تقلب صفحة أخرى من تاريخ الشعب الفلسطيني مغمسة بالدم. حرب أهلية طاحنة بين وطنيي فتح وإسلاميي حماس تدور رحاها في غزّة. إنها نتاج المفارقة بين الانتفاضة الثانية وإخفاق الحركة الوطنية التي أسستها فتح وياسر عرفات, والغير قادرة على تحقيق هدفها من خلق الدولة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية تأسيساً على المفاوضات. والدوافع العميقة وراء انتفاضة 2000 تكمن في السياسة الإسرائيلية التي يزداد حصارها (العزل) ويزداد ابتلاعها للأراضي ( توسيع المستعمرات), أكثر منه بسبب المؤسسات الفلسطينية التي اعتبرت فاسدة وغير كفؤ وغير قادرة.

كان الاستياء من المسماة بالخطأ السلطة الفلسطينية منطقياً وراء الانتصار الانتخابي الذي حققته حماس عام 2006 على فتح التي دعمها المجتمع الدولي بشكل ملحوظ والتي للأسف لم تكن قادرة على تطوير نفسها بعد موت مؤسسها عام 2004. وعندما بقيت قوى الأمن بأيدي المعسكر الخاسر , شعرت حماس بأنها غير قادرة على تسلم السلطة بشكل فعلي, فبدأت تحديها العسكري باحتلال غزة, في الأماكن التي لم يهدمها الجيش الإسرائيلي , بقوات عسكرية مكافئة لقوات فتح.

المواجهة كانت متوقعة ومتأملة بالطبع من قبل إسرائيل والولايات المتحدة, اللتين تريدان التخلص من الإسلاميين مع علمهما بصعوبة الأمر. وحدها السياسة والديبلوماسية المتسعة الصدر يمكنها وقف الاقتتال بين الأخوة. هذا ما ننتظره كل يوم.

الفلسطينيون المحتجزون في غزة والتي أعيد احتلال أراضيهم في الضفة دخلوا اليوم في دورة جديدة تغلق الباب نهائياً أمام تحقيق اتفاق أوسلو لعام 1993. هذه الدورة اتسمت بهدم المؤسسات التي افتتحت بين عامي 1994 و 2000 . وهذا الدمار ابتدأته إسرائيل عنما ردت على هجمات المعارضة الفلسطينية الأكثر تحدياً لهذه المؤسسات وهي إسلاميو حماس.

معادياً شرساً لأوسلو , أعاد آرييل شارون كتابة قواعد اللعبة لصالحه مستفيداً من الأخطاء التكتيكية لياسر عرفات. ومعه نقضت إسرائيل مفاوضات الانسحاب من طرف واحد , كما لاحظنا عام 2005 بعد موت مؤسس الحركة الفلسطينية ووصول خليفته محمود عباس الذي لاتكن له إسرائيل أي عداوات . وقد استفادت السياسة الإسرائيلية من تردد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين سعيا على سبيل المثال لإضعاف سلطة الرئيس عرفات الذي غضبا عليه, ثم اتبعا سياسة معاكسة تماماً بعد الفوز الانتخابي لحماس.إن المقاطعة الاقتصادية المفروضة من قبل الأوروبيين لمحاصرة الإسلامين تفسد اليوم جهود الهضم والشفافية المطلوبة شرعياً من الفلسطينيين بعد أعوام من عدم المسؤولية , وذلك كما يعرضه التقرير الذي حرره للأمم المتحدة عضو قديم لل(FMI) كريم نشاشيبي. هذه المقاطعة المستوحاة من إرادة مساعدة الشعب الفلسطيني بشكل مستقل عن المصادفات السياسية تعطي نتيجة مشوشة : كلما زادت المساعدات بالحجم كلما قلت فاعليتها .

ظاهرة اخرى أثبتتها مواجهات غزة, معارك العصابات التي تحولت إلى معارك لحماية السياسيين, هي هدم للمجتمع الفلسطيني . فبمواجهة الاحتلال الإسرائيلي, أظهر المجتمع الفلسطيني وحدته ومقدرته على المقاومة خلال الانتفاضة الأولى, التي أيقظت إسرائيل من الوهم الذي عاشت فيه بعد انتصارها الواضح في حرب 1967 وقبول الفلسطينيين بالمحتل الجديد. وهدف السلطة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية كان يشكل الغراء الذي يجمع موزاييك الجماعات المختلفة ( مدنيين , ريفيين, لاجئين) المؤسسة على جماعات عائلية. وياسر عرفات , بعلمه السياسي و معرفته بمؤيديه , تمكن من احتواء إخفاقات أوسلو وحفظ الوحدة الفلسطينية.

حصار مادي ومعنوي

اليوم تبخرت كل الأوهام. أصبحت الدولة المستقلة غير ممكنة التحقيق من وجهة نظر عملية, ولكنها تحولت لسخرية القدر البرنامج المشترك الذي تعتمده حتى حماس. والأدلة على ذلك هي بالتتابع , دخول الإسلاميين في المؤسسات الموروثة من عهود اتفاقات أوسلو, ثم مشاركتهم في حكومة وحدة مع فتح وأخيراً قبولهم بمبادرة السلام العربية والتي تتضمن تطبيعاً مع إسرائيل مقابل دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية.

الرعب من استحالة تشكيل فلسطين جديدة يدعمه الخراب العميق الذي يقوم به الجهاز العسكري _ الأمني الإسرائيلي والذي يبدو إصراره على الاستمرار بنفس النهج واضحاً, و" السور " الذي يفصل الأحياء الفلسطينية للقدس عن بقية الضفة الغربية , أو بتقطيع الضفة نفسها إلى كانتونات. لم يكن الفلسطينيون أبداً معزولين عن بعضهم بهذا القدر على الرغم من صغر الأرض المتاحة لهم. هذا الانغلاق وهذا الحصار المادي والمعنوي كان له تأثيراً مدمّراً.

هذا التطور في الأحداث أسهم في إضعاف الموقف الفلسطيني : مجتمع واقتصاد ممزق, صورة مهزوزة أمام المجتمع الدولي ومثقلة بمرجعياتها الإرهابية ,وخصوصاً بعد أحداث 11 أيلول, وإدارة مقسمة. وهذا يؤدي إلى تجريد القضية الفلسطينية من "فلسطينيتها" وهذا حسب الباحث جان_فرانسوا لوغران.

بعد أربعين عاماً من الهزيمة العربية عام 1967 , والتي سمحت للفلسطينيين ولأول مرة بالإمساك بزمام قدرهم أفلت اليوم هذا القدر من يدهم. عاد زمان الأولياء القادرين , إيرانيين كانوا أو سعوديين. بالتأكيد فإن وزن المنظمات الاجتماعية , جهادية كانت أو عسكرية لحماس , في غزة أو الضفة الغربية, حفظت الفلسطينيين حتى الآن من الهجمات الجهادية الأيديولوجية , والتي ليست فلسطين مركزها ولكنها جزء من مشروع إسلامي عالمي.

هذه الهجمات الراديكالية المدعومة من بلدان ثالثة, سوف تتضاعف إذا ساد الشعور باليأس . ويثبت ذلك " مخابر" مخيمات اللاجئين في عين الحلوة ونهر البارد , في لبنان , للأسف.