خرج إيهود أولمرت عن طوره من شدة رغبته بالسلام: في مؤتمر البتراء الأسبوع الماضي، قام بتوجيه الدعوة إلى قادة الدول العربية الـ 22 للشروع في التفاوض مع إسرائيل وقال (أولمرت): «من دون شروط مسبقة أنا أدعوهم إلى القدوم والتفاوض، وإذا كانوا يريدون دعوتي فأنا مستعد للتوجه إلى أي مكان». قبل أن يبدأ أولمرت في جولاته ورحلاته بين كل العواصم الشرق أوسطية باحثاً عن السلام المأمول، لماذا لا يحدد لقاء مع بشار الأسد؟ جسدت حرب لبنان الثانية الانعطافة السلبية في الوضع الاستراتيجي لإسرائيل، التي تتكشف منذ سنوات: إذا كانت إسرائيل تبدو منذ حرب حزيران كدولة ذات قدرة على البقاء لا شك فيها، فقد وُضعت علامة استفهام فوق هذه الحقيقة البديهية في السنوات الست الأخيرة. كان السلام الذي وقعته إسرائيل مع مصر ومع الأردن تطبيقاً ناجحاً للصورة التي اكتسبتها لنفسها: دولة لا يمكن اقتلاعها من أرضها. هذا الاتجاه تغير: قوة الردع الإسرائيلية تضررت. ربما بسبب طريقة الانسحاب من لبنان في أيار 2000، وربما بسبب التطورات في العالم العربي عموماً وفي الجمهور الفلسطيني خصوصاً، وربما بسبب التغيرات في مزاج الشارع الإسرائيلي، وبالتأكيد بسبب صعود (محمود) أحمدي نجاد إلى سدة الحكم في طهران، وخصوصاً بسبب تهديده النووي. عززت نتائج الحرب في لبنان هذه الانعطافة: أعداء إسرائيل في العالم العربي، وخصوصاً في الشارع الفلسطيني، استمدوا الدعم والتشجيع من نجاح حزب الله في الصمود أمامها. أحد تعبيرات هذا المسار هو اندلاع العنف مجدداً بين إسرائيل وحماس في غزة. نعم، أسباب محلية خاصة للجولة المسلحة الجديدة، لكن هذه الأسباب مشتقة من الوضع الأساسي الذي يتغلب فيه العداء لإسرائيل على الخوف من قوتها. في ظل هذه الظروف، يكرر الرد الإسرائيلي أنماطه المعروفة: تماماً مثلما في الثاني عشر من تموز 2006، يبدو الاستفزاز العربي (حزب الله في السابق وحماس الآن) كأنه مُلزمٌ باستخدام الجيش الإسرائيلي لقوته. والآن، يهيمن على السجال الشعبي إجماع عام على أنه لا مناص أمام الدولة إلا الدفاع عن سيادتها وعن حياة سكانها. الصورة الذاتية لمواطني الدولة وقادتها هي صورة ضحية الصراعات العربية الداخلية، وعليه فإن الشعور العام الآن هو أنه لا طريق آخر سوى استخدام القوة العسكرية من أجل إنهاء العداء العربي. من دون الاعتراض الأصيل على هذا الشعور، تجدر محاولة تجربة طريق آخر، هذا الطريق هو الذي أشار إليه أولمرت، للوهلة الأولى، في خطابه في الأردن الأسبوع الماضي. قد يكون مفتاح خلاص إسرائيل من مصاعبها موجوداً في دمشق. الحاكم السوري يشير إلى رغبته في الشروع بحوار مع إسرائيل. هو لا يخفي الثمن المطلوب والمترتب على اقتراحه: انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان. أولمرت أدار ظهره حتى الآن لأصوات السلام الآتية من سوريا. هو ليس مستعداً للتنازل عن الجولان، وهو مشغول في معارك بقائه السياسي حيث سيسوء وضعه أكثر إذا أبدى الاستعداد للمساومة على الهضبة، وهو متأثر بموقف البيت الأبيض الرافض لأي حوار مع الأسد الآن. هذا النهج مفهوم ربما من وجهة نظر رئيس الوزراء، لكن كيف يمكن أن يخدم المصلحة الوطنية، وكيف يتساوق مع ندائه من البتراء لكل قادة الدول العربية بالشروع في الحوار معه؟ هل يعتقد بالفعل أن الجمهور في البلاد قد نسي أن سوريا قد صرحت قبل خمسة أشهر فقط بأنها جاهزة للتفاوض من دون شروط مسبقة، وأن إسرائيل بالتحديد هي التي وضعت شرطاً مسبقاً (إغلاق مكاتب حماس في دمشق والتوقف عن إمداد حزب الله بالسلاح)؟ لاتفاق السلام مع سوريا ميزة نقطة أرخميدس: هو قد يُغير إيجابياً ودراماتيكياً وضع إسرائيل في مواجهة حزب الله وحماس ولبنان وربما أيضاً إيران. هذه الاحتمالية لم تُجرب على أرض الواقع، لأسباب يحتفظ بها رئيس الوزراء لنفسه.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)