بعد عشرين سنة من الغربة قام صديقي بزيارة الوطن. وكم كان لقاؤنا حميماً, وبعد الانتهاء من مراسم التحيات والتعبير عن الأشواق سألته: لم تقل لي كيف حال أهلك؟ فكما أعلم أنهم ذهبوا إليك واستوطنوا معك في المهجر.. أجابني وقد تبدّلت ملامحه:

- بخير جميعاً, باستثناء والدي..

- ما به والدك؟

- لا أدري إن كان قد بلغك نبأ وفاته؟

- توفي؟! لا حول ولا قوة إلا بالله... رحمة الله عليه.. لا بالله لم أسمع! متى وكيف؟

- اففف.. منذ سنة تقريباً بعد معاناة شديدة من المرض الذي أصابه..

- مرض خبيث؟

- لا بل كان مصاباً بالسكّري..

- هل ارتفع معه السكري ما أدّى لوفاته؟

- يا ليت! لقد كان السكري مسيطراً عليه. المسكين كان يسير باتجاه النافذة لأخذ الدواء وفجأة شعر بالإعياء الشديد, خارت قواه, فمال بجزعه من النافذة وسقط من الطابق الرابع..

- لا حول ولا قوة إلا بالله... يعني توفي بسبب سقوطه من النافذة؟

- لا أبداً لقد كان حظه من السماء, فقد سقط على شاحنة كانت محملة بالرمل فأصيب ببعض الرضوض وتم إسعافه إلى المشفى. إلا أن بعض الاختلاطات أدّت إلى إصابته بالقصور الكلوي..

- آه.. إنه مرض لعين لقد توفي بسببه صديقي الشاعر رياض الصالح الحسين..

- الحقيقة أنه لم يمت بسبب القصور الكلوي, فقد تداركنا الأمر وسافرنا به إلى الهند حيث تبرّع أحد الهنود بكليته وعاد المرحوم من هناك كالحصان. إلا أنه وفور وصولنا إلى كاليفورنيا هبّ إعصار شديد وصلت سرعة الرياح خلاله لأكثر من 150 كم في الساعة, لدرجة أن المرحوم قذفت به الرياح إلى سطح أحد الأبنية التي كانت تندلع النيران فيها بسبب الإعصار.

- يا لطيف يا ساتر! مات حرقاً؟؟!!!

- لا أبداً لقد كانت سيارة الإطفاء قريبة من المكان لحسن حظه, وتم إنقاذه في الوقت المناسب قبل أن تصل ألسنة اللهب إليه.. وكأن عزرائيل عقد معه معاهدة عدم اعتداء.

- خوّفتني يا رجل.. وكيف توفي إذن؟

- الحقيقة أنه صحيح لم يصب بأي حرق من بناية الشؤم تلك, إلا أنه أصيب بحالة اختناق بسبب الأدخنة المتصاعدة من المبنى تطلّب نقله إلى العناية المشددة. وكما تعلم هناك الطب متطور جداً, فمن خلال إعطائه الأكسجين ارتاح الحمد لله. وبعد سويعات قليلة كان يضحك بيننا ويتذكر حالة الهلع التي انتابتنا جميعاً من جرّاء ذلك الإعصار..

- أيه.. وبعدئذٍ؟

- يا سيدي وبينما كنا نشرب الشاي تشردق بإحدى الرشفات وبدأ يسعل ويسعل إلى أن جحظت عيناه واحمرّ وجهه واربدّ وأصبح ممتقعاً وكأنه قاب قوسين أو أدنى من تسليم الروح إلى بارئها.. فما كان من جاري الذي كان بضيافتنا والذي يملك عضلات مفتولة كونه يلعب في أحد الأندية الرياضية, إلا وبدأ يضرب المرحوم على ظهره لإزالة ما علق في بلعومه من الشاي, وفي إحدى الضربات سمعنا فرقعة انبثقت من إحدى فقرات الرقبة وسقط مغشياً عليه. طبعاً نقلناه إلى المشفى وأخذ العلاج المناسب كالعادة, لكن للأسف أصابه شلل جزئي أقعده الفراش خمس سنوات متتالية. وأنت تذكر المرحوم كم كان متطلباً ونقاقاً ولا يعجبه العجب ولا الصيام برجب.. لقد عانينا الأمرّين بمرضه يا رجل, لدرجة أننا تمنينا جميعاً أن يتلطف الرب بنا ويساعدنا على الخلاص من هذه المصيبة؛ فإما يأخذنا جميعاً إلى جواره أو يأخذه على الأقل بمفرده..

- وكيف مات المرحوم إذن؟

- يا زلمه خمس سنوات من العذاب ونحن ننتظر الفرج ولم يشفَ!! وأنت تعرف المريض يضجر كثيراً وخاصة إذا كان قعيد الفراش, يتدخّل بكل شيء. أحياناً يبكي وأحياناً يدّعي اقتراب أجله ليستدرّ عطفنا.. وأحياناً يهددنا ببيع كل ما يملك من ثروة لحرماننا من الميراث.. ويرشقنا بين الحين والآخر بوابل من السباب والشتائم.. كل ذلك ونحن صابرون.. إلى أن تلطف بنا القدر وأخذ أمانته..

- وكيف تم ذلك؟

- (زفر متنهداً) لا أدري كيف أقول لك.. الحقيقة أننا بلحظة غضب شديد, قوّصناه...

* * *

ذكّرتني هذه النكتة بكبار الفاسدين في هذا البلد, الذين يمتلكون سبعة أرواح وحبة مسك. والذين عاثوا خراباً في البلاد دون محاسبة أو مساءلة؛ أحياناً بسبب شطارتهم وفهلويتهم وقدرتهم على تغطية ارتكاباتهم. وأحياناً أخرى بسبب احتمائهم ببعض كبار المتنفذين. والأنكى من ذلك أنه يتم مكافأة بعضهم بتعيينهم بمناصب أعلى..

إزاء هذا كله, ترى هل يحق لنا (تقويصهم)؟