الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، دخل الخدمة وشكل فريقه وحكومته وأعلن المبادئ العامة لسياسته الداخلية والخارجية، لكن يبدو أن ما لم يعلنه صراحة هو الأهم، فالقراءة المتأنية لحركته فور تسلمه السلطة تنم عن أن فرنسا دخلت مرحلة جديدة في حياتها، مرحلة لا تشبه إطلاقا ما كان قبلها، دون الحكم المسبق عليها.

وبدخول ساركوزي إلى القصر الرئاسي الفرنسي خرج جاك شيراك، بعض الفرنسيين بكى وآخرون ضحكوا ( لا حزنا ولا فرحا) بل إنها حكاية الجماهير والعروش ويستطيع الفرنسيون وغيرهم أن يحكموا على سنوات حكمه وفق منظورهم ومصالحهم ووفق ما يرونه أيضا من مبادئهم وأعرافهم قسم منهم فخور بما أنجزه رئيسهم السابق من سمعة طيبة في العالم وقسم ينظر إلى المنزل الذي أختاره ليسكن به بعد القصر الجمهوري ودلالات هذا الخيار.

ومعه يخرج توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، من الخدمة، قبل موعده، حيث يمكن للمراقبين أن يقولوا كلمتهم في نتائج حكمه بموضوعية ودقة. وربما ما قالوه هو سبب خروجه المبكر فتنقذ بريطانيا نفسها.

في هذا الوقت بالذات تتدنى شعبية الرئيس جورج بوش في الولايات المتحدة وتتدحرج استراتيجياته العالمية ويبحث عن مخرج من النفق المظلم لنفسه وفريقه الذي حكم معه وتكاثرت فضائحه وتناثرت مقولاته الأخلاقية المحافظة ولا يحاول انقاذ وجه الولايات المتحدة بالتأكيد

ودخول فرنسا زمن ساركوزي يأتي في هذا السياق العام، فالرجل محظوظ ربما لأن العبر أمامه ماثلة ولم يمر عليها الزمن، كالقضايا التي تواجه سلفه في المحاكم الفرنسية، والرجل يتحلى بذكاء وفطنة وسرعة بديهة وسرعة تحرك ونحرر من كل التزامات وصداقات واعتبارات وهذه أمور تجعله قادر على التأقلم مع المستجدات والمعطيات المستجدة على الساحة الداخلية والخارجية بالتأكيد.

زمن ساركوزي هو زمن التغيرات غير المتوقعة ربما والمتعلقة خصوصا بالوضع الدولي لفرنسا وخصوصا الشرق أوسطي ومرونته تسمح له بالعمل وفق هذه المتغيرات. وهو يعرف ذلك تماما من خلال تشكيلة حكومته التي تتميز بكثرة (المتغيرات) وكثرة المجهولات. ومن خلال تعديلات رئيسية في خطابه السياسي بعد انتخابه. ويبدو أن ساركوزي يعرف تماما أن المرشح الرئاسي لن يكون نفسه الرئيس المنتخب.

والحكومة التي شكلها تعبير واضح عن الطريقة التي سيحكم بها. فهي حكومة من شخصيات لا يحملون عبء تاريخ سياسي يخشون خسارته إذا ما تغيروا وأخرى اعتادت الانسياب مع الرياح.

حتى الأكثر تسييسا في الحكومة أي وزير الخارجية برنار كوشنير فإنه قد منح نفسه إمكانيات الالتفاف بسرعة على مواقفه تحت شعار التدخل الإنساني، ومنح نفسه حق الخروج من اليسار والدخول حليفا لليمين واستمراره بالقول أنه يساري. ووزيرة الداخلية التي عملت وزيرة للدفاع، ميشيل أليو ماري، سمحت لنفسها بالانسياب مع رياح المصالح ولا شيء يمنعها من التغيير مجددا ولأكثر من مرة.

ساركوزي، حسب مصادر مقربة منه، يعرف تماما أنه بقدر ما كان بحاجة للرئيس الأمريكي جورج بوش وماكيناته الداخلية والدولية ولوبياته الفاعلة للفوز، فإن استمراره فاعلا في الداخل والخارج بحاجة للعودة إلى ما قبل الخطوط الحمر التي تفصل فرنسا عن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خاصة في المناطق الساخنة وفي زمن تسير به هذه الإدارة نحو الهاوية.

خاصة في الأزمة العراقية وملحقاتها. ويبدو واضحا أن القراءة الفرنسية للأزمة العراقية تربطها عضويا بأزمات الشرق الأوسط كافة وتعيدها إلى نقطة البداية أي إسرائيل، رغم أنه ليس من السهل على ساركوزي التخلص من أخطبوط اللوبي الصهيوني الذي يمسك بمفاصل تحركاته.

ساركوزي، الذي يعتبر ظاهرة سياسية في فرنسا، يعرف تماما أن تخلصه من هذا الأخطبوط واستعادته لحرية التحرك يلزمه المزيد من التعاون مع رؤوس الأموال الفرنسية والتي لا يسيطر عليها اللوبي الصهيوني أو أن تأثيره داخلها محدود. لكن اعتماده الأساسي على هذه المنظومة الرأسمالية تنظر أولا بمصالحها الاقتصادية وأسواقها ومخاطر وقوعها تحت الضغوط الاقتصادية الأمريكية وارد جدا. وعلى الرئيس أن يقدم ضمانات خارجية، بعد أن قدم ضمانات داخلية، وهذه الضمانات ستشكل محور سياسته الخارجية فاتحا فرنسا أمام المزاحمة الدولية مراهنا على من يقدم هذه الضمانات والمصالح. قد تكون هذه السياسة ناجعة ولو إلى حين حيث أن عليه لاحقا أن يحسم قراره واتجاهه خاصة أنه سيواجه الفرنسيين مرة جديدة بعد خمس سنوات.

ساركوزي، الذي يعرف أنه لن يستطيع التحليق طويلا في فراغ سياسي، يرى أن نتائج الانتخابات التشريعية ستكون حاسمة في قراره الداخلي والخارجي وعليه أن يلتزم برياح هذا التغيير القادم من الداخل.

ورغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى غالبية يمينية للبرلمان المقبل، إلا أن شكل وطبيعة هذه الغالبية لم تتحدد بعد وهو الأمر الذي ينتظره ساركوزي للتعامل معه وإجراء تعديلاته اللازمة في الحكومة وفي مشاريعه السياسية الداخلية والخارجية واستخدام هذه الغالبية وطبيعتها على طاولة المفاوضات.

مفاوضات ساركوزي وفريقه التفاوضي مع الداخل والخارج جاهز للتحرك وفق كل السيناريوهات الموضوعة للبرلمان. وبالتأكيد هناك فريق للتفاوض مع العالم العربي وبات هذا الفريق معروفا بالأسماء والخلفيات ويبدو واضحا أن ساركوزي بات يعرف أن مصالحه مع هذا العالم العربي، سواء أسماه اتحاد متوسطي أو شرق أوسط، تشكل أولوية فرنسية اعترف بها نفسه في أول كلمة له بعد تسلمه الرئاسة.

واضح أن الرئيس الفرنسي الجديد هيأ فريقا متحركا وديناميا قادر على التغيير والتغير والتأقلم لكن السؤال المطروح عربيا، هل هيأ العرب فرقهم للتأقلم مع فرنسا بعد الديغولية التي انتهت في شقة حريرية مطلة على نهر السين؟