رغم الشعبية الكبرى التي كان يتمتع بها الان جوبيه في صفوف الفرنسيين ، والشعبية المطلقة داخل الحزب الحاكم في فرنسا ، الذي كان يرأسه ، اعتبر الحكم على الرجل بتهمة تمويل ايجار مركز الحزب من الاموال العامة كافيا لحرمانه من ممارسة المهنة السياسية لمدة خمسة اعوام وبالتالي لمنعه من الترشح لرئاسة الجمهورية ، مما كنس الطريق امام نيقولا ساركوزي. حصل هذا كله فيما كانت فرنسا منشغلة بالمهمة الالهية الملقاة على عاتقها وهي استصدار قرار بتشكيل المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري . وفيما كان لبنان كله يدفع اعواما من حياته الامنية والسياسية والاقتصادية ثمنا لتداعيات هذه القضية . في الوقت نفسه لم يكن احد يتذكر ان ثمة رئيس وزراء في منصبه (لا سابق) بمعنى انه يتمتع بالصفة التمثيلية الدستورية وما تمنحه من حصانة ، قد تم اغتياله قبل بضع سنوات ، وان قاتله قد عرف وادانه القضاء اللبناني وحكم عليه بالاعدام الذي خفف الى المؤبد . بل ان الذين تذكروا ذلك انما فعلوا ليعقدوا صفقة عفو تخرج هذا القاتل من السجن ، مستغلة الاجواء الناجمة عن اغتيال الحريري . ومن ثم تعيده ، ليس الى بيته وانما الى واجهة العمل السياسي في لبنان ، حيث بدت ابرز مهامه التبشير بكل عملية اغتيال او تفجير قبل حدوثها بايام قليلة (وسبحان كاشف الغيب) اضافة الى مهمة الرد السريع على خطابات سيد المقاومة وابي الشهداء الذي قاد عملية تحرير الوطن دون ان يسمح بتوجيه السلاح يوما الى صدر لبناني خصما كان ام متعاونا. لنجدنا بالامس نستمع مشدوهين الى السفير الاميركي في لبنان ، المندوب السامي الجديد ، يعلن من بزمار ترشيحا ضمنيا لسمير جعجع لمنصب رئيس الجمهورية . فهل يعقل ان يفكر هؤلاء الاميركيون المجانين بدعم ترشيح رجل لا يجوز قانونا ان يسمح له بحق الانتخاب (وهو الذي لم تقتصر ادانته على اغتيال رشيد كرامي بل تعدت الى جرائم اخرى)؟ ان هذا السؤال هو الذي يبدو مجنونا عندما يتعلق الامر بعصر اميركي شهد جريمة العراق وتشظياتها المستمرة ، تحالفا مع عصر اسرائيلي شهد جريمة فلسطين . لقد اعتاد العرب على حكم الفاسدين والسارقين ، واعتادوا على حكم القامعين عبر اجهزة الدولة ومؤسساتها . اما ان نبدأ مرحلة جديدة نتعود فيها على حكم المجرمين المدانين قضائيا جنائيا وجزائيا ، وخريجي السجون فهي قمة السوريالية التي يخجل منها سلفادور دالي. واذا كنا نستبعد باي شكل وصول هذا الرجل الى سدة الرئاسة فان مجرد ترشيحه هو عيب بحق الدماء اللبنانية والعربية . خاصة باننا لا نتوقع ان يصدر أي اعتراض فرنسي على ذلك ، بعد ان كان ضيف الاليزيه في حفل تقليد سعد الحريري وسام الاستحقاق الفرنسي الذي لا ندري على ماذا استحقه (علما باننا لا نقارنه باي شكل بسمير جعجع). كما لا نتوقع بان يتساءل قضاة الان جوبيه ، ولا رئيس جمهوريته نيقولا ساركوزي ، عن مقارنة الحكم الفرنسي على جوبيه ونتائجه والحكم اللبناني على جعجع ونتائجه ، بعد مقارنة الفارق بين الجريمتين . لسببين مهمين : الاول ان العدالة التي تطبق ضمن الامبراطورية لا تطبق على البرابرة ، ومعايير الاخلاقيات السياسية التي يجب مراعاتها داخليا في الشمال ليست هي ذات المعايير التي يجب تطبيقها خارجيا في الجنوب . اما الثاني فهو اعمق واكثر واقعية ، ويتعلق باهداف السياسة الاميركية - الصهيونية في العالم . فقد كانت هذه الاهداف تفرض بشكل حتمي اقصاء الان جوبيه الديغولي المتمسك بمبدا الاستقلالية الاوروبية ، والتوازن الفرنسي ازاء اسرائيل والمعارض لاحتلال العراق ، من طريق نيقولا ساركوزي اليهودي المتبنى رسميا من واشنطن وتل ابيب والمجاهر بهذا التبني . كما تقتضي هذه الاهداف نفسها بتثبيت اقدام سمير جعجع صنيعة السياسة الاسرائيلية في لبنان والمجاهر بعداوته لكل ما هو وطني وعربي ، الطائفي بامتياز ، والمجرم الذي لا يسمح له تاريخه بالعودة الى الوراء وانتهاج الاعتدال العقلاني كما فعل ميشال عون مثلا. واذ نقول تثبيت اقدام فذاك لان الامر يتعلق بضمان الحفاظ على نفوذ الرجل داخل الحكومة عند توسيعها ، ان لم يكن من الممكن الاستمرار في ترشيحه للرئاسة.

مصادر
الدستور (الأردن)