لا نملك أي وثائق أو تقارير عن تعاون ما بين السينيورة والغادري، لكنهما يملكان آلية تبدو وكأنها تشكل "مساحة" سياسية واحدة، وترسم ملامح "الوجه" السياسي المرتقب، فالمشكلة ليست في زيارة الغادري إلى إسرائيل، فالرئيس أنور السادات فتح علينة الاتصال بالقادة في تل أبيب، والمسألة أيضا تتعدى استعجال السنيورة في ظهور "قوة تنفيذية" أجنبية داخل لبنان. فما يحدث هو تكون "صورة السياسي" كنجم مسرحي" أو ربما كبطل من ملهاة كوميدية ربما نسي "دانتي" أن يكتبها.

القضية الأولى التي يثيرها تصرف الرجلين هو انعدام الثقة بالمجتمع، فالغادري عدا عن كون خطابه المعارض موجه أساسا باللغة الإنكليزية، فإنه يظهر براعة في معرفة رغبات السياسة الدولية، ويتحرك متجاهلا بشكل أساسي أن الديمقراطية تقتضي نوعا من الثقة بالناس، وبوجهتها بشأن "العدو". بينما يعبر السينيورة عن عدم ثقة بأي تدبير سياسي رغم الافتراق داحل الشارع اللبناني، محاولا تجاهل إمكانية التعامل مع مسألة المحكمة دون قوة تنفيذية خارجية، فمعارك نهر البارد أثبتت وجود مثل هذه القوة محليا.

عمليا فإن الخوف عند الشخصين ينبع من ضياع الفرصة التي يتيحها الظرف الدولي، فالسنيورة الذي جازف باستقبال وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في أحلك أيام لبنان، وربما تحمل خطابها المليء بالموت، ثم أهدر دموعه أمام وزراء الخارجية العرب، هو نفسه الذي يتحدث اليوم عن أن المحكمة ليست لصالح طرف ضد آخر، منبها عبر خطابه هذا إلى مسألة المصالح المتنافرة، لكنه في نفس الوقت يعترف باقتسام المصالح طالما أنه استعجل "البند السابع" في مذكرته إلى الأمم المتحدة.

أما الغادري فربما يدرك وهو يرى صورة نوري المالكي أن الظرف السياسي لن يترك له مجالا واسعا وأن عليه التحرك أكثر، حتى يقنع البعض بأن السياسة السورية يمكن "اختصارها" باجتياز المسافات نحو تل أبيب، لأن "مسألة السلام المتعثر" ستلفت النظر إلى طاقته في اختراق مساحات الدم التي تخلفها إسرائيل في غزة.

وفي المقابل فإن القضية الثانية التي يثيرها الرجلين هو فهمهما الخاص لمسألة "السيادة"، وربما تصبح التنظيرات التي يمكن أن يقدموها مستقبلا جزء من "القانون الدولي"، فمسألة سيادة الدولة تدخل على ما يبدو مع مفاهيم الديمقراطية، لتصبح جزء من ليبرالية العالم الذي يقرر سيادة الدول، فالسينيورة كان قادرا على عقد لقاءات تشاورية جعلت سيادة لبنان خاضعة للتصويت، في وقت يعجز فيه عن لقاء "الطرف الآخر" في بلاده...

وربما لا يختلف الغادري كثيرا طالما أنه يطرح نفسه على قمة "الهرم" السياسي السوري ولكن في العواصم العالمية، وهو بذلك شكل ظاهرة خاصة لأنها جعلت الطامحين على هذه القمة يرسمون "الهرم" السياسي على شاكلة الأشخاص أو معاناتهم الشخصية، أو حتى انهيار مساحاتهم الاقتصادية.

رجل السياسة "القادم" ليس ديكتاتورا أو مستبدا أو حتى شخصا عاديا ينتمي إلى التكنوقراط، بل شخص قادر على تكسير "الدولة" لكنه عاجز أيضا على جعلها تتلخص في شخصه، فلا ينجز دولة تولتارية ولا يستطيع أيضا خلق تكوين ديمقراطي، فينقل السيادة إلى مؤتمرات دولية يتم عبرها التصويت على أي خلاف سياسي تحت "البند السابع"، حتى ولو تم هذا التصويت داخل قصر في باريس أو شقة في واشنطن.