"ها هنا حيث ترقد الشجاعة، نذكر مجدداً أسباب تردد أميركا دائماً في خوض الحروب، بسبب إدراكها المسبق لفداحة تكلفتها وثمنها". هذا ما قاله الرئيس جورج بوش، في ذلك الحفل التذكاري الذي أقيم تأبيناً لأرواح ضحايا الحرب على العراق، في مقبرة أرلينجتون القومية، العام الماضي. وتلك عبارات عذبة لا يحق لبوش بالذات أن يتفوه بها، خلافاً لجميع الرؤساء الأميركيين السابقين. والسبب في هذا الاستثناء، أن بوش لم يكن متردداً -كما قال- إزاء شن هذه الحرب، بل لقد دفعنا إليها دفعاً وهرولةً. والآن وبعد أن تحولت هذه الحرب إلى ملحمة كارثية، فإن سبباً رئيسياً في ذلك التحول، يعود إلى أن مهندسيها ومخططيها، وقد بُلِّغنا جميعاً الآن، قد تم تحذيرهم مسبقاً من عواقبها وتداعياتها المحتملة، ولكنهم لم يعيروا تلك التحذيرات آذاناً صاغية. وفي المقابل، بدا الكونجرس الآن عاجزاً عن وقف الحرب هو الآخر. فكيف قدِّر للأمور كلها أن تمضي على هذا النحو الخاطئ؟! وحتى نتمكن من الإجابة على هذا السؤال الصعب، فإن مما لاشك فيه أن مؤرخي المستقبل، سوف يهزون رؤوسهم حيرة ودهشة إزاء السهولة التي تم بها تضليل أميركا، قبيل شن هذه الحرب. وليس أدعى للحيرة والدهشة، من توفر كافة الأدلة والشواهد منذ بادئ الأمر، على وجود إدارة "مارقة" عقدت العزم مسبقاً على توظيف هجمات الحادي عشر من سبتمبر واستخدامها ذريعة لشن الحرب. وقد كانت كل هذه الشواهد واضحة وضوح الشمس لكل من أراد أن يراها. بل الصحيح أنها كانت هناك، حتى قبل أن يبدأ الرئيس بوش تصريحاته العلنية حول شن الحرب والتعجيل بها. وإنه لصحيح أيضاً، أن نوايا بوش الرامية لاستخدام تلك الهجمات ذريعة للتعويل على القوة، وتبرير كل شيء باسم الهجمات هذه، قد كانت واضحة جداً منذ لحظة إعلانه المشهور لتلك "الحرب التي لن تنتهي حتى يتم العثور والقبض وإلحاق الهزيمة بكل واحدة من الجماعات الإرهابية ذات النشاط الدولي". وكان الواجب أن تقرع أجراس الإنذار، منذ اللحظة التي أطلق فيها بوش عبارة "محور الشر" في وصفه لثلاث دول لا تربطها أدنى صلة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولا حتى علاقة تذكر ببعضها بعضاً، ضمن تصريحاته النارية الواردة في خطابه الأول عن "حالة الاتحاد" الذي تلا هجمات 11/9 مباشرة. غير أن الذي حدث، هو ميل الأميركيين للثقة برئيسهم وقائدهم في البيت الأبيض، وتوليته أمرهم، خاصة وأن مشاعر الحزن والصدمة من هول الهجمات كانت طاغية ومخيمة على الجميع. وها هي سنوات طويلة قد مضت الآن، حتى أفاق الأميركيون من هول تلك الصدمة، ليدركوا مدى الخيانة التي تعرضت لها ثقتهم المطلقة تلك بالرئيس الذي ولوه أمرهم. لكن وعلى رغم مرارة هذه القصة، فإنها تبقى قابلة للفهم والإدراك على أي حال. كما أنه لم يكن هناك ما يثير الدهشة ولا الاستغراب، في الانتصارات الانتخابية التي حققها "الجمهوريون" في عامي 2002 و2004 على التوالي. فالشاهد أن الشعوب دائماً ما تلتفُّ حول قادتها وتساندهم في أوقات الحرب، بصرف النظر عن مدى سوئهم أو مدى هشاشة الدوافع والأسباب التي شنت من أجلها تلك الحرب. وعليه فإن السؤال الملح الآن هو: إلى أي مدى يستطيع الجمهور الإفاقة من تلك الغيبوبة والوعي بحقيقة ما يجري حوله وباسمه؟ ومما يبعث على الاطمئنان حالياً أن الكثيرين من الأميركيين قد أفاقوا بالفعل، بعد سنوات أمضوها تحت تأثير اللاوعي. وليس أدل على هذا الصحو، من إدلاء الناخبين الأميركيين بأصواتهم في انتخابات نوفمبر الماضي، مدفوعين في ذلك بدافع رئيسي، هو وضع حد لتلك الحرب الخاسرة وغير المبررة التي شنها بوش. لكن مع ذلك، فها هي الحرب تستمر، وكذلك تستمر معها خسائرها ودمارها المريعان. وحرصاً منه على الإبقاء على حربه هذه متقدة ومشتعلة، فها هو بوش وقد استل مرة أخرى فزاعة الخوف التي شن الحرب بسببها، بعد طول غياب وانقطاع أثر. فكما نذكر، كان بوش قد تعهَّد أمام شعبه، بأن يأتي بأسامة بن لادن، حياً أو ميتاً، في أولى تصريحاته التي أعقبت هجمات سبتمبر مباشرة. لكن وبعد مضي تسعة أشهر فحسب على تلك التصريحات، بدا بوش غير مهتم بتنفيذ ذلك الوعد مطلقاً. وقد عبّر عن هذا الموقف الجديد بقوله في شهر مارس من عام 2002: "ليس لزاماً عليَّ القول إنه -في إشارة لأسامة بن لادن- محور عمل أي من الهياكل القيادية". بل لقد أضاف بوش قائلاً: "إنني لست مهتماً به بحق"!!! على نقيض ذلك تماماً، وفي ما نذكر جيداً في عام 2003، فإن بوش لم يذكر في خطابه السابق لحربه الكاسدة على العراق تلك، اسم أسامة بن لادن -الرجل الأول المسؤول عن هجمات 11/9 سوى سبع مرات فحسب. وربما كان السبب علمه بألا علاقة لأسامة بن لادن ولا بالعراق بحربه تلك! غير أن بوش اضطر لنفض الغبار عن أسامة بن لادن، وإعادته إلى محور اهتمامه مجدداً. وبالنتيجة، فقد كرر بوش في خطابه الأخير الذي ألقاه الأسبوع الماضي، اسم الرجل 11 مرة، رابطاً بين ذلك التكرار المستمر، والتحذير من مغبة عودة تنظيم "القاعدة" مرة أخرى، في حال مغادرة بلادنا وانسحابها من العراق. أما "الديمقراطيون" الذين استبد بهم الخوف من أن يتهموا بالضعف في مواجهة الإرهاب، وبعدم مساندة قواتنا في وقت الحرب، فما كان منهم إلا أن رضخوا وصادقوا على تمديد تمويل الحرب لعام آخر. وهكذا بتنا أمام عام آخر على الأقل، من اتساع مقابر أرلينجتون القومية، بفلذات أكبادنا، وأرواحهم التي يغامر بها من لا يدركون فداحة تكلفة الحروب.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)