JPEG - 23.6 كيلوبايت

بشير البكر

وجه رئيس معهد العالم العربي دومينيك بوديس رسالة صريحة للمسؤولين العرب “لا أريد منكم دعما معنويا فحسب، بل دعما ماليا أيضا”، ونبه إلى خطورة الموقف المالي الذي يعيشه المعهد، ودعا العرب أن يعوا “قبل فوات الأوان”، أهمية هذه المؤسسة الثقافية المرموقة، وما يمكن أن يلحق بأدائها ويؤثر سلباً في مستقبلها ككل، لاسيما وان مساهمة العرب في موازنة المعهد تراجعت خلال السنوات الماضية من 40 إلى 10 في المائة، الأمر الذي قد يترتب عليه تغيير التوجهات العامة. وهناك معلومات تتحدث منذ حوالي سنة عن اتجاه لدى أوساط فرنسية رسمية لإلغاء البعد العربي للمعهد، واستبداله بآخر إسلامي أو متوسطي أوروبي... الخ.

سواء صح ذلك أم لم يصح فإن مرحلة جديدة في تاريخ المعهد بدأت تتشكل ملامحها، وأهم عناوينها هو تراجع الدور العربي، بل تقاعسه واستقالته عن ممارسة مسؤولياته، هذا في الوقت الذي تنشغل فيه باريس بالحديث عن فضيحة السطو على محتويات المتحف التابع للمعهد، والتي نسبت إلى مديره إبراهيم العلوي، وتبين في خاتمة المطاف إنها عبارة عن عملية سوء تنظيم لا أكثر، لكن الطريقة المتسرعة التي عالجت بها إدارة المعهد القضية أساءت لسمعة المعهد، وكادت أن تظهره كوكر للصوص، ووصلت الأصداء حتى صنعاء التي اعتقدت أن بعض آثارها المعارة للمتحف، وقعت ضحية السرقة.

هل تكلل احتفالات معهد العالم العربي بذكرى انطلاقته العشرين في نهاية هذا العام، بحل جذري للأزمة المالية التي ما انفك يعاني من وطأتها منذ عدة سنوات؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه اليوم في باريس، بعد أن وصل الوضع إلى نقطة حرجة استدعت اللجوء إلى خطة تقشف قاسية، بدأت بتسريح مجموعة من العاملين (تسعة موظفين)، والاستغناء عن جزء من النشاطات. ويطرح هذا السؤال بعد وقت قصير من وصول دومينيك بوديس في شباط/فبراير الماضي إلى رئاسة المعهد، وتمكنه خلال وقت قصير جدا من التوصل إلى إعادة التوازن إلى الموازنة المالية، لكن يبدو إن مهمة الرئيس الجديد لن تكون سهلة كما تبدو من الخارج، أو هي على الأقل لن تقتصر على إعادة تقويم الموقف المالي، الذي يعد احد البنود المطروحة على جدول الأعمال الحافل، بل ستكون متركزة أكثر على إحداث نقلة نوعية في طبيعة عمل المعهد، تنقله نحو آفاق جديدة.

وصل بوديس إلى منصبه وفي الأجواء تخيم سحابة كبيرة من الشائعات، وكلها تتعلق بالوضع الداخلي للمعهد، والمستقبل الذي ينتظره. ومنذ فترة يجري الحديث في بعض الأوساط العربية والفرنسية، عن توجه لدى السلطات الفرنسية لفك الشراكة التي قام المعهد على أساسها، والقائمة على تقاسم الأعباء المالية، بحيث تتحمل فرنسا نسبة 60 في المائة من التكاليف. وتقول الأحاديث المتداولة في بعض الأوساط إن فرنسا قد تتخذ قرارات لا ترضي الجانب العربي، الذي تراجعت قيمة التزاماته المالية حسب ما جاء في مؤتمر صحافي عقده بوديس مؤخرا إلى نسبة 10 في المائة. وهناك من يعتقد بأن فرنسا سوف تقوم بتغيير الطابع الراهن للمعهد، وتعطيه صبغة أخرى بحيث تلغي جانبه العربي، وتستعيض عنه ببعد آخر إسلامي فرنسي، أو متوسطي فرنسي يتم إدماج “إسرائيل” في عضويته. ويخمن البعض إن الصيغة المثلى اليوم هي إنشاء معهد أوروبي مع العالم الإسلامي، أو مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط، بدلا من حصر القضية بين فرنسا والعرب.

وبغض النظر عن الخيارات المطروحة التي تبقى حتى الآن نسجا على منوال الأزمة التي يعيشها المعهد، فإن كافة التصورات تنطلق من مسألة صارت شبه بديهية وهي فشل الشراكة العربية الفرنسية. وقد لا يكون التغيير بين عشية وضحاها لكنه صار على نار هادئة، ومهما كانت الصيغة النهائية، فإن العملية تحتاج إلى قرار سياسي فرنسي من اعلي المستويات، أي من طرف رئيس الجمهورية، فالمعهد الذي كان مشروع الرئيس فاليري جيسكار ديستان، وقام الرئيس فرانسوا ميتران بتحقيقه، وعمل الرئيس جاك شيراك على تعزيزه، ها هو ينتظر موقفا تاريخيا من طرف الرئيس نيكولا ساركوزي.

إن الوقوف أمام الوضع الصعب للمعهد يستدعي الاعتراف بجملة من الحقائق، حتى لا تختلط الأمور يبعضها بعضاً، ولا يجحف أحد حق أحد :الأولى، هي إن أزمة المعهد لم تحصل فجأة، وهي ليست وليدة خسارة في البورصة، أو أنها ناجمة عن الارتفاع في أسعار النفط، بل هي محصلة لسلسلة من الأخطاء الإدارية الفرنسية التي تراكمت على مدى سنوات، وأخطرها كان القرار الذي اتخذه الرئيس الأسبق للمعهد كميل كابانا، بوقف العمل بمبدأ المساهمة المالية العربية الدورية، والاستعاضة عنها بمبلغ مالي مقطوع يتم تجميده، واستخدام فوائده لتغطية النفقات.

وحين تبين بعد عدة سنوات عدم قدرة هذا الإجراء على تلبية الاحتياجات، صارت كرة التقصير ترمى في مرمى العرب. والحقيقة الثانية هي، إن الأزمة لا يمكن حصرها فقط بالجانب المالي مثلما يريد البعض. إن المال ليس سوى الأكمة التي تخفي ما وراءها، أو هو رأس جبل الجليد العائم الذي يغطي تحته حكايات كثيرة، لا يريد احد من الذين تعاقبوا على إدارة هذه المؤسسة في السنوات الأخيرة، أن يدعها تخرج إلى العلن، وبالتالي يمكن القول من دون أدنى شعور بالحرج، إن المشكلة تتجاوز المال إلى العقلية التي يدار بها هذا المعهد من طرفيه الفرنسي والعربي، وعلى من يمتلك الشجاعة الكافية إن يفتح ملفات العقدين الماضيين، ليقف على حصيلة عمل كل من توالى على المناصب العليا (الرئيس الفرنسي، والمدير العربي، ومديرو الأقسام)، ودور ومسؤولية هؤلاء المباشرة عن تراجع إشعاع المعهد، الذي عششت فيه البيروقراطية وعدم الشفافية منذ البداية، وظلت تحتل حتى يومنا هذا مساحة كبيرة على حساب الخلق والإشعاع والوضوح، ولهذا صارت نشاطات المعهد في الآونة الأخيرة روتينية، تقتصر على معارض، ندوات، ومهرجانات، وكفى.

سارت الأمور طيلة الفترة الماضية على هذا النحو، وجرى غض الطرف عن التقصير الإداري والثقافي، وانعدام الكفاءة والخبرة، وتفشي المحسوبية، وتغليب الاعتبارات السياسية على الثقافية والمهنية. وليس سرا أن احد المديرين العرب اعترف مرة بأنه لم يقرأ قصيدة لشاعر مثل محمود درويش. هل يجب إن نغفر لمدير آخر أقر بأن ثقافته عن الرواية العربية تقف عند حدود “يوميات نائب في الأرياف”، التي كانت تدرس في المدارس الابتدائية في مصر؟ هل كان يجب إطلاق يد بعض المديرين الأبديين من الصف الثاني، لكي يكيّفوا نشاطات المعهد حسب مصالحهم الخاصة وعلاقاتهم الزبونية، فحول بعضهم القسم الخاص به إلى مزرعة، ومنصة للعمل لحسابه الشخصي؟

منذ فترة ليست قصيرة يسود الانطباع بأن ثمة شيئاً غير طبيعي يجري في المعهد، هناك انطباع قوي من الخارج، بأن قسما عاطلا عن العمل في عقل وضمير وقلب هذا المبنى الجميل الرابض على ضفاف نهر السين، الذي جرى التعويل عليه ليكون منارة ثقافية تعكس صورة مشرقة عن العالم العربي، وخصوصا في العقد الحالي الذي شهد الكثير من الدعوات، التي تبشر بضرورة قيام نظام تراتبي بين الثقافات، وتنادي بصدام وصراع الحضارات.

رغم جدارة هذا المعهد والاهتمام الذي يلقاه عربيا وفرنسيا، فإن الملاحظ عليه في السنوات الأخيرة، هو انه بدأ دورة من التراجع والهبوط، تمثلت على نحو ملحوظ في الاستغناء عن الكثير من الفعاليات والنشاطات، وبدأت عملية تسريح لبعض الموظفين، ترافقت مع حركة إضرابات. ورغم إن مشاكل المعهد لا تحصى لم تجد الإدارة سببا تعلق عليه حصاد الفشل سوى المال، وعلى اعتبار إن فرنسا ملتزمة بتسديد حصتها وأكثر، فلا ضير من إن ترمي مسؤولية التعثر على ظهر العرب. ولو لم يتم الكشف عن الفضيحة الخاصة بمدير المتحف في المعهد إبراهيم العلوي، لكان تم اختصار كافة المشاكل بالجانب المالي، ولقال قائل إن المعهد لا غبار عليه، وهو يعمل مثل ساعة سويسرية ولا ينقصه سوى دفع رواتب الجيش الكبير من الإداريين، الذين صاروا عالة على المعهد والثقافة العربية في نفس الوقت، لكن لحسن الحظ إن فضيحة العلوي جاءت في هذا الظرف، ورغم إن تهمة سوء التصرف الموجهة إليه سقطت وتم العثور على جميع القطع الفنية، فإن ذلك يكشف عن خلل كبير في الهرم الإداري، الذي يتولى توجيه هذه المؤسسة، وعن سوء تنظيم لا حدود له. فهل يعقل إن المتحف الذي يعد احد كنوز المعهد يعاني من خلل إداري بهذا الحجم، أي إن موجوداته لم يتم حتى جردها، في حين إن الإدارة لا تكف عن مناشدة العرب التبرع من اجل إعادة تأهيله، وكانت كل من السعودية والكويت تقدمت بهبة مليون يورو لهذا الغرض.

صحيح إن الحجة المالية هي أسهل أسباب العاجزين والبيروقراطيين الفاسدين، لتفسير تراجع نشاط المعهد في الأعوام الأخيرة، ولكن مع ذلك تقتضي الأمانة الاعتراف بأن قسطا من الأزمة يرجع إلى عجز مزمن في الموازنة السنوية، يعود في جانب منه إلى عدم تقدير بعض الدول العربية إن رسالة المعهد لا توزن بمال، ولكن هذا يجب ألا يغطي على إن الجانب الآخر سببه تجاوزات واختلالات يفسرها الكثير من المراقبين بالبيروقراطية، وغياب المحاسبة، و تحول المعهد إلى مركز حكومي يعج بالموظفين والمديرين والمستشارين الذي لا يستشارون، هذا بالإضافة إلى الفساد والمحسوبية.

يعد بوديس الرئيس الثالث للمعهد في غضون اقل من خمس سنوات، وهو احتل موقعه هذا في فبراير/شباط الماضي خلفا للرئيس السابق ايف غينا الذي عينه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في رئاسة المعهد من منطلق الصداقة فقط، ومنذ تاريخ تسلم هذا الرجل الذي تجاوز الثمانين مهامه سنة ،2005 بدأ المعهد رحلة الهبوط، على اثر الإجراءات التقشفية التي أقدم عليها لسد الفجوة الكائنة في الموازنة العامة، وهنا أخذت تتكشف على نحو فاقع علل المراحل السابقة، التي كانت تخفيها دوشة النشاطات. وقد حاول بوديس منذ وصوله إن يعيد الأمور إلى نصابها، فقام بسلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى إعادة إطلاق الماكينة من جديد.

خلاصة القول إن المشكلة المالية واحدة من مشاكل المعهد، وليست الوحيدة، ولتستقيم الأمر ويعود المعهد لإشعاعه السابق، إلا إذا بدأ عملية إصلاح شاملة تستهدف قبل كل شيء تفكيك مراكز البيروقراطية، فليس بالمال وحده يزدهر العمل الثقافي. وهناك ملاحظة أخيرة وأساسية تتعلق بالجانب العربي، فالدور العربي في المعهد لم يكن غائبا في تاريخه مثلما هو عليه اليوم، إلى حد انه لا حضور له لا في السياسات المالية ولا الثقافية، وهذا التقاعس هو الذي يوفر أفضل غطاء للتخلي عن البعد العربي للمعهد، وهو نتيجة طبيعية لتغليب العرب في كل مرة خلال اختيار مدير المعهد خيار الولاء على الكفاءة.