بعد 836 يوماً بالتمام مرت على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري شهد مقر الأمم المتحدة في نيويورك مولد القرار الأممي 1757 ،الذي مرر بغالبية الحد الأدنى عبر التصويت عليه في مجلس الأمن الدولي. القرار، ونتيجة لهذه الغالبية، أي عشرة أصوات مقابل خمسة امتنعت عن التصويت، اكتسب شرعيته القانونية شاهراً سيف المادة السابعة في ميثاق الهيئة الدولية التي دار ويدور وسيدور حولها وحول استناده لها الجدل في مقبل الأيام. إلا أنه وكنتيجة لامتناع الممتنعين عن التصويت افتقد الكثير من قيمته السياسية وكذلك ولذات السبب تدنت قيمته المعنوية. وكان افتقاده لهاتين القيمتين هو ليس بسبب من حصوله على غالبية الحد الأدنى عند التصويت عليه فحسب وإنما لسببين أخريين:

الأول، أن هناك ممن امتنع عن التصويت من هذه الدول، من لا يمثلها مندوبيها في مجلس الأمن ساعة التصويت فحسب وإنما مثلوا معها، و لاعتبارات إقليمية ودولية، ما هو أكثر من ذلك في الساحة الدولية... قطر مثلاً، كانت ترمز للمجموعة العربية في الأمم المتحدة، واندونيسيا، الدولة المسلمة الأكبر أو الأكثر عدداً في العالم المسلم، مثلت، معنوياً على الأقل، العالم الإسلامي برمته، وجنوب إفريقيا أنابت من حيث موقعها هذا عن مجموعة دول عدم الانحياز. أما الدولتان الباقيتان، وهما روسيا والصين، فبالإضافة لثقلهما الدولي وحجمهما المؤثر في السياسة الدولية، فهما دولتان تتمتعان بالعضوية الدائمة من بين خمس دول في مجلس الأمن، تمتلك، كما هو معروف، هذا الحق وبالتالي حق "الفيتو" النقض... هذا يعني أن هذا القرار يفتقد مريدوه ميزة ابتزاز معارضيه بحكاية إرادة ما يطلق عليه "المجتمع الدولي" إذ أن لا إجماع هذه المرة يسوغ هذه الذريعة.

الثاني، أن من صاغ مقترح القرار وتبناه وروّج له بل وبذل مابذل في سبيل فرضه، وحكاية الضغوط على الدول المترددة في الإقدام على التصويت لصالحه باتت معروفة، هي ثلاث دول، إنها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. وإذا كانت الولايات المتحدة، بالنظر لسياساتها الدولية في حقبتها البوشية المعروفة، ومحاولاتها انقاذ مشروعها المتعثر في منطقتنا العربية، أو استراتيجتها المعبر عنها بيافطة الشرق الأوسط الجديد ، وسياساتها الاسرائيلية، تلقي، بحماسها للقرار ومن ثم مساعي فرضها له، ظلالاً لا تنقشع تنبئ عن توظيفاته السياسية المأمولة بالنسبة لها في المنطقة، فإن الفرنسيين الذين لا يستطيعون التخلص من ذكرياتهم الامبراطورية الاستعمارية البائدة في الوطن العربي، والذين يجاهرون بافتخارهم بأنهم منشئي الكيان اللبناني الراهن بتجزئة ما تم تجزئته في اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة، بالتعاون مع البريطانيين بعيد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية، يكملون سياسات الرئيس المنتهية ولايته جاك شيراك فيما يتعلق بموضوع المحكمة المبتغاة، ويؤشرون على سياسات خلفه، الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي، الذي لايكتم هواه الأمريكي. أما البريطانيون، فمسألة التحاقهم أو تبعيتهم، لاسيما في المرحلة البليرية، للسياسة الدولية الأمريكية هي تعد من تحصيل الحاصل أو غدت خارج النقاش.

إذن ما الذي تريده الولايات المتحدة، و معها ما ملكت إيمان تأثيرها كقوة عظمى وحيدة في العالم على الأطراف الدولية المؤيدة أو التابعة، أوالملتحقة بسياساتها الكونية، من عملية فرض مثل هذا القرار، هذا الذي أجمع الممتنعون عن التصويت بما يمثلون، وجزء كبير من اللبنانيين، على أنه بمثابة سابقة دولية سوف تتيح التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومن شأنها أن تجيز انتهاك سيادتها، وذلك من خلال مبدأ الإلزام الذي يفرضه البند السابع الذي يستند القرار إليه؟! إنه سؤال يطرحه اليوم اللبنانيون والعرب، والعالم ممثلاً في الممتنعين عن التصويت، وفيما قالوه ضمناً عبر إيضاحاتهم لسبب هذا الامتناع.

مبرر هذا السؤال، بل وما يجعله ملحاً، هو الشعور بأن القرار قد جاء كتعبير صارخ عن سياسات دولية تحدو من وقفوا خلف استصداره، وليس حباً في سواد عيون لبنان ولا توخياً للعدالة. وبالتالي فإنه، وقد انقسم حوله مجلس الأمن كما انقسم وسينقسم حوله اللبنانيون، قد يسهم في إعاقة هذه العدالة لا تحقيقها... هذا إذا كان فعلاً هناك من يريد هذه العدالة حقاً، بعد طول انتظار شمل كل هذا الزمن الذي انقضى على الجريمة، بل لعل ضياع الحقيقة قد يخدم سياسات بعض دعاة المحكمة المحليين وفارضيها الخارجيين، خصوصاً وأن تشكيل مثل هذه المحكمة وفق هذا القرار، وحيث استبعد بشكل أو بآخر القضاء اللبناني، قد يستلزم من الوقت ما قد يزيد على عام قادم، لذا من الممكن القول أن انجازها لمهمتها سوف يحتاج إلى عدة سنوات، حيث أعطيت لها صلاحيات مفتوحة تشتمل على كل القضايا "ذات الصلة"، ناهيك عن كون التحقيق في الجريمة لم تنتهي فصوله بعد، اي لم توجه حتى الآن تهم لمتهمين محتملين أو تم تحديدهم...

ثم لو كان هدف توخي العدالة هو المنشود، وهو مطلب يجمع اللبنانيون أغلبية ومعارضة، وفق التوصيف الدارج للقوى لبنانياً، أو ليس من الأجدى أن تشكل هذه المحكمة، وفق ما ينادي به البعض،أي على أسس جزائية قضائية وبالاستناد بالضرورة إلى توافق لبناني لبناني، خصوصاً في هذا البلد المعروف بكيانيته الهشّة، والذي يعني صدور مثل هذا القرار أصلاً فشلاً تشريعياً وتنفيذياً وقضائياً له، وقبل ذلك وبعده، خطراً مؤكداً على استقراره، أو بمعنى آخر، فشلاً لتلك الشعارات التي يكثر اللبنانيون من رفعها بمناسبة ومن دونها، مثل: مبدأ الشراكة، وضرورات العيش المشترك، والوطن النهائي إلخ..؟! الأطراف الممتنعة عن التصويت على القرار، وبما تمثل، عبرت عن هذه المخاوف، ومن ذلك: الروس، الذين اعتبروا القرار "متسرعاً ومن شأنه أن يعمق الانقسامات في لبنان، " وقال مندوبهم في مجلس الأمن أنه قرار غير "متوازن"، أوضحوا: أن "الفصل السابع استخدم في محكمتي يوغوسلافيا ورواندا، حيث كانت هناك مذابح في مستوى مجازر عالمية. وهذا لا ينطبق على الوضع في لبنان. المجلس تجاهل (الرئيس) لحود وبني على رسالة (رئيس الوزراء) السنيورة. وعليه فإن القرار منحاز".

... والمندوب الصيني، قال: "لماذا لا نقلق على مضاعفات قرار كهذا؟!" أما مندوب قطر فاعتبره "خرقاً قانونياً، ويمكن أن يعقد الأمور في دولة هي بحاجة إلى تماسك في هذا الظرف... والفصل السابع لن يؤمن الاستقرار في هذه الدولة".

... ولعل مندوب جنوب إفريقيا كان الأكثر حسماً في تقييمه السلبي للقرار، حين قال: "لا يجوز فرض المحكمة بموجب الفصل السابع. ولا يحق للمجلس تجاهل الدستور اللبناني، ووحدة لبنان... لا يجوز للمجلس أخذ موقف من النزاع الداخلي اللبناني، وهذا الموقف يؤثر سلباً على استقرار لبنان، ويتعارض مع ركائز القانون الدولي". إذن القرار صدر بعد 836 يوماً من حدوث الجريمة. هذا في نيويورك، ليعلن بأن هناك بلداً عربياً قد أصبح تحت الوصاية الدولية... أو بلغة أخرى، و في ظل تعثر المشروع الأمريكي، وبحث أصحابه عن أقل الخسائر عبر ما يتسنى لهم من تسويات إقليمية تحفظ لهم الحد الأدنى من الهيمنة على المنطقة، قد أصبح بالنسبة للمتعثرين ورقة مساومة. وإن أقل ما يقال في خطورة التدويل الذي يأتي على حساب الدولة، هو وضع اللبنانيين في مواجهة بعضهم البعض، حيث سيحصدون، وهم أصلاً يعيشون في كيان مأزوم منذ أن وجد، ويعجزون عن الحد الأدنى من التوافق الذي يتيح لهم إدارته، كل ما هو نقيض لما يفترض أنه اتعاظهم من دروس الحرب الأهلية الباهظة الكلفة التي لم تشف جراحاتها وتداعياتها بعد. أي أنه في ظل هكذا قرار يرجح، كما يقولون، دواهي الانفجار على منشود الحوار، وسوف يسود بينهم وبتشجيع من دول قرار الوصاية هذا، منطق أما الغلبة أو الفوضى، بدلاً من شعارهم التليد، أو مقولة رئيس الوزراء الراحل صائب سلام، "التفهم والتفاهم"!

قرار نيويورك باستهدافاته وتداعياته قوبل بقرار آخر في بيروت جاء في نفس التوقيت وتزامن دونما صدفة مع الأول، فكان له مغزاه... أنه، و بعد عام كامل من إنهاء لجنة التحقيق عملها في مسرح الجريمة، يتم فجأة اتخاذ قرار ردم الحفرة التي نجمت عنها، ويتم، بعد تأخير مقصود، فتح الشارع المقفل الذي شهد حدوثها، الأمر الذي حدا كثيراً من اللبنانيين والمراقبين إلى التساؤل: ترى هل المطلوب هو عدالة المحكمة العتيدة أم استثمارها؟ّ

أي سيظل السؤال المطروح لبنانياً هو: ما دام أنه كان هناك إجماع وطني على هذه المحكمة فما الداعي لكل هذا الإصرار على التدويل الذي هو ليس إلا على حساب الدولة اللبنانية سيادةً ودستوراً واستقراراً؟! ... وعربياً: لقد رأينا ماذا سبق و أن رمى إليه دعاة الفصل السابع وحققوه فيما بعد في العراق، وها نحن بصدد أن نلمس بدايات توظيفات هذا السيء الصيت في لبنان، فما الذي علينا أن ننتظر ما سيأتينا به يا ترى مستقبلاً في السودان... او في أي بقعة من الوطن العربي المستباح دولياً...؟!

البند السابع الذي لم يشهر إلا ضد العرب، ولا أحد من دعاته يتذكره عندما يتعلق بالمحرقة قيد التجاهل الأممي التي ترتكب ضد عرب فلسطين المحتلة، حيث لم يغتل هناك مجرد زعيم أو سياسي واحد فحسب وإنما يذبح شعب بكامله ويسلب وطنه التاريخي من نهره إلى بحره، وتصفى على مدار الساعة أعدل قضية شهدها ويشهدها عالم مغلوب على أمره... عالم تتسلط عليه قوى أو "مجتمع" الفصل السابع!