عندما سقطت القنبلة الاولى على العراق، فتح المحافظون الجدد زجاجة شمبانيا احتفالا باللحظة التي انتظروها لسنوات طويلة. خمس سنوات مرت على تلك اللحظة العراقية، أصبح معها مذاق ذاك النخب أكثر مرارة، و«المغامرة الصحراوية» التي قال منظروها انها ستشهد خاتمتها السعيدة في غضون أيام، بدا كأنها لن تبلغها أبدا. عرقل الفشل في العراق برنامج المحافظين الجدد، الا انه لم يقض على حضورهم السياسي والفكري، ولم يُفقدهم الأمل في اعادة احياء مشروعهم للسياسة الخارجية. الفارق ان الهدف الذي كان من المفترض ان يقود الى «محاصرة ايران»، أصبح يتمحور حول كيفية تحويل هذه «الدولة المارقة» الى جسر للعودة.

يقول الصحافي الاميركي المتخصص في شؤون الأمن القومي لانداي جوناثان لـ«السفير»، ان تأثير المحافظين الجدد «تلاشى» بعد رحيل رموز أمثال بول ولفويتز وجون بولتون ودوغلاس فيث وريتشارد بيرل. لكنه يعتبر ان جماعة المحافظين الجدد تعمل بشكل مركز وتستعين بكافة الوسائل الإعلامية والدبلوماسية من اجل استعادة نفوذها داخل الادارة، وذلك من خلال مبدأ «اصلاح الكارثة في العراق». ويرى جوناثان ان المحافظين الجدد يعتمدون بشكل خاص على نائب الرئيس ديك تشيني «الذي بات مجروحا، الا انه لا يزال يمتلك تأثيرا مهما، خاصة انه لم يغير طاقم مستشاريه».

بدوره، يؤكد الكاتب وأستاذ التاريخ الاميركي غاري لوب، لـ«السفير»، ان «تأثير المحافظين الجدد لم ينته. هم خطيرون ومهمون ومحميون من قبل تشيني». وفي حين يرى لوب ان تشيني «واجه انتكاسة كبرى بعد إدانة مساعده (لويس سكوتر) ليبي»، فإنه يعتقد ان هناك «صراعا يدور داخل الادارة الحالية» حول سبل الخروج من المأزق العسكري والسياسي في العراق.

وفيما يبدو أفق الحل العراقي الخالص مسدودا، يقول الخبير في الشؤون الدفاعية والتخطيط العسكري في «مجلس العلاقات الخارجية» في واشنطن، ستيفن بيدل لـ«السفير»، ان «المحافظين الجدد يركزون على ايران للعودة ويحاولون بناء قضية للحد من النفوذ الايراني» داخل العراق وفي محيطه، وذلك عبر «الترويج بوسائل مختلفة لحملة عسكرية ضد طهران.. والعمل على دفع واشنطن نحو تبني هذا الأمر في سياستها الخارجية»، وذلك على الرغم من ان مايكل ليدين، الذي يعد أحد أبرز الداعين لضرب ايران، يؤكد لـ«السفير» انه لم يعد يتوقع «ضربة عسكرية لايران. سأتفاجأ اذا كان هناك هجوم عسكري».

ويشدد مرشح الرئاسة الاميركية الجمهوري المحافظ كارل شوارتز لـ«السفير»، على ان «المحافظين الجدد يسعون الى السيطرة الكاملة على ايران، ضاربين بعرض الحائط معارضة الرأي العام وبعض الدول النافذة مثل روسيا». ويضيف شوارتز «الارهاب بات عذرا لتغيير ما يرفض الناس تغييره.. لقد فشلت السياسة الاميركية تجاه ايران والمنطقة نتيجة ارتباطها بالمحافظين الجدد وإسرائيل».

المعادلة إذاً تقوم على ان الحل العراقي يمر عبر ايران. الا ان هذه المعادلة لا تنصب فقط في سبيل اصلاح ما افسد في العراق، بل انها تعد بمثابة امتداد لبرنامج المحافظين الجدد حول السياسة الخارجية. وقد لخصت ميراف وورمسر خلال منتدى حول «مستقبل ايران» في واشنطن في أيار العام ,2003 هذا البرنامج بالقول «لم تكن حربنا في العراق إلا جولة من حرب طويلة الأمد. من الخطأ الظن أن أهدافنا تقف عند العراق.. يجب أن نستمر وبسرعة أكبر».

ويعتبر المحرر المسؤول في مجلة «واشنطن ريبورت اون ميدل ايست افيرز» ريتشارد كورتيس، ان وورمسر، مديرة مركز الدراسات الشرق أوسطية في معهد «هادسون» الاميركي والعضو المؤسس في معهد الدراسات الإعلامية للشرق الأوسط «ميمري»، «أمضى سلاحٍ في مستودع أسلحة المحافظين الجدد». ويقول كورتيس ان وورمسر أمست بالفعل أحد أبرز المروجين لأفكار المحافظين الجدد، وأكثر المهتمين بالعمل على رص صفوف هؤلاء ونفض غبار العراق عنهم واعادة احياء برنامجهم السياسي الخارجي، على الرغم من انه يؤكد لـ«السفير» ان الحوار الاميركي الايراني الأخير في بغداد يشكل ضربة لعمل وورمسر.

ومعهد «ميمري»، الأداة الدعائية التي أسستها وورمسر مع عميل الاستخبارات الإسرائيلية السابق العقيد ييغال كارمون، متخصص في ترجمة ما يرد في الصحف ووسائل الاعلام العربية، وبيانات القادة العرب، وتوزيعها على نطاق واسع. وقد كشف تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، ان الترجمات تعرضت للتشويه بسبب الأسلوب الانتقائي المتبع فيها. ويلخص المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات الاميركية فينسينت كانيسترارو ذلك بالقول ان «المعهد يعمل كأداة دعائية من وجهة نظر ليكودية متطرفة».

في مقابلة مع شبكة الـ«بي بي سي» في العام ,2003 قالت وورمسر «عندما بدأ الهجوم على العراق، فتحنا زجاجة شمبانيا. كانت لحظة انتظرناها لسنوات طويلة.. كنا نقوم بعمل خارق من خلال الدفع نحو هذه الحرب.. لم يخطف احد شيئا.. لم نغسل دماغ الرئيس.. انه يعمل وفق معتقداته وقناعاته الخاصة». وفي العام ,2006 أعربت وورمسر عن خيبتها من الانتكاسات التي عرقلت مشروع المحافظين الجدد قائلة «انا إسرائيلية ومن العصابة.. هذه الجماعة تتألف من أكاديميين أصبحوا جزءا من ادارة بوش لكنهم فشلوا في تمرير أفكارهم من خلال البيروقراطية. هم مجموعة من المفكرين الذين أتوا بأفكار عظيمة، لا أزال أؤمن بها، لكنهم لم يجدوا طريقة للترويج لمعتقداتهم في ظل تعقيدات البيروقراطية». وتشدد وورمسر على ان «القرار الأخير لم يكن بين أيديهم. كان هناك الكثير من الإحباط عبر السنوات في الادارة لاننا لم نشعر باننا كنا ننجح.. (جون) بولتون غادر وكثيرون غيره يستعدون لذلك.. جميعنا نشعر باننا انهزمنا بعد السنوات الخمس الاخيرة».

وتعد وورمسر أحد أهمّ واضعي تقرير الاستراتيجية الجديدة لضمان أمن إسرائيل في العام ,1996 بالتعاون مع آخرين من أمثال ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث. وقد تمحور موضوع أطروحتها لشهادة الدكتوراه حول أفكار فلاديمير جابوتنسكي، منظر اليمين الاسرائيلي ، الذي يعتبره بنيامين نتنياهو «أباه السياسي»، والذي رفع الشعار القائل «أيها الفتية اليهود، تعلموا استخدام السلاح». وفي مقابلة مع صحيفة «يديعوت احرونوت» خلال الحرب الاخيرة على لبنان، اعتبرت وورمسر ان «حزب الله هزم إسرائيل وكانت المرة الاولى التي تهزم فيها إسرائيل». وفيما تفاخرت بان «المحافظين الجدد مسؤولون عن حقيقة ان اسرائيل حصلت على وقت أكبر»، أكدت ان «الفكرة الاساسية كانت ان اسرائيل يجب ان تواجه العدو الحقيقي الذي يدعم حزب الله.. من الواضح انه لا يمكن مواجهة ايران بشكل مباشر، لكن الفكرة انه يجب ضرب حليفها المهم والاستراتيجي، سوريا.. من الصعب على ايران تصدير الثورة الشيعية من دون سوريا، التي تعد آخر بلد عربي قومي». ويؤكد غاري لوب على الأولوية التي يحظى بها «حزب الله» لدى المحافظين الجدد. وعلى الرغم من ان الباحث في معهد «اميركان انتربرايز انستيتيوت» المتخصص في شؤون نشر الديموقراطية جيرالد الكسندر، يقول لـ«السفير» انه يشكك «في وجود برنامج سياسي حالي للمحافظين الجدد»، فإن لوب يعتبر ان برنامج هؤلاء موجود، وانه يتركز حول «إسكات الجنرالات المعارضين.. إقناع الشعب الاميركي بان الحرب على ايران اخلاقية وحكيمة.. القضاء على الشيطان ايران.. ثم سوريا.. وأخيرا الشيعة في جنوب لبنان». ويفسر لوب ذلك بالقول ان «الادارة تنظر الى الشيعة في السعودية والبحرين ودول اخرى بشكل مختلف عن الشيعة في لبنان». ويقول ان المحافظين الجدد «قرروا ان حزب الله عدو إرهابي يجب تحييده، قبل الاستجابة لدعوات ضرب ايران». ويعد مايكل ليدين أحد أبرز الداعين الى ضرب ايران والأكثر بروزا في مجال الكتابة والتحليل لدى المحافظين الجدد، بحيث أصبح في طليعة منظري فكر هؤلاء ومنبعا للأفكار العسكرية التي نتجت عن سياساتهم، ومن ضمنها دعوته لتصدير «الثورة الديموقراطية» والتي تتضمن في جوهرها دعوة «التدمير الخلاق». والى جانب ليدين، يبرز بين المحافظين الجدد النافذين مستشار تشيني للشؤون الأمنية جون هانا، الذي يعتبر مسألة تغيير النظام في دمشق شغله الشاغل، ومستشار تشيني الآخر والمسؤول السابق عن الموظفين، ديفيد ادنغتون، الذي يلقب بـ«الرجل الأكثر نفوذا الذي لم تسمع عنه من قبل»، والذي عرف بنظرية «الالتفاف على الدستور» في اطار الحرب الاميركية على الارهاب. كما انه في بداية العام الحالي، بدأ نجم ايليوت كوهين، أحد أكثر أكاديميي المحافظين الجدد تأثيرا، يسطع داخل الادارة بعدما عينته وزيرة الخارجية كوندليسا رايس مستشارا لها. وكوهين، الذي يؤمن بان العالم يعيش حربا عالمية رابعة ضد العالم الاسلامي، يعتقد ان على واشنطن ان ترمي بثقلها خلف الحكومات الحليفة في المنطقة لقلب النظام الايراني وإقناع كل من هو متردد، بضرورة الحرب. ويؤكد غاري لوب انه ليس من المؤكد ان رايس، التي يقول كورتيس انها لم تكن أبدا من المحافظين الجدد الا انها لم تحاربهم ايضا، هي التي اختارت كوهين. ويوضح «نظريا، رايس هي التي تعين مساعديها، لكن نفوذ تشيني قد يكون أدى دورا ما.. وذلك بهدف إرضاء مجموعة المحافظين الجدد».