الوضع الأمني والاقتصادي في فلسطين مهيّأ تماماً لاستقبال تنظيمات غير تلك الموجودة في الساحة الفلسطينية، ذلك لأن تجربة التنظيمات الفلسطينية لا تعطي أملاً كبيراً لعدد لا بأس به من الفلسطينيين. كثر هم الفلسطينيون الذين يرون في التنظيمات الفلسطينية القائمة حالياً غير فاعلة وقاصرة عن تحقيق الأهداف المعلنة مثل عودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتتعزز هذه الرؤية عندما تتم مقارنة أعمال هذه التنظيمات بتنظيمات أخرى مثل حزب الله والقاعدة. هناك انطباع قوي وشبه شامل لدى الفلسطينيين بأن حزب الله يمثّل النموذج الثوري الحقيقي على الساحة العربية، وأنه يختلف في تركيبته وتنظيمه وأدائه ووسائله عن الفصائل الفلسطينية. وهناك من الفلسطينيين من يرى في تنظيم القاعدة معبّراً عن الأسلوب الصحيح الذي يجب اتباعه في مواجهة أهل الغرب الذين، وفق أغلب الفلسطينيين، يذيقون الأمة كأس الذل والهوان. من بين الفلسطينيين من يرغب في نسخ تجربة حزب الله، أو أن يصبح عضواً في تنظيم يقيمه حزب الله، ومنهم من يرى أن طريقة المواجهة التي تتّبعها القاعدة هي الأمثل.

فلسطين في فكر القاعدة تعتبر القاعدة فلسطين ساحة قتال رئيسية يجب العمل فيها مباشرة ضد الكيان الصهيوني. تعتبر القاعدة إسرائيل كياناً مصطنعاً وغازياً إحلالياً يحتل أرض المسلمين، ويسيطر على مقدسات إسلامية، وعلى مسرى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى أولى القبلتين وثالث الحرمين. ترى القاعدة أنه يجب مقاتلة إسرائيل بهدف إزالتها نهائياً وطرد اليهود من فلسطين، ورؤيتها في ذلك لا تستند فقط إلى استعادة الحقوق، بل بشكل رئيسي إلى قاعدة شرعية توجب على المسلمين القتال من أجل دحر الذين يقاتلون المسلمين ويطردونهم من ديارهم ويظاهرون على طردهم. لا تعترف القاعدة بتجزئة العالم الإسلامي، وهي بالتالي تنظر إلى فلسطين كقطعة جغرافية من ولاية الشام، ولا تنظر إليها كوحدة سياسية يجب أن تتحول إلى دولة مستقلة. فلسطين بالنسبة إليها عبارة عن أرض إسلامية لا أرض فلسطينية، ولا يملك الفلسطينيون حق التنازل عنها أو عن أي جزء منها. هذا ينطبق أيضاً على العرب الذين لا حق لهم، حتى لو أجمعوا، في التنازل عن فلسطين أو عن أي جزء منها.

القاعدة ضد الاتفاقات تقول القاعدة بأنها تشن هجماتها ضد الذين يذلّون الأمة الإسلامية وينتهكون حرماتها وينهبون ثرواتها ويقتلون أبناءها وعلى رأسهم الولايات المتحدة. أميركا، بالنسبة إلى القاعدة، هي رأس الأفعى، وهي التي تستأجر الحكام العرب، وهي التي تقدم كل الدعم لإسرائيل، وإذا ضعفت فإن الحكومات العربية ستضعف، وكذلك إسرائيل. إسرائيل هي حليفة الأنظمة العربية، والطرفان يعملان على تطويع المسلمين لخدمة مصالح الغير. تقف القاعدة ضد اتفاق أوسلو على اعتبار أنه تنازل عن المقدسات واعتراف بكيان غير شرعي، وتقول بأنه وما تمخض عنه من اتفاقات حرام شرعاً ولا يجوز لمسلم أن يقبله أو يتعامل معه بإيجابية. اتفاق أوسلو، بالنسبة إلى القاعدة، لا يمكن تشبيهه بصلح الحديبية لأن ما يقوم به رسول بوحي من الله لا يمكن أن يؤتى به لتشبيهه بأعمال البشر الاجتهادية، ولا يمكن تشبيه ياسر عرفات بالرسول محمد عليه السلام، ولا المفاوضين الفلسطينيين بالصحابة الأجلّاء. القاعدة ليست رومانسية في ما يتعلق بالذين فاوضوا إسرائيل ووقّعوا معها الاتفاقات، وهي ترى أنهم غارقون في الخيانة حتى آذانهم. هي لا تحسن الظن بالمفاوضين الفلسطينيين والموقّعين، وترى أنهم أصحاب ارتباطات قديمة مع أميركا ومع إسرائيل ودول غربية، وأنهم كانوا من أصحاب الحظوة لدى أهل الغرب في الفترات التي سبقت مؤتمر مدريد. هي ترى أن عدداً من المفاوضين يحملون جنسيات غربية، وبعضهم الآخر كان يحصل على تسهيلات تجارية وامتيازات مالية ودعم إعلامي من الغرب ومن إسرائيل، أي أن هؤلاء كانوا ينتظرون لحظات ضعف الفلسطينيين والمسلمين عموماً من أجل تنفيذ برامجهم التي تصبّ في مصلحة إسرائيل. وقد نبّهت القاعدة مراراً شفاهةً وكتابةً عبر خطابات قادتها المعدّة مسبقاً، وعبر مواقعها على الإنترنت إلى خطورة ما يقوم به المفاوضون الفلسطينيون، واعتبرتهم هم أنفسهم خطراً على القضية الفلسطينية.

الدخول إلى فلسطين لهذا حاولت القاعدة أن تدخل فلسطين، وبالتحديد الضفة الغربية وغزة، وأن تقيم فيها امتداداً تنظيمياً. لا بد من أنها تتصل بفلسطينيين من هنا وهناك عبر وسائل مختلفة عسى أن تجد من بينهم من يحمل معها عبء التنظيم والقيام بعمليات عسكرية ضد أهداف صهيونية. وهي لا بد تحاول أن تتصل بأناس من الأرض المحتلة/1948 لتكون أكثر قدرة على المناورة والتجهيز والتنفيذ. تقديري أنها تبحث وتتفحّص وتقوّم، وأظن أن تركيزها على الفلسطينيين في الأردن أكثر من تركيزها على الموجودين داخل فلسطين، وذلك بسبب سهولة الاتصال. سمعنا عبر وسائل الإعلام أن إسرائيل اكتشفت خلايا تابعة للقاعدة في فلسطين سواء في أراضي 48 أو 67، لكننا لم نسمع تفاصيل. هناك أقوال بأن بعض عناصر تنظيم القاعدة قد قُبض عليهم من قبل أجهزة الأمن الصهيونية، وحوكموا وحُكم عليهم بالسجن، لكن لا يوجد وضوح حتى الآن في هذه المسألة، ولم يتسنَّ لنا التحدث مع محامين اطلعوا على إفادات المعتقلين. على الرغم من ذلك، محاولات القاعدة ستستمر، وأرى أنها ستنجح في النهاية. مشكلة القاعدة الأساسية في التنظيم، التي هي مشكلة حزب الله أيضاً، تكمن في التراث التنظيمي الفلسطيني المهلهل. اعتاد التنظيم الفلسطيني أن يكون علنياً، وأن يناضل عبر شاشات التلفاز ووسائل الإعلام، وهي عادة مكّنت إسرائيل من التعرف بأسرار التنظيمات الفلسطينية، ومن القبض على العديد من الخلايا وتفكيكها وسجن أعضائها. في فلسطين، كثير من الناس يُنظّموا عبر الهاتف أو جهاز الفاكس أو الإنترنت التي تخضع جميعها للرقابة الإسرائيلية. فمثلاً، قُبض على خلية بنابلس قيل إنها تابعة لحزب الله لأن أعضاءها كانوا يسيّرون أعمالهم التنظيمية من خلال الهاتف. وإذا كانت خلايا للقاعدة قد فُكّكت وقُبض على أعضائها فذلك بسبب غياب الحرص الأمني.

خصوبة الأرض الأرضية خصبة في فلسطين لتنظيم القاعدة لأن هناك من بين المتديّنين وغير المتديّنين الذين يؤمنون بأن منهج القاعدة هو المنهج الوحيد والصحيح للقضاء على إسرائيل ولمواجهة الهيمنة الأميركية. وعلى الرغم من الحملات الشديدة التي تشنّها جهات متعددة ضد القاعدة، إلا أن العديد من الناس يجهرون بتأييدهم لها، ويعبّرون عن استعدادهم للانخراط في صفوفها. بتقديري أن هذا ناجم من أمرين: أولهما هو أن التنظيم يلبّي تطلعات بعض الناس ويعبّر عن فلسفتهم في المواجهة، وثانيهما أن التنظيم يشفي غليل بعض الناس أحياناًَ، وخاصة عندما يضرب مصالح غربية. تقديري أن تنظيم القاعدة سينجح في النهاية في تشكيل خلايا في فلسطين، إن لم يكن مباشرة عبر الاتصال المباشر مع القيادة، فبصورة غير مباشرة تُستلهم من طريقة عمل القاعدة في بلدان عدة، أي بصورة غير مركزية. وإذا نجح في ذلك فإنه سيستهدف إسرائيل ما أمكن، والقيادات الفلسطينية التي تقيم علاقات معها. من المتوقع أن يكون رموز أوسلو وقادة الأجهزة الأمنية، وقادة الفصائل الممالئة لأوسلو أهدافاً. ولن تكون المواقع الأجنبية مثل القنصليات ومراكز البحث والترويج للثقافة والفكر الغربيين خارج دائرة الاستهداف. على كل حال، تنظيم القاعدة يتمدد في مختلف أنحاء الوطن العربي، ولن تكون فلسطين الحلقة الأخيرة في تمدده.