بخلاف منظمات وجماعات أخرى تجتمع في منظمة “فتح الإسلام” التي ذاع صيتها في الأيام الأخيرة عدة خصائص، تجعل منها نموذجاً مميزاً لظاهرة الأصولية التي استشرت في العقد الماضي، رغم أن بداياتها تعود إلى نحو ثلاثة عقود.

الخصيصة الأولى هي بالطبع حمل راية الدين الحنيف، وادعاء النطق باسمه وحمل رايته. والاتكاء على الآية الكريمة “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً” للزعم بأن هذا التنظيم هو من سيتولى استئناف الفتوح. وبهذا تضمر هذه الحركة إن لم تكن، تعلن أنها بصدد الشروع في اجتراح فتوحات إسلامية، وذلك بعد أربعة عشر قرناً على انتشار الدعوة في قارات الأرض، وتصدر الإسلام كثاني أكبر ديانة توحيدية، وانتفاء مسوغات وحيثيات الفتوحات وحلول الموعظة والحكمة الحسنة محلها.

الخصيصة الثانية، هي ركوب موجة الكفاح الفلسطيني لتحرير المحتل من الأرض، حتى لو لم يكن في الأجندة الفعلية لهذه المنظمة أو في أنشطتها، ما ينبىء عن أي كفاح أو تماسٍ ما مع العدو، ناهيك عن عدم وجود جذور لهذه المنظمة في الأرض المحتلة، وبين صفوف الشعب الرازح تحت الاحتلال، مما يرفع عنها أية شرعية وطنية أو سياسية. علاوة على ما أبدته المنظمات الفلسطينية الرئيسية، ابتداء من فتح مروراً بمنظمات اليسار وليس انتهاء بحركة حماس، من حذر شديد تجاه هذه المنظمة والنأي عنها.

الخصيصة الثالثة هي ارتباط هذا التنظيم عقائدياً بتنظيم القاعدة، كما تبدى في غير تصريح لزعيمها شاكر العبسي. ولا شك أن المزيد من تحقيقات السلطات اللبنانية، سوف يكشف ما إذا كان هذا الارتباط ب “أم التنظيمات الأصولية”، يقتصر على الجانب العقائدي، أم أنه يتعدى ذلك إلى ما هو أبعد منه. مع الأخذ في الاعتبار أنه كان يصعب على من أطلق تلك التصريحات، الإقرار بأي ارتباط بالقاعدة وذلك لدواعٍ أمنية مفهومة.

الخصيصة الرابعة أن هذا التنظيم كحال تنظيمات مشابهة، لا يكتفي بانتحال الصفة الدينية وزعم النطق باسمها، ولكنه يتخذ إلى ذلك صفة مذهبية وطائفية سلفية. بما يسهم في تغذية الفوارق وحرفها عن طبيعتها، ويدفع نحو التباعد بين أبناء الدين الواحد والمجتمع الواحد، ويهدد بإشعال نار الفتن. وهو ما أخفقت ببلوغه قوى ودوائر معادية، سواء في حقب الاستعمار والانتداب الأجنبي أو ما تلاها. وما يجري في العراق هو أوضح شاهد على ذلك، رغم أن هناك شواهد سابقة لا تقل مأساوية كما حدث في أفغانستان بين فصائل مجاهدين ذوي انتماءات طائفية متباينة، وكذلك في باكستان، فما إن تهدأ الفتنة بين الجناحين السني والشيعي حتى تعود وتطل برأسها من جديد، في الحرب على مساجد الله والمصلين فيها.

وإذا كانت الخصائص السابقة تجمع تنظيم “فتح الإسلام” بسواه من تنظيمات مماثلة، فإن هذا التنظيم يمتاز عن غيره بأنه:

اتخذ من الديار اللبنانية موطناً له بعد أن وفد من خارج هذه الديار. وقد تحين ظرفاً حساساً يتمثل في الانقسامات التي يشهدها الشارع بين أكثرية ومعارضة، لكي يعلن عن قدومه الميمون قبل أقل من سنة من الآن. وقد تبدى منذ البداية أن لا صلة تذكر بينه وبين الجسم السياسي الفلسطيني، أو داخل الكتلة الشعبية لأبناء المخيمات. مما يدلل على حضوره التدخلي، وما ينطوي عليه من اقتحام للبيئة السياسية والاجتماعية، التي يدعي نسباً إليها وتمثيلاً لمطامحها الوطنية.

خلافاً لسلوك جماعات أخرى، فإن هذا التنظيم لم يسع إلى الاصطباغ بصبغة محلية، على الأقل لانتحال شرعية ما، أو لإضفاء طابع “عضوي” على حلوله القسري، في بيئة تنكر الاعتراف به والتغطية عليه. وقد لوحظ أن عشر جماعات سنية لبنانية، سارعت إلى التبرؤ من هذا التنظيم، ما أن تفجرت الأحداث المأساوية الأخيرة، وأبدت “عدم الحاجة” إلى تنظيم كهذا وفد بصورة مريبة من خارج الحدود. مما يدلل على غربة هذا التنظيم عن البيئة التي انزرع بها، دون أن يحد ذلك من منسوب ادعاءاته، ومن عدوانيته تجاه محيطه.

أسوأ من ذلك هو محاولة “فتح الإسلام” اللعب على التناقضات الداخلية وتسعيرها بل تغذيتها، عبر الادعاء بأن هناك طرفاً أو أطرافاً ثالثة وضعت الجيش اللبناني في مواجهة مع هذه المجموعة. ولكأنما كان هناك وفاق وتناغم من قبل، بين هذه الجماعة والجيش اللبناني أفسده طرف عذول!

لم يبق أحد من المراقبين أو المعلقين في لبنان وخارجه، إلا وأشار إلى أن هذا التنظيم أداة في يد سواه. وهو استخلاص صائب ليس هناك ما ينفيه ويدحضه. وبهذا فإن خصوصية هذا التنظيم تتمثل، إضافة إلى ما سبق، في اندفاعه إلى العبث بالمعادلات الداخلية والتهديد السافر للسلم الأهلي، وهو ما يفسر التزامن المثير بين اندلاع الاشتباكات بينه وبين القوى الأمنية، وبين وقوع ثلاثة تفجيرات في مواضع مختلفة من الأراضي اللبنانية.

وإذا كانت جماعات أصولية أخرى، قد تفرغت لتهديد مجتمعاتها تحريم وتحليل أنشطة بعينها مع استهداف المعترضين، فقد زادنا “فتح الإسلام” من الشعر بيتاً بل أبياتاً، إذ انبرى إلى تقرير وجهة الحياة السياسية والمصير الوطني، لبلد لا ينتمي إليه ولشعب لا ينتسب له.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)