هي مجرد أحداث تجعل الفلسطينيين يعودون إلى مساحة اللجوء، ووفق المؤشرات فإن هذا "اللجوء" يزداد محيطه بينما نتفاعل مع "سياسة مكافحة الإرهاب" وفق سياق مختلف، ولأن هذه السياسة أصبحت "قاعدة دون برهان" فإنها دخلت مجال "العقائد" التي لا يمكن أن تناقش، ولا يمكن اعتبارها ظاهرة طالما أن "الاستراتيجيات" تُبنى وفقها، وتشكل على سياق "المحاصرة" و "المقاطعة" و "الحجر" في زمن العولمة.

وربما لأن الولايات المتحدة تريد فهم "الإرهاب" على أنه ظاهرة "شاذة" موجهة ضدها فقط فإنها أدخلت العالم في حالة "العماء" والتحليلات المتناقضة، وجعلت "الشرق الأوسط" مساحة للتخمين، فالمتابعة والاستقصاء لا يكفيان من أجل رسم الصورة الكاملة، لأن كافة الوثائق تنتهي مع بدء الحدث وتصبح "الحملات الإعلامية" هي الأساس لبناء رأي عام تجاه ما يجري.

والمشكلة اليوم ليست في كم المعلومات التي تظهر حول "جذور" ما يحدث في نهر البارد، لأن معظم السياسيين اللبنانيين "يعرفون" ما يحدث و "متأكدون" من الجاني، بينما يتعامل الإعلام الغربي مع هذه التصريحات على أن "أبعد من حقيقة" لأنها تدلل على "عقيدة" مكافحة الإرهاب. لكن الأزمة الحقيقية عندما يتم التبرأ نهائيا من الحدث والظاهرة كما فعلت الجامعة العربية معتبرة أن "فتح الإسلام" لا علاقة لها بـ"الشعب الفلسطينيي"!!

ليس علينا أن نسأل عن المعلومات المتوفرة لدى الجامعة العربية، ولكن الواضح من منطق هذا التصريح محاولة "تطهير" للذات من هذه "الجرثومة" على حد تعبير وليد جنبلاط... والخطورة في مثل هذا التطهير هو الخروج من منطق التحول الذي تعيشه المنطقة، والانفصال المطلق ما بين الرسمي والشعبي داخل المجتمعات العربية.. ما عبرت عنه "فتح الإسلام" هو ظاهرة علينا التعامل معها بطريقة مختلفة لأساليب مكافحة الإرهاب على الطريقة الأمريكية، فما حدث يشكل تطورا أكبر مما نعتقد، لأنه يمثل أولا وأخيرا شكلا من التحول داخل "اللاجئين" الذين كانوا يحلمون بحق العودة واليوم يحاولون التأقلم مع نوعية "اللجوء" الجديدة المفروضة عليهم.

"فتح الإسلام" مهما حاولنا الهروب منها ستبقى معبرة عن عمليات الإهمال والاندفاع وراء "السياق الأمريكي" لمحاربة الإرهاب الذي خلف خلايا للقاعدة في كل الشرق الأوسط. و "فتح الإسلام" لا علاقة لها بـ"قضية الشعب الفلسطيني"، ولكنها في نفس الوقت الصورة المعاصرة لجملة قضايانا الأساسية التي تبلورت منذ مطلع القرن الماضي، وتحولت من "تيارات" إلى "خلايا"...

الذين يعتبرون أنفسم يملكون اليقين حول الجاني والدافع ومن يقف أيضا وراء "فتح الإسلام" عليهم بالفعل أن يقلقوا من طبيعة التحول الاجتماعي التي تدفع لـ"الانتحار" أو ظاهرة "الاستشهاديين" حسب بعض المصطلحات، لأن هذه الظاهرة تعطي مظهرا للتحول الذي يشهده الشرق الأوسط الذي كانت نخبه أكاديميون وأصحاب أفكار وقادة تيارات، وأصبحوا اليوم ملثمين ومحصورين خلف ميكروفونات وتحيط بهم البنادق وتختفي وجوهوهم خلق أقنعة.

ما يقلقنا ليس طبيعة الجاني والتضارب في الآراء حوله.. والمحكمة الدولية التي يعتقد البعض أنها تتوقف أو تستمر بإشارات العنف هي في النهاية وليدة هذه الأزمنة التي ساد فيها "الجهادي" على "صاحب الرأي"، والراديكالي المتزوج من أربع على الكاتب والروائي الذي يجوب العالم وحيدا ليفهم الظواهر والقضايا، و "الليبرالي" الذي اكتشف فجأة أن قادر على ممارسة الديمقراطية فقرر التحول إلى تيار "الجدد" سواء كانوا محافظين أو غيرهم، ففضل الدخول في المنافسة على "السلطة السياسية" بدلا من أن يؤسس تيارا ديمقراطيا.

"فتح الإسلام" ظاهرة أخطر مما نتوقع لأنها بالفعل صورة اجتماعية خانقة تكشف لنا على الأقل كيف نحاول القفز على مساحة السياسية وننسى أن هناك مجتمعات ترسم قناعاتها نتيجة الخيبات التي عاشتها... فهل مازال البعض متأكدون من الجاني.. أو ممن يقف وراء "فتح الإسلام"!!!