تثير الأنباء التي تتداولها وسائل الإعلام، بين حين وآخر، حول ظهور مؤشرات لوجود خلايا تابعة لتنظيم «القاعدة»، أو قريبة منه، أو تحمل فكره الذي بات بضاعة عالمية، في فلسطين، ولا سيما عند حدوث عمليات «من طراز خاص» كاغتيال بعض الشخصيات الأمنية، أو خطف أجانب، أو استهداف أماكن تجارية وعامة وإحراقها، أسئلة جدية ومقلقة وخطرة، ليس فقط بسبب تماهي ذلك مع رغبة إسرائيل في استغلال هذا النوع من الأنباء، أو المؤشرات، لاستكمال مشروعها في تهويد ما بقي من مدينة القدس ومحيطها وإخراجها من دائرة التداول، واستكمال بناء جدار الفصل العنصري وضم الكتل الاستيطانية وغور الأردن، ووضع النتف الجغرافية الباقية في الضفة الغربية في بازار المقايضة في المستقبل، على إيقاع التصعيد العسكري، وتحت ظلال «الحق في محاربة الإرهاب»، بل أيضاً لأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالأخص قطاع غزة الذي يضم أكبر كثافة سكانية في العالم، تشكل تربة خصبة لانتشار أفكار «القاعدة» وشطحاتها نتيجة انسداد الأفق السياسي وارتفاع منسوب الإحباط من إمكانية تحقيق أية خطوة جدية على طريق التسوية، سواء وفق المبادرة العربية أو «خريطة الطريق» أو سواهما، وتعانق ذلك مع انهيار الأوضاع الأمنية وعودة «الإخوة الأعداء» في «حكومة الوحدة» (فتح وحماس) إلى فتح بوابات الاقتتال الداخلي وتحويل قطاع غزة إلى جحيم لا يطاق، وتواصل الحصار الاقتصادي والمالي الذي دفع الفلسطينيين إلى مربع الجوع الحقيقي، ناهيك بالإحباط واليأس الناجمين من محاولات إسرائيل والولايات المتحدة، ومن خلفهما ما يسمى «المجتمع الدولي» وبعض النظام العربي الرسمي، وأد التجربة الديموقراطية في فلسطين وعدم الاعتراف بنتائجها. هذه المؤشرات التي لم تقف عملية ترويجها على الاحتلال الإسرائيلي الذي اعتقل، قبل مدة، فتى في السابعة عشرة من العمر وطالباً جامعياً، وأعدّ لهما لوائح اتهام تتضمن الانتماء إلى تنظيم «القاعدة» والتخطيط لاستهداف مواقع إسرائيلية، بل تجاوزت ذلك إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي أدلى بتصريحات ضبابية غامضة مفادها أن «القاعدة» موجودة في فلسطين «فكرياً بشكل أساسي»، وكذلك إلى «مصادر أمنية أردنية» قدمت مجموعة من التنبّؤات والتحليلات والاستنتاجات في إطار حقائق حول وجود خلايا قاعدية هناك. هذه المؤشرات يمكن إجمالها برزمة معطيات أبرزها: ظهور شريط فيديو على بعض مواقع الإنترنت حول اغتيال اللواء في الأمن الفلسطيني جاد التايه، أظهر صوراً وأحاديث تعلن تبنّي ما سمي «تنظيم القاعدة في فلسطين» لعملية الاغتيال، توزيع بيان في قطاع غزة تتبنّى فيه «القاعدة» محاولة اغتيال مدير الاستخبارات العامة طارق أبو رجب، تأكيد مصادر أمنية فلسطينية وجود علاقة قوية ما بين الجماعة التي تخطف الصحافي البريطاني آلن جونستون منذ الثاني عشر من آذار الماضي (جيش الإسلام) وتنظيم القاعدة بدليل مطالبة هذه الجماعة بإطلاق سراح المدعو أبو قتادة، الذي يعتبر الأب الروحي لـ«القاعدة» في أوروبا، من السجون البريطانية، توزيع العديد من البيانات المثقلة بفكر «القاعدة» في قطاع غزة، التي حملت أسماء تنظيمات مجهولة مثل «سيوف الحق الإسلامية» و«كتائب التوحيد» و«الجماعة السلفية» وسواها. ومع أن ثمة شكوكاً كبيرة في صحة المزاعم التي تسعى إلى تكريس المخاوف المتعلقة بتسلل «القاعدة» إلى فلسطين، انطلاقاً من الوضع الخاص للأراضي الفلسطينية التي تقع تحت الاحتلال، وعدم وجود مكان للعنوان العريض الذي ترفعه «القاعدة»: إحياء فريضة الجهاد، لكون الفلسطينيين أصحاب الجهاد والكفاح بامتياز، إضافة إلى انتفاء ذريعة السعي إلى مقاومة «حكومة تدّعي الإسلام وهي كافرة» بسبب هيمنة الاحتلال على كل شيء في فلسطين، إلا أن هناك من يذهب إلى أن القضية الفلسطينية شكلت أحد أهم محاور خطاب «القاعدة» السياسي منذ إعلان تشكيل ما يسمى «الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين» عام 1998، وأن هذا الاهتمام عبّر عن نفسه من خلال العملية التي نفّذها التنظيم في مدينة مومباسا الكينية في 28 تشرين الثاني 2002 ضد سياح إسرائيليين، وذهب ضحيتها نحو 150 قتيلاً. وللتدليل على اهتمام السلفيين الجهاديين بالقضية الفلسطينية، يذكّر أصحاب هذه الوجهة بقيام «الإخوان المسلمين»، عقب هزيمة 1967، بإنشاء معسكرات خاصة في غور الأردن عُرفت باسم «معسكرات الشيوخ»، كان أبرز رموزها الشيخ الفلسطيني عبد الله عزام الذي يعتبر الأب الروحي لتنظيم «القاعدة» وزعيمها أسامة بن لادن، ويذكّرون بتجربة الدكتور صالح سرية في تأسيس حركة جهادية إسلامية لتحرير فلسطين، وبأطروحاته الفكرية، ولا سيما «رسالة الإيمان» التي شكلت الأساس الأيديولوجي العقائدي لمعظم الحركات السلفية الجهادية في العالم العربي، وكذلك بتجارب رزمة لا بأس بها من الشخصيات الفلسطينية التي تبنّت فكر «السلفية الجهادية»، من أمثال الشيخ عمر محمود أبو عمر «أبو قتادة الفلسطيني» المعتقل في بريطانيا، والشيخ عصام البرقاوي «أبو محمد المقدسي» المعتقل في الأردن، الذي كان قد أسس مع أبو مصعب الزرقاوي تنظيماً عرف باسم «بيعة الإمام» عام 1994، والشيخ عمر يوسف جمعة «أبو أنس الشامي» الذي التحق بتنظيم «التوحيد والجهاد» في العراق الذي أصبح يعرف بـ«تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين». وبعيداً من صحة ما يرى البعض أنه عمليات مسلحة لتنظيم «القاعدة» ضد أهداف إسرائيلية أو أميركية، كعملية إطلاق ثلاثة صواريخ كاتيوشا في اتجاه مدينة إيلات وخليج العقبة في 19 آب 2005، وإطلاق صواريخ غراد من جنوب لبنان في اتجاه مستوطنة كريات شمونة، وغير ذلك، فإن ثمة من يعتقد أن محاولات تسويق مقولة أن «القاعدة» استطاعت إيجاد موطئ قدم لها في الأراضي الفلسطينية، إنما تهدف إلى منح إسرائيل شرعية دولية لممارسة القتل والتدمير ضد الفلسطينيين بذريعة «محاربة الإرهاب»، وصبّ مياه إضافية في طاحونة الفتنة والاقتتال الداخلي، ناهيك بمحاولة خلط الأوراق وإزالة التخوم التي تفصل ما بين تنظيم «القاعدة»، فكراً وممارسةً، وبين الحركات الإسلامية الفلسطينية، وبالأخص حركة «حماس» التي حشرت نفسها بين مطرقة السلطة الهزيلة ومتطلباتها السياسية والعملية، وسندان التمسك بالمقاومة كحق مشروع لا يمكن المساومة عليه، وذلك في مقابل من يقدّر أن التحولات التي تشهدها «حماس»، ولا سيما بعد دخولها محرقة السلطة، وتوقيعها «اتفاق مكة» مع حركة «فتح»، مضافاً إليها الانسداد السياسي وتداعيات الحصار الاقتصادي والفلتان الأمني، ستساهم في توفير تربة خصبة لانتشار «القاعدة» التي ينظّر مؤيدوها بأنها «لا تقبل بديلاً من خيار المقاومة والجهاد، وترفض الدخول في أي نوع من المفاوضات» مع إسرائيل التي لم تلتزم يوماً بأي اتفاقات أو مواثيق. وكما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية التي استبعدت من النقاش المتعلق بالقضية الفلسطينية، بعدما صُنّفت، أميركياً وإسرائيلياً، منظمةً إرهابيةً قبل اعترافها بإسرائيل، عبر الرسائل المتبادلة ما بين ياسر عرفات وإسحق رابين عشية توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، ما أفسح المجال أمام ظهور الحركات الإسلامية الجهادية ممثلةً بحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، فإن السيناريو عينه مرشح للاستنساخ في ظل عدم وجود دعم عربي وإسلامي للفلسطينيين ووحدتهم السياسية والكفاحية، وتحت وطأة محاولات عزل «حماس» ووضعها في أتون أزمات لا تنتهي، حيث المرجح، في حال استمرار هذه الأوضاع، صعود وتنامي أيديولوجيا «القاعدة» والتنظيمات «السلفية الجهادية» التي ستضع القضية الفلسطينية في إطار مجالها الحيوي الإقليمي والدولي الذي تقارع من خلاله «الشيطان الأكبر»، وتزيل التخوم الوطنية التي تسم النضال الفلسطيني منذ عقود.