ليس مصادفة ظهور التقارير حول الحرب مع سورية مع إقرار المحكمة الدولية بشأن اغتيال الحريري تحت الفصل السابع، فقرار مجلس الأمن جسد ذروة الأزمة إقليميا، وهو حاول اختراق عدم التوافق بين أعضاء مجلس الأمن، وتقديرات روسيا والصين حول المحكمة، وشكل أيضا محاولة دخول جديدا للصراعات في الشرق الأوسط وإنما بآلية جديدة.

عمليا فإن كافة التطمينات التي يطرحها البعض حول أن المحكمة ليست موجهة ضد أحد، لا يمكنها ان تنهي القلق في المنطقة، فالمسألة لا تتعلق بالخوف من المحاسبة بل أيضا من "إعادة الحسابات" إقليميا، وهذا الأمر مرتبط بالتطورات المحيطة بقرار مجلس الأمن حول المحكمة. فالبند السابع بهذا القرار يجعل الاحتمالات مفتوحة، وهذا الأمر يجعل من الصعب إحداث أي تحول واضح دون خلق طرف سياسي جديد، فالأطراف المعنية داخل مجلس الأمن تعرف أن التحفظ الصيني والروسي لن يبقى مجرد تحفظ عندما تصبح المحكمة في إطار محاسبة "الدول" بدلا من البحث عن الجناة ومحاكمتهم.

وفق هذه الصورة يظهر التعيد الإقليمي كضرورة لكي تصبح المحكمة نافذة بشكل عملي، وليست مجرد إطار نظري للضغط السياسي على سورية أو غيرها من الأطراف اللبنانية، والتلويح بالحرب والسلك مع سورية ليس مجرد افتراضات للصحف الإسرائيلية، فالحكومة في تل أبيب وعدد من الأطراف السياسية الإسرائيلية تمهد الأجواء لخلق مثل هذا التوتر، سواء عبر المناورات العسكري، او حتى السياسية مثل استضافة "الغادري".

وإقليما يبدو الأمر تشابها، فما حدث في نهر البارد لا يوحي بأن التعامل السياسي في المنطقة يسير بشكل اعتيادي، وتفجير الوضع الأمني في الشمال ليس هدفه "زج" اسم سورية فقط، بل رصدها بشكل دقيق إعلاميا وسياسيا، وفتح ملفات بقيت نائمة لها علاقة بالانتقادات الأمريكية القديمة ضد دمشق، فأحداث نهر البارد أعادت إلى الساحة مسألة القيادات الفلسطينية الموجود في سورية، واسترجعت إعلاميا على الأقل تاريخ المنظمات الفلسطينية في مرحلة الثمانينات مع التركيز على الجانب "السوري" في هذا الموضوع.

عمليا فإن المحكمة ترافقت مع عملية "نبش" واضحة لكل الأزمات العالقة في لبنان والمرتبطة بالتواجد الفلسطيني بالدرجة الأولى، وبشكل أكثر تحديدا "السلاح" الموجود خارج إطار "حزب الله" أو الدولة اللبنانية... فالمحكمة وقبل أن تصبح واقعا قادرا على التحكم بالمنطقة تحتاج إلى إثارة كل التعقيدات الخاصة بالوجود الفلسطيني، لأن هذا الوجود لا علاقة له بالداخل اللبناني فقط، بل أيضا بالساحة الشرق أوسطية عموما. المسألة اليوم ليست المحكمة، فإثارة مسألة الحرب والسلام مع سورية وأحداث نهر البارد، وحتى الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني هي معطيات مترابطة مع قدرة المحكمة على خلق محاسبة كاملة، وليس إيجاد الجناة في قضية محددة.