتحدة الأميركية، فلم يكن مستغرباً أن ينحني السيناتور والمرشح الرئاسي "الديمقراطي" باراك أوباما، لضغوط منظمة "إيباك" وهي مجموعة الضغط الرئيسية الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة، فطالب بتفعيل قانون العقوبات المفروضة على إيران من قبل مجلس الشيوخ، وهو القانون الذي يطالب الحكومة الفيدرالية بنشر قائمة بالشركات التي تستثمر مبالغ من الأموال تفوق 20 مليون دولار في قطاع الطاقة الإيراني. وهناك مشروع قانون شبيه، تقدم به إلى مجلس النواب، عضو الكونجرس "بارني فرانك"، من ولاية نيويورك.

ونتيجة لتجاهل الحد الزمني الذي قطعته الأمم المتحدة لإيران، موعداً لوقف أنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم، فقد توعد الرئيس بوش طهران الأسبوع الماضي، بفرض عقوبات أكثر تشدداً عليها، يعكف مجلس الأمن الدولي على إعدادها حالياً. وفي غضون هذه الفترة، يتوقع أن يلتقي علي لاريجاني، المفاوض النووي الإيراني الرئيسي، خافيير سولانا، مسؤول السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي، لبدء جولة محادثات أخرى، اليوم 21 من شهر مايو الجاري. وكما لو أن لاريجاني أراد إخراس الانتقادات الأميركية والإسرائيلية الموجهة إلى بلاده، فقد أعلن مقدماً عدم اعتزام بلاده تدمير إسرائيل، وقال إن المزاعم القائلة بنية طهران "محو إسرائيل من الخريطة العالمية" لم تكن سوى فرية وصنيعة من صنائع الإعلام الغربي.

ومهما يكن، فإن على واشنطن وطهران، وضع حد للحرب الدعائية المتبادلة بينهما، والجلوس الجدي إلى طاولة محادثات. وفي سبيل ذلك ربما تحتاجان أيضاً لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما، من أجل توفير اتصال أكثر استدامة واتساعاً.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)