أكثر ما يُزعجنا هو عندما تُترجم المواقف الشجاعة والثابتة التي يقوم بها الشرفاء والوطنيين والعروبيين إتجاه سوريا وشعبها بأنها مجرد مديح للقيادة السورية، وكأن جميع المعادلات الأخلاقية والوطنية والقومية تم إغتيالها من قبل أسيادهم أصحاب المشاريع الإمبراطورية والصهيونية، ولم يبق إلا معادلة (الشنطة والدولار) لذا نعتقد أن هذا الأمر لا ينطبق على الذين يقفون مع الجانب السوري، خصوصا لو أنه تم قياس الإمكانيات المادية لدى سوريا مقارنة بالإمكانيات المادية والتحفيزية لدى الولايات المتحدة والأنظمة العربية الغنية التي تدور في فلكها ،والتي تبشر بمشاريع الرئيس جورج بوش ،وتدعم المشروع الأميركي ماديا وإعلاميا ولوجستيا، والذي أقدامه وعجلاته أفكار وسيناريوهات صهيونية، لهذا فأن الوقوف مع سوريا ومع جميع البلدان والشعوب العربية والشرق أوسطية التي تتعرض للهجمة الأميركية والصهيونية هو وقوف محمود، أما الوقوف مع المشروع الأميركي ومشاريع الأنظمة العربية التي تسمسر لواشنطن وأجهزتها وعلى مدار الساعة فهو وقوف مذموم في الوقت الحاضر والمستقبل، وأن التاريخ سوف يلعنه خصوصا وأنه لا خلود للإمبراطوريات الكولنيالية. لهذا فبما أن سوريا والقيادة السورية متشبثة بمشروعها العروبي والقومي فأنها مستهدفة وليس الآن، بل منذ إختيارها لهذا المشروع العروبي النهضوي، ونتيجة ذلك كانت لدى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ( رحمه الله) عبارة خالدة وهي (حالما ترضى عنّا الولايات المتحدة إذن في سياساتنا وتوجهاتنا أخطاء وأغلاط) ولهذا كذبت هي وأصدقائها من الغربيين والعرب وشنّوا عدوانهم على العراق وتم إسقاط النظام وإحتلال العراق بطريقة بشعة، وليس لها مثيل في التاريخ، ويريدون الذهاب نحو سوريا من أجل إسقاط نظامها وإحتلالها وفرض المجموعات السردينية كي تدير الحكم فيها، وعلى طريقة مجموعات أميركا في العراق ،ولكن ليس كل ما يشتهيه بوش وتشيني ورايس سوف يتحّقق، خصوصا وأن الشعب العربي إنتبه كثيرا، ولن يقبل أن يُلدغ من الجحر مرتين، وبنفس مسلسل الكذب الذي مورس ضد العراق. فمهما قالوا عن سوريا ونظامها فأن الشعب السوري والعربي سوف لن يصدّق، وحتى الشعوب الحرة في العالم لن تصدق هي الأخرى من إدارة أميركية فاز رئيسها بطريقة مزورة عندما زورت الإنتخابات لصالح بوش الإبن ضد المرشح آل غور، وإستمرت بالتزوير والكذب والى يومنا هذا ، وبشهادة المسؤولين الأميركيين والغربيين وآخرهم رئيس وكالة المخابرات الأميركية ( سي أي أي) السيد جورج تينت ومن خلال شهادته الأخيرة في كتابه ووسائل الإعلام عندما قال (أن الحرب على العراق كانت مقررة ومنذ زمن بعيدوقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأن أحمد الجلبي كان يستلم من الوكالة 350 ألف دولار شهريا.... الخ ) ومن المؤكد أن الأمر ينطبق على الجلبي السوري الذي تريده الولايات المتحدة قائدا للشعب السوري ،وضمن لعبة المحاصصة والمشروع الإثني والطائفي والعرقي. ولا نعتقد أن هناك مواطنا سوريا واحدا يقبل بهذا المستقبل الدامي والمرعب مقابل وعود وهميّة وكاذبة، ولو كانت هناك مصداقية لدى الولايات المتحدة لصدقت بتحقيق 5% من الوعود التي وعدت بها الشعب العراقي والأفغاني، فالذي حدث هو إغراق العراق في الفوضى والحرب الطائفية والإثنية والمذهبية، والتي صاحبها الإنهيار السياسي والأمني والإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي، بحيث أصبحت المخدرات تباع حتى عند أبواب المساجد والأضرحة المقدسة لابل اصبحت تزرع وبتشجيع امريكي في بعض المدن الجنوبية في العراق والذي حاز على الجوائز الدولية لخلوه من المخدرات والجريمة. أما إنتشار ثقافة الجريمة المنظمة فأصبحت كارثة حقيقية في العراق، والأكثر من هذا كله عندما أصبح العراق وبتخطيط أميركي موطنا للإرهاب وللتنظيمات الإرهابية والتكفيرية، ومفقسا لتنظيم القاعدة وبعلم الولايات المتحدة والأنظمة العربية التي فتحت خزائن شعوبها ودولها الى الرئيس بوش وتشيني ورايس، وأن المواطن السوري بشكل خاص والعربي بشكل عام يعرف جميع هذه الحقائق، لذا فمن قبيل الجنون أن يصدّق بوعود الرئيس بوش، ويصدّق بما يقوله الإعلام الأميركي الناطق بالإنجليزية والعربية ضد سوريا. لذا فهل قرأتم التقارير الأميركية وأهمها التقرير الذي صدر من الكونغرس الأميركي، والذي أكد وقال ( لقد ثبت أنه ليست هناك علاقات أو إتصالات بين تنظيم القاعدة ونظام صدام حسين) ولكن المحافظون الجدد قالوها من على منبر الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن وطيلة الفترة التي سبقت الحرب بأن هناك علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة ،وكان النظام العراقي يقول ( ليس لدينا علاقات مع تنظيم القاعدة ولا مع التنظيمات الإسلامية المتطرفة الأخرى) ولكن لم يسمعه ويصدقه أحد. وكان النظام العراقي يقول أيضا( ليس لدينا أسلحة دمار شامل وأن المخزون الكيمياوي والبيلوجي دمرناه في عام 1991) ولكنهم لم يسمعوا ولم يصدقوا، وعندما إحتلوا العراق وللسنة الرابعة وهم يبحثون ولم يجدوا إسلحة دمار شامل عراقية، وها هي سوريا تقول وتؤكد بأنها ليست لديها علاقة مع تنظيم القاعدة، ولا مع التنظيمات الإسلامية المتطرفة، ولكن لم يصدقها أحد. أما علاقتها بحزب الله فهي فخورة بها وبيّنت مدياتها ،ثم أن حزب الله حزبا سياسيا معترف به ويشارك في الحكومة والبرلمان اللبنانيين، فلماذا كل هذا التحامل على حزب الله وعلى الذين لهم علاقات مع حزب الله،فإن كانت التهمة هي الجلوس والتحدث والتحية بين السيد حسن نصر الله وقيادة حزب الله والأشخاص الذين جلسوا وتحدثوا وردّوا التحيّة فيجب إذن أن يُساق الإتهام ضد السيد السنيورة وجن بلاط وسعد الحريري. وضد جميع الشخصيات الغربية والعربية التي تحدثت مع قيادة حزب الله. هذه الأسباب التي جعلت واشنطن وأذنابها في حالة هيجان ضد سوريا أن سبب الحملة المسعورة على سوريا لأن الجانب السوري نجح في إختيار البرلمان السوري الجديد ( مجلس الشعب) والذي أرادت الولايات المتحدة وأذنابها العمل على تعطيله كي يعيش البلد فراغا دستوريا ،ولإحراج الرئيس الأسد و القيادة السورية. فلقد كشفت مجلة ( تايم) الأميركية النقاب عن وثيقة سرية جرى تداولها بين أروقة الإدارة الأميركية تقضي الى إضعاف النظام السوري وإسقاطه عبر صناديق الإقتراع، ويبدو أنها بنفس الطريقة التي مارستها الولايات المتحدة في بعض دول أمريكا اللاتينية في أواخر القرن الماضي ، وكانت الوثيقة تحمل عبارة ( سري جدا) والتي نشرت قسما منها مجلة تايم في 19 / كانون الأول/ 2006 ولقد تضمنت الخطة السرية الأميركية للإطاحة بالنظام السوري، والتي كانت معدّة للتطبيق في آذار 2007 وأثناء الإنتخابات التشريعية السورية..... وأن النقاط المهمة في الخطة وحسب مجلة التايم هي : أولا: تم تشكيل فريق عمل عال المستوى ويتألف من نائب وزير الخارجية نيكولاس بيرنز، ونائب مستشار الأمن القومي أليوت إبرامز، ومندوبين من وزارة الدفاع والمالية ومجموعة من وكالة المخابرات المركزية، وتقرر أن تكون الإجتماعات في وزارة الخارجية الأميركية، وكانت مهمة الفريق التأثير على مجريات الإنتخابات التشريعية، والتأثير عليها من خلال دعم العناصر المعارضة للنظام السوري، وتخصيص منشورات توزع عبر الإنترنيت من أجل طبعها وتوزيعها داخل سوريا وفي الدول المجاورة لسوريا. ثانيا: تخصيص صندوق بقيمة خمسة ملايين دولار يوضع بخدمة المعارض السوري والمقيم في واشنطن ( عماد عبد الحليم) وهو عضو تنظيم جبهة الإنقاذ والهدف هو تمويل العمليّة. ثالثا: جاء شرطا وهو أن توزع الأموال على مرشحي الإنتخابات التشريعية الذين ترضى عنهم واشنطن، وجاءت الخطة أن يتم إختيار شخصية محددة وتكون مؤثرة ومحظوظة بالنجاح تصرف لها الأموال سرا مع شرط التكتم الشديد خشية فشل الخطة. رابعا: يجب أن يكون الصرف لتمويل الحملة الإنتخابية للعناصر المقربة من واشنطن، وإجراء عمليات إستطلاع للرأي، مع حملات توعية للمواطنين ، وكان من المفترض أن يباشروا بها بداية العام الجاري. خامسا: قاموا بتحديد موضوع الإشراف المالي واللوجستي بأن يكون من قبل مكتب ( المبادرة المشتركة للشرق الأوسط) والذي مقره في وزارة الخارجية ، وتكون مهمته الإشراف على صرف الأموال على المنظمات غير الحكومية، والتي تنتشر في العالم العربي من أجل المساندة. سادسا: قرروا أن يتولى المعهد الجمهوري الدولي وهو فرع مهم من الحزب الجمهوري مهمة تمويل العملية الإنتخابية في سوريا. فهل عرفتم الآن سر الشبكة العنكبوتية التي تضاريسها من ( منظمات المجتمع المدني ومراكز الدراسات ومواقع الإنترنيت) والتي إنتشرت كالفطر في العالم العربي وخصوصا في الأربع سنوات الأخيرة، إذ أن نسبة 70% منها ذات تمويل أميركي ومن هذه الدوائر التي إستحدثتها الإدارة الأميركية، وفي مقدمتها وكالة التنمية الأميركية، ودائرة التضليل الإعلامي في وزارة الدفاع ، لهذا فالغضب عارم في هذه الدوائر التي عجزت عن إختراق الجدار السوري، وهذا لا يعني أن نسبة النجاح بصد الإختراق الأميركي تصل الى 100% فلنكن واقعيين فهناك إختراقات حصلت وتحصل وقد تحصل ولكنها لن تؤثر ولن تكون مفيدة للخطط الأميركية ،و يعود الفضل في هذا الى الشعب السوري ومتانة الجبهة الداخلية والى الأجهزة والسلطات السورية المتيقظة لهكذا مخططات. لهذا فالولايات المتحدة تخطط وبشكل علني لإسقاط النظام في سوريا ،أو عزل القيادة السورية ،ولقد قالها المسؤول الروسي السيد ( سيرغي لافروف) بتاريخ 6/7/2006 ومن خلال قناة الجزيرة الفضائية ( هناك أصوات أميركية تطالب بعزل القيادة السورية .... ونحن على قناعة تامة بأن تداعيات سيئة بإنتظار المنطقة بسبب منطق العزل) وهذا يعني أن سوريا أصبحت بعهدة المواطن السوري والقيادة السورية، وأنهما للآن متماسكان يد بيد، وهذا بحد ذاته سبّب هيجانا لدى النمر الأميركي ولدى أصدقاء إسرائيل في لبنان ،وفي مقدمتهم السيد السنيورة ومجموعة ما يسمى بالأغلبية بزعامة سعد الحريري. ولإثبات هذه العلاقة بين حكومة السنيورة وإسرائيل هي أقوال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بتاريخ 14/12/2006 عندما قال لمجلة شبيغل الألمانية ما يلي ( أنا أتمنى الدخول في مفاوضات سلام مع السنيورة ، وليس هناك أمور كثيرة تبعد بيننا، ولقد بذلنا جهدا كبيرا لإزالة أي قوة تهدد السنيورة) وكان يقصد الضربات التي وجهت الى البنية التحتية الخاصة بحزب الله اللبناني أثناء العدوان الإسرائيلي في تموز /يوليو 2006، بحيث أنه حتى شمعون بيريز قال ( التقيت بعدد من الساسة اللبنانيين وأنهم لا يريدون أن نتحدث عن تلك اللقاءات ، لهذا أفضل عدم ذكر تلك الشخصيات). لهذا فأن مسلسل الأكاذيب ضد سوريا هو البحث عن كبش فداء، أو شماعة تعلق عليها الولايات المتحدة أخطاءها في العراق والمنطقة، والقضية لا تختلف عندما تم إختيار كمبوديا شماعة لتعليق أخطاء الولايات المتحدة في فيتنام، وأن القيادة السورية تعرف هذا، ولقد قالها الرئيس السوري الى مراسلة شبكة ABC التلفزيونية الأميركية بتاريخ 5/2/2007 عندما عبر عنها بالتالي ( على الأميركيين وقبل كل شيء أن يوقفوا البحث عن كبش فداء ومسؤولين عن الفشل... ونحن لا نستطيع إذكاء النار ثم إعادة إخمادها... فإذا أذكيت النار فسوف تحرقك).والى اللقاء في الحلقة القادمة

مصادر
شام برس (سورية)