لا تزال حرب حزيران 1967 تمثّل نقطة تحوّل كبيرة في تاريخ الدولة العبرية. ومع أنَّ غالبية الإسرائيليين تؤمن، بعد أربعين عاماً، برواية الحرب الإسرائيلية، على أنها «فرضت» و«حوَّلت إسرائيل إلى دولة ذات حضور، بعدما كانت معزولة»، إلا أنَّ جزءاً آخر ينظر إلى «نقطة التحول» هذه على أنّها «نقطة انكسار» و«انحدار» نحو الأسوأ، من دولة عادية، تتعاطى مع القضايا الطبيعية داخل حدودها، إلى دولة تركت داخلها وانشغلت بالاحتلال، ما خلق واقعاً داخلياً أسود. 3 جنود إسرائيليين عام 1967 في القدس القديمة (أ ب)وفي مقابلة مع مجلة «قضايا إسرائيلية» الفصلية، وصف رئيس حزب «ميرتس» السابق يوسي سريد حرب حزيران بـ«الكارثة الكبرى التي حلَّت بالمشروع الصهيوني».

وأضاف «أعتقدنا بعد عام 67 أننا احتللنا المناطق، واكتشفنا في ما بعد أن المناطق قد احتلّتنا». وأوضح أنه «لا سبب مقنعاً للبقاء في هذه المناطق 40 عاماً. كان علينا الخروج من هناك، لأن المصلحة الإسرائيلية كانت ولا تزال تحتّم علينا الانسحاب بعدما تفكّك التهديد».

ويقول الكاتب والمحلل السياسي أنطوان شلحت، لـ«الأخبار»، إنه «بعد أربعين عاماً من الاحتلال يمكن القول إنَّ هناك ازدياداً في القوى السياسية التي ترى أنّ الاحتلال أصاب الكيان الإسرائيلي في مقتل من نواح عديدة، وبالتالي فهي تطالب بالتخلص منه بحجة أن ذلك وحده كفيل بتحويل إسرائيل الى دولة طبيعية». ومع ذلك، يقول شلحت إنَّ «طبيعية إسرائيل تظلّ مرهونة أولاً وقبل كل شيء، بأن تعتبر هي نفسها جزءاً من المنطقة، وبأن تقدّم الاستحقاقات المطلوبة، ترتباً على إقامتها على أنقاض وطن الشعب الفلسطيني»، مشيراً إلى أنَّ هذه المسألة «لا تزال غائبة أو مغيّبة عن وعي الغالبية الساحقة من الإسرائيليين، بمن فيهم أشد المناهضين لاحتلال 1967». وأوضح شلحت أن هذه الحرب فتحت المجال لتطرّف المشروع الصهيوني الاستعماري على المستويين الجغرافي والديموغرافي. وقد تمثّل ذلك أساساً في نشوء تيارات استيطانية مغالية في التطرف والنزعات الفاشية، لقيت رعاية رسمية من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. كما تمثّل ذلك في عمليات الضم الزاحفة التي شملت مناطق واسعة من أراضي الضفة الغربية وكذلك مدينة القدس وهضبة الجولان.

ويشار في هذا الشأن إلى أنّ ثمة معطيات غير رسمية تشير إلى أنَّ إسرائيل أنفقت أكثر من مئة مليار دولار على المناطق المحتلة. هذه الأموال، بطبيعة الحال، جاءت على حساب قضايا تطويرية داخلية وهي تثير سؤالاً تاريخياً اليوم: كيف كانت ستبدو إسرائيل لو أنّ هذه الأموال، والموارد، والطاقات الصناعية والأكاديمية والعسكرية، أُنفقت داخل حدودها؟. كما تشير مصادر إسرائيلية إلى أنّ محاضر جلسات الحكومة، التي سبقت عام 1967، كانت محاضر «دولة طبيعية»، من حيث تناولها لقضايا التربية والتعليم والثقافة والاقتصاد وغيرها، إلا أنها بعد الحرب ابتعدت عن القضايا الطبيعية، وبدأت بمعالجة قضايا «لا يمكن أن تطرح في دولة طبيعية».

ويشير شلحت إلى أن الحرب والاحتلال الناجم عنها «أحدثا صدعاً هائلاً» في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الدولة العبرية. وبخلاف الذين يعتقدون أن الاحتلال جعل المشروع الصهيوني أكثر بشاعة فقط، يمكن الإضافة إلى ذلك أنه «أماط اللثام عن بشاعة الأصول الحقيقية لهذا المشروع الذي حمل صبغة التطهير العرقي والترحيل منذ بداياته الأولى». ويضيف شلحت إن هذا الأمر أتاح للمزيد من القوى العالمية الاطلاع على وضع هذا المشروع في سياقه الاستعماري، آخذاً على حملات مناهضة الاحتلال على المستوى العالمي حصرها في شعار القضاء على الاحتلال منذ 1967، مشيراً إلى أنه «لا ينبغي التغاضي عما سبق هذا الاحتلال من ممارسات بلغت الذروة في 1948».

ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذا الاحتلال حمل بعض المدلولات المتناقضة في أوضاع فلسطينيي 48، فهو من جهة، أخضع أجزاءً إضافية من أبناء الشعب الفلسطيني لسيطرة اسرائيل، ومن جهة أخرى خلق ظروفاً لشكل من أشكال التواصل بين أجزاء كانت متباعدة من أبناء الشعب الواحد، وهو ما «أسهم بقدر معقول، في وقاية الهوية الوطنية للعرب في مناطق 48 على قاعدة الانتماء الفلسطيني الجارف».