لا يشكل المستقبل حالة امتداد للحاضر في زمن متقلب لأبعد الحدود، فقبل سبع سنوات ظهرت "الاحتمالات المفتوحة" وربما "الرهانات المفتوحة" بشأن سورية، لكن الواضح ان تطورات الأحداث حملت العديد من التحديات المختلفة، وكان الحديث عن خسارة سورية لدورها الإقليمي موضوعا أساسيا تتناوله التحليلات العربية، بينما لم يكن هذا الموضوع مجال بحث بالنسبة للمحليين الأجانب. ويبدو أن الإعلام الغربي أدرك أن مسألة الأدوار الإقليمية لا يمكن بحثها بنفس الطريقة التقليدية التي سارت عليها دوال عقد ونصف من الزمن، فوجود أكثر من 150 ألف جندي لقوات التحالف في العراق، يشكل بحد ذاته صياغة لمفهوم الدور الإقليمي.

ومن جانب آخر فإن الموضوع الداخلي السوري كان ضمن "الرهانات" و "الاحتمالات" التي أنتجت خارطة جديدة لبحث كل مسائل الداخل السوري، سواء تعلق الأمر يالإصلاح السياسي أو الاقتصادي، أو حتى في تأرجح الثقافة الاجتماعية نتيجة التبدلات الحادة التي شهدتها المنطقة في السنوات السبع. والواضح اليوم أن سورية لم تشهد قفزات بل محاولات، وكانت أولوية التعامل مع البرنامج الاقتصادي محطة أساسية، لكننا اليوم لا نتحدث عن صورة اقتصادية جديدة بالكامل، فما يمكن أن يشجل في هذا الإطار هو التوصل إلى "بيئة تشريعية" من اجل جذب الاستثمار، في وقت كان موضوع "اقتصاد السوق الاجتماعي" شأنا لا يشكل أي انتقال جديد.

الواضح اليوم ان التبدلات التي ظهرت في سورية مست بالدرجة الأولى "حالة الاستهلاك" بالنسبة للمجتمع، فالاستثمارات الضخمة "محيدة" نوعا ما عن النشاط اليومي للمواطن، فهو قادر على رؤية هذه الاستثمارات تظهر لكنه في نفس الوقت لا يجد تطورا في مسألة سوق العمل على سبيل المثال، فهل أصبحت "الأولوية الاقتصادية" مجالا للبحث أو الشك؟!!

هذا السؤال يقودنا باتجاه المستقبل لأن المسائل الاقتصادية ربما لاتكون "ملموسة" بالنسبة للمواطن العادي، وعملية إيجاد "البيئة التشريعية" الجديدة هي بحاجة ماسة ليس لاستكمال فقط بل لإعطائها "هوية واضحة" وهذا الأمر كان مفقودا خلال المرحلة السابقة رغم المحاولات الكثيرة التي كان آخرها "اقتصاد السوق الاجتماعي".

وربما علينا هنا ونحن نحاول أن ننظر إلى المستقبل أن نعيد قراءة المسألة الاقتصادية على نحو مختلف، محاولين التمييز بين أمرين: الأول – ان البيئة التشريعية التي ظهرت، والاستثمار الاقتصادي الذي نشأ وفقا لها كانت منفصلة عن التفكير بـ"الأساس" السياسي الذي تنطلق منه، فالإصلاح الاقتصادي بدأ دون أن ينظر للخلف ويرى أن كل التشريعات الاقتصادية القديمة كانت مستندة لرؤية سياسية، وبالتالي فإن "الإصلاح الاقتصادي" لا يمكن فصله بشكل مطلق أن أي إصلاح سياسي.

الثاني – أن الجهد الذي تم خلال السنوات السبع وانصب بالدرجة الأولى على تحسين معيشة الفرد كان مرتبطا بـ"الأساس" السياسي لأنه بشكله الواضح ظهر في زيادة الرواتب التي كانت أولا وأخيرا متجهة للقطاع العام. وحتى في مسائل فرص العمل فإن الموازنات كانت ترصد في كل عام مبالغ إضافية للإنفاق من أجل توفير فرص عمل داخل الدولة، أو هذا على الأقل ما فهمناه من الأرقام التي تطرحها وسائل الإعلام الرسمية. والواضح هنا أن رؤية الإصلاح الاقتصادي تبدو "مزدوجة" فهي تعتمد على "الأساس" القديم، وفي نفس الوقت تحاول وضع بنية تشريعية منفصلة بشكل أو بآخر عن هذا "الأساس".

التحدي المزدوج الذي ينتظر سورية لا يرتبط بإعادة النظر في الإصلاح الاقتصادي" بل أيضا بل التعامل مع مناطق الربط بين الأولويات التي تم طرحها بدء من "أولوية الإصلاح الاقتصادي" ثم "الإصلاح الإداري" وأخيرا الحديث عن مشروع للأصلاح السياسي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأمور تشكل تحد أساسي للمستقبل لكنه مع ارتباطه بالشأن الداخلي السوري، فهو أيضا يشكل شأنا متعلقا بالسياسة الخارجية السورية، حيث لا نستطيع الحديث اليوم عن اقتصاد محلي في ظل العولمة واتفاقية الشراكة مع أوروبا أو منظمة التجارة العالمية، وكل هذه الأمور لها "شروطها السياسية" إن صح التعبير... وهي أيضا تفترض عند تطبيقها نتائج لا يمكن إلا أن تمس الواقع السياسي الداخلي وتنعكس نحو التكوين الإقليمي أيضا.

وعندما نتحدث عن الظروف الصعبة أو الحرجة التي عاشتها سورية نتيجة التحول في الشرق الأوسط فإننا ندرك أيضا أهمية البنية الداخلية ليس من ناحية تماسكها بل في تأهيلها لمواجهة المستقبل. فالحديث عن الإصلاح الاقتصادي يمكن أن ينتقل خلال السنوات القادمة نحو أفق آخر ينتهي من البرامج الاقتصادية باتجاه قراءة "إنتاج المواطن"، وارتباط هذا الإنتاج بـ"البيئة التشريعة" الكاملة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو إدارية. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بـ"الإصلاح السياسي" كما هو مطروح عبر التحليلات السياسية التي رافقت السنوات السبع الماضية، إنما في إعادة صياغته على سياق المسؤولية الاجتماعية بالدرجة الأولي بدلا من توجهه نحو معالجة "التشريع السياسي" فقط.

السؤال الأساسي الذي سيظهر في المستقبل هو كيف يمكن أن يصبح "الإصلاح" حالة متسقة مع الواقع العام الذي تعيشه سورية، بدلا من أن يصبح أسير التطورات التي يفرضها الحدث؟ أو كيف يمكن أن لا يتعثر نتيجة التحولات الحادة أو التحديات التي تواجه سورية إقليميا؟ هذه الأسئلة تحتاج بالفعل إلى قراءة السنوات السبع الماضية والبحث من جديد لوصف الواقع السوري حتى يمكن إيجاد "هوية" واضحة للإصلاح في مختلف المجالات.

مصادر
سورية الغد (دمشق)