ليس من الطريف المقارنة بين المصطلح وصورته الذهنية اليوم، على الأخص أننا أغرقنا كل ما نملك بخطاب سياسي وثقافي يحتاج للكثير من أدوات النقد حتى ندرك بدقة كيف نستطيع الخروج من أسر الصورة النمطية للمصطلحات، فعندما لا يظهر "المصطلح" إلا بولادة قيصرية، عندها لا بد من الخلط وربما المزج بين رغبتنا والحدث السياسي حتى نبني تشوها في كل المعارف والمصطلحات القادمة إلينا.

والليبرالية ليست نموذجا أو مثالا لكنها الأكثر استخداما كمصطلح يدخل اليوم في عمق التعبير عن "ذاتنا"، هذا إذا افترضنا أن الموجودين في الندوات وحلقات الحوار في الفضائيات معبرين عن "هذه" الذات. فالمؤسسات ومراكز الدراسات مشغولة اليوم بالبحث عن "ليبراليتنا" ... والمعارضة وحتى الخطاب الرسمي يتعاملون مع هذا الشأن وكأنه مسار عادي، سياسي بالدرجة الأولى، وتائه منا داخل كم التناقضات في ثقافتنا التي تعرفت على نافذة الحرية من بابها العريض ... أي "الحاجة إلى الحياة الليبرالية"!!! لكن لنحاول رسم هذا المصطلح كما يصور لنا "إعلاميا" على الأقل، وكما ينعكس في العقلية الاجتماعية ... مع الليبرالية اليوم تمتزج أسماء العربات العسكرية الأمريكية مثل "هامر" و "همفي" .. إضافة لأنواع الطائرات مثل الأباتشي ... ومع الليبرالية أيضا تترافق ظواهر عرفت بـ: الانتحاريين .. الملثمين .. تنظيم القاعدة .. وما بين التضاد والتوافق يهبط سؤال جديد: فهل باستطاعة التفكير أن يعيد رسم هذا المصطلح بشكل علمي؟

الليبرالية التي طفت على سطح ثقافتنا وكأنها النتيجة الحتمية لأكثر من نصف قرن على الاستقلال وظهور الدولة الإقليمية، لا يبدو أنها قادرة على البقاء بشكل مستقل إذا استمرت أسيرة الحدث السياسي، وأشكال الضغط الدولي، أو حتى مفاهيم الشرق الأوسط الكبير. ولا يبدو أيضا أن عشقنا للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان قادر على شق طريق واضحة المعالم، دون الغطاء الكبير لـ"الشرعية الدولية" المدعومة برؤية المحافظين الجديد، وبرعب الغزو العسكري والاستباحة التي شهدناها في العراق أو فلسطين. وإذا كانت الليبرالية مرسومة اليوم على حدود التنوع الذي يرسم خطوطا فاصلة للأثنيات والطوائف، وتضع التعددية كوضعية افتراق بدلا من كونها ديمقراطية جامعة، فإن هذا المصطلح يبدو وكأنه مقدمة لتشكيل الصراعات ضمن سياقات جديدة.

الحد الجديد لما يرسم عبر ظاهرة الليبرالية هو وقوفها دون الثقافة الاجتماعية ... أو اقترانها بالحدث السياسي بدلا من دخولها في عمق المكون الاجتماعي ... هل تذكرنا هذه الظاهرة بحالات مشابهة؟ هل تعيد للذاكرة التكوين الذي أحاط بنا بعد الاستقلال مكونا أيديولوجيات ومصطلحات بقيت خارج الثقافة الاجتماعية؟! ربما علينا أن لا نكون مهووسين بتكرار التجارب، أو باستنساخ التاريخ القريب، فالأجيال القادمة ليست ملكا لنا حتى نضعها وسط هزائم جديدة.