يشكل الدولار الأمريكي نحو ثلثي الاحتياطي النقدي العالمي. فنصف الصادرات تجري بالدولار والبترول يدفع ثمنه بالدولار. وكلما ضخت الحكومة الأمريكية دولارات في سوق العملات والتعاملات النقدية العالمية كلما وفرت لنفسها خدمات وعائدات، فهي التي تطبع داخل أراضيها العملة المستخدمة دولياً وبلا رقيب، وهذا يعني أنها تستورد مجاناً ما تحتاج إليه ومن هنا لا توجد أية عواقب أو تبعات سلبية من العجز التجاري الأمريكي في الميزانية على الاقتصاد الأمريكي تحديداً فروسيا توفر 20% من البترول و 40% من الغاز مما يستهلكه الاتحاد الأوروبي وبالتالي تنبه البنك المركزي الروسي في بداية 2003 إلى مشكلة العملة وهيمنة الدولار الأمريكي وما تخسره روسيا من جراء ذلك، فتم تحويل جزء من مدخراته واحتياطاته النقدية إلى العملة الأوروبية اليورو.

كما قامت كل من الصين وكوريا الشمالية وفنزويلا بنفس المبادرة مما وجه صفعة قوية لواشنطن في هذا المجال. وقد كانت هناك سابقة مماثلة بهذا الصدد حين سمحت لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة في نهاية أكتوبر 2003 للعراق في عهد المقبور صدام حسين باستخدام عملة اليورو لتسديد مستحقاته وديونه ودفع فواتيره وقام العراقيون بتحويل ما يعادل 6 مليار دولار من احتياطاته النقدية إلى اليورو وكان ذلك يمثل أنموذج سيء التأثير على دول أخرى تأمل بتتبع خطى العراق والتخلص من هيمنة الدور في تعاملاته النقدية والتجارية كإيران التي نفذت هذه الخطوة مؤخراً في 2007 والباكستان والجزائر الخ .. وكان ذلك سبباً إضافياً دفع الولايات المتحدة الأمريكية لإرجاع العراق إلى حظيرة الدولار لكي لا يتجرأ غيره بالتفكير مرة أخرى بفك ارتباطه بالعملة الأمريكية ومع ذلك تجرأت الكويت قبل أيام وقامت بمثل هذه الخطوة أي التحول عن الدولار إلى اليورو وهي الحليفة المطيعة لأمريكا كما هو معروف.

ذريعة الأمن ومحاربة الإرهاب:

يأتي الآن العامل الأهم وهو ما يعرف بالهم أو الشاغل الأمني. فبعد أن أوصلت أمريكا الآخرين إلى ما يشبه عالم " الفوضى الخلاقة" كما تسميها بعض دوائرها للدراسات الاستراتيجية، وتجزئة الصراعات وتغذيتها في كل مكان، وتكثيف وإشاعة وطغيان الفوضى والحروب الأهلية والانتفاضات المسلحة والتمردات العسكرية في العالم، رسمت ماكينتها الإعلامية خطابها الأمني متذرعة بأن لها الحق في حماية نفسها من أية مفاجأءات سيئة أو خطيرة قد تأتيها من دول عدوة وصفتها بأنها دول محور الشر وهي إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان والعراق قبل سقوط نظامه السابق وسورية، أو دول حليفة كالباكستان والمملكة العربية السعودية إذا ما وقعت بيد الإسلامويين المتطرفين والتكفيريين.

وأن هناك دول قادرة على تفجير صراعات مسلحة خطيرة لا يمكن السيطرة عليها أو احتوائها أو حتى الحد من تأثيراتها الموجوية خاصة عندما تستخدم فيها أسلحة تدمير شامل التي تثير الرعب في نفوس الأمريكيين وبضمنها السلاح النووي والقنابل النووية التكتيكية والاستراتيجية مما يفسر أو يبرر لجوء واشنطن إلى سياسة التخمة في التسلح التقليدي وغير التقليدي.

فالمجموعة العسكرية ـ الصناعية في أمريكا حصلت على امتيازات كثيرو وكبيرة ووفٌرت لها إمكانيات مالية هائلة تعادل مجموع ما تخصصه دول العالم برمتها لهذا الميدان. وهكذا دقت العولمة ساعة النهاية وحان أجل النزعة الانعزالية الأمريكية فنصٌبت أمريكا نفسها حكماً، لا مجال للاعتراض عليها أو معارضة حكمها في الأرض، انطلاقاً من أسباب بررت بأنها تقع في نطاق " المصلحة المقدسة" للشعب الأمريكي ودخلت أمريكا في العراق عبر الطريق العسكري متوسلة منهج القوة المسلحة لتعده بمثالة الخيار الأول والوحيد على حساب الخيار الدبلوماسي والسياسي التفاوضي ، وبتجاهل متعمد ومقصود للقانون الدولي سعياً وراء فرض مصالح " الإمبراطورية الناشئة " التي وضعت فوق القانون والأعراف الدولية.

وقد جاء ذلك مجسداً في اعترافات عرٌاب الحرب العراقية وأحد زعماء اليمين المحافظ الأمريكي، نائب وزير الدفاع السابق ورئيس البنك الدولي المستقيل رغماً عنه بسبب فضيحته الشخصية بترقية عشيقته داخل البنك، ألا وهو بول وولفوفيتز الذي كتب في كتابه:" مشروع من أجل قرن أمريكي " الصادر سنة 2002:" يتعين على أمريكا أن تثبط عزيمة، أو حتى أن تمنع، كل الأمم والدول المتقدمة والمتطورة، التي تعترض على زعامتنا وقيادتنا للعالم، بل وعليها أن تحبط أية مساعي للتطلع إلى لعب دور إقليمي مهم لتلك الدول".

وكان هذا الأستاذ الجامعي والسياسي المحافظ والمتشدد في مواقفه هو الذي أقنع ودفع الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش لغزو العراق حتى قبل وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول الدامية.

وقد فضح هذه الحقيقة عدد من كبار المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية والبنتاغون والمسؤولين الأمنيين في وكالة المخابرات المركزية والأف بي آي لذلك باتت ردود الأفعال على الحرب ضد العراق معروفة بعد مرور أريع سنوات على شنها وأغلبها كان عنيفاً لأن الغزو تقرر بدون مبرر مقبول أو مقنع وبدون تكليف أو تفويض دولي من قبل منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

ففرنسا وبلجيكا وألمانيا وروسيا ورئيس بعثة التفتيش ومراقبة الأسلحة العراقية السويدي هانس بليكس، اعتبروا أن الضغوط التي مورست على العراق آنذاك كانت كافية ومن القوة والجدية بمكان أنها كان يمكن أن تسمح بمواصلة عمليات التفتيش العميقة والتي كانت ستقود حتماً إما إلى اكتشاف أسلحة تدمير شامل محرمة ومحظورة دولياً أو إلى نتيجة تثبت غياب أو عدم وجود مثل تلك الأسلحة ورفض هؤلاء كلهم منح الولايات المتحدة صكاً مفتوحاً أو شيكاً موقعاً على بياض من خلال قرار يصدر من مجلس الأمن يخول الولايات المتحدة القيام بعدوانها المسلح على بلد لم يعتد عليها ولا يشكل خطراً حقيقياً عليها ولا على مصالحها الحيوية وهو عضو في منظمة الأمم المتحدة ، والكل يعرف أن الأمريكيين كانوا عازمين قولاً وفعلاً على تنفيذ ضربة عسكرية كان قد أعد لها بإحكام وتخطيط مسبق خاصة بعد كل تلك الحشود والتعزيزات العسكرية في الخليج والتي لم تكن فقط بغية ممارسة ضغوط وتهديدات وابتزازات على نظام صدام حسين .

لم يكن الرأي العام العالمي خارج الولايات المتحدة الأمريكية مع الحرب ولم يكن هناك كثيرون يحبذون استخدام القوة العسكرية لإجبار صدام حسين على الانصياع للقرارات الدولية وبالطبع لم يكن هناك من يؤيد الطريقة التي استخدمت فيها القوة العسكرية خاصة بين بلدان العالمين العربي والإسلامي أو تقديم المعونة أو التسهيلات للأمريكيين إلا إذا كان مرغماً على ذلك كما في حالة الكويت وقطر والبحرين في حين رفضت تركيا الإذعان للضغط الأمريكي لأنها تمتلك القدرة على ذلك. إذ أن الوقوف علنا إلى جانب الأمريكيين ضد بلد عربي مسلم من شأنه أن يضع الأنظمة والحكام العرب والمسلمين في مواجهة مكشوفة ومحفوفة بالمخاطر مع الشعوب المجروحة في مشاعرها والمستفزة في صميمها.

ففي تركيا على سبيل المثال كان هناك 93% ممن استطلعت آراءهم كانوا ضد الحرب على العراق واستناداً إلى هذا الرفض الشعبي الهائل تجرأ البرلمان التركي ليقرر رفض الطلب الأمريكي بالسماح للقوات الأمريكية التجمع داخل الأراضي التركية والانطلاق منها إلى العراق لفتح جبهة في كردستان العراق في الشمال أو استخدام قاعدة انجرليك الجوية داخل الأراضي التركية لنفس المهمة وشن هجمات جوية ضد مواقع عراقية .

وكان أحد الكتاب الهنود وهو آراندوهات روا قد كتب في صحيفة لوموند الفرنسية في 9 نيسان 2003 واصفاً بوش بالرئيس المهووس بالعظمة الإمبراطورية وأنتقد بشدة الادعاءات الأمريكية الكاذبة وندد بالسياسة العسكرية الأمريكية ونوه إلى خطرها على البشرية جمعاء.

أيدت الحكومتان البولونية والأسبانية جورج بوش في مشروعه العسكري إلا أن شعبيهما كانا معارضين لسياسة حكومتيهما وكان أن دفعت إسبانيا فيما بعد ثمن هذا الوقوف إلى جانب الطرف المعتدي ومشاركتها رمزياً في الحرب فتعرضت مدريد لهجمات إرهابية إسلاموية عنيفة ومميتة أوقعت الكثير من الضحايا بين صفوف المدنيين مما أجبر الحكومة الإسبانية الاشتراكية التي فازت لتوها في الانتخابات بعد هزيمة اليميني أزنار على سحب القوات الإسبانية من العراق. أما بولونيا فلقد تلقت توبيخاً شديد اللهجة من جانب الرئيس الفرنسي السباق جاك شيراك زعيم جبهة معارضة الحرب الأمريكية على العراق وقررت فيما بعد سحب قواتها تدريجياً من العراق.

وفي بريطانيا كانت هناك أغلبية طفيفة أيدت توني بلير بيد أن ذلك التأييد تبخر مع تفاقم الصعوبات وتراكم الأخطاء والإخفاقات في عملية احتلال العراق إلى درجة أتاحت للمعسكر المناويء للحرب تنظيم مظاهرات ضخمة نددت بالعدوان الأمريكي ـ البريطاني في لندن وباقي المدن البريطانية الكبرى خاصة بمناسبة زيارة جورج بوش لبريطانيا في نهاية نوفمبر 2003 أي بعد شن الحرب ببضعة اشهر.

أما في فرنسا فقد أيد الرأي العام الفرنسي والقوى السياسية بمختلف اتجاهاتها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في سياسته المعارضة بحزم للحرب على العراق من طرف واحد بدون إذن أو ترخيص من مجلس الأمن أو موافقة المجموعة الدولية الممثلة داخل الأمم المتحدة لأن ذلك يعتبر خرقاً صارخاً لميثاق المنظمة الدولية وإهانة للمجتمع الدولي بنظر الرئيس الفرنسي ولم يكن في فرنسا سوى قلة قليلة ممن أيدت الحرب على مضض باعتبارها شر لابد منه باعتبارها الطريقة الوحيدة للتخلص من نظام الطاغية المستبد صدام حسين وإسقاطه لإنقاذ الشعب من جبروته وتعسفه وبطشه اللاإنساني وجرائمه البشعة التي يندى لها جبين الإنسانية ومن بين هؤلاء الفيلسوف أندريه غلوكسمان والنائب في البرلمان الليبرالي آلان مادلان والسينمائي رومان غوبي والطبيب والسياسي الشهير بيرنارد كوشنير وزير خارجية فرنسا الحالي والمحلل السياسي والاستراتيجي والنائب في البرلمان ومستشار نيكولا ساركوزي للشؤون السياسية والعسكرية والاستراتيجية بيير لولوش حيث دعموا وأيدوا المشروع الأمريكي وفق مبدأ حق التدخل الإنساني وتوفير الأمن والخلاص للبشرية المعذبة على أيدي الطغاة وإنقاذ الشعوب المستضعفة من بطش جلاديها لأنهم يعتبرون الحرب ضد الإرهاب والحرب من أجل الإنسانية هي حروب عادلة وهي شيء واحد إذ أن حرية الشعوب وحقوق الإنسان والأمن للبشرية في نظرهم هي مباديء إنسانية وأخلاقية رفيعة تستحق التأييد والتضحية حتى لو كان ذلك يتم بقوة السلاح .

الخبير وعالم السياسة وأستاذ العلوم السياسية بيير هاسنر ذكر أن الأمريكيين أدركوا أفضل من الأوروبيين مستجدات المرحلة ومتطلباتها والمتسمة بثلاث تهديدات ومخاطر آنية وهي: الإرهاب، وأسلحة التدمير الشامل، والدكتاتوريات التي ترعب وترهب شعوبها وشعوب جيرانها. ثم يتساءل ببرود:" ما هي الدولة التي لم تتحجج بمبدأ الدفاع عن النفس لدرء الخطر عنها أو التذرع بتحقيق مهمة حضارية تمدينية، واضعة في الظل أو في الخفاء الأهداف الحقيقية للحرب والتي تبدو للناظر أنها ليست ذات أهمية بينما هي في الواقع الأكثر أهمية " وكان جمع من القادة والزعماء الأوروبيين السابقين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي السبق فاليري جيسكار ديستان وبرفقته عدد من رؤوساء الوزارات السابقين والمستشارين والوزراء والسفراء والنواب الأوروبيين والفرنسيين والأجانب من دول أخرى قد دعوا في بيان نشر في حزيران 2003 إلى:" حل مشاكل الكوكب عن طريق الحوار والتشاور إذ لا يمكن معالجة المشاكل مهما كانت إلا في إطار متعدد الأطراف كالأمم المتحدة ويستدعي ذلك التعاون والتنسيق التام بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ضمن التزام دائم بهذا المبدأ كشرط أساسي لحل الأزمات.

وهذا يعني الإبقاء على تركيبة ووظيفة حلف شمال الأطلسي وتوسيعه، ودعوا للانضباط موجهة لكافة الدول حيث جاء في نص البيان إننا بكوننا متحدون تعتبرنا بقية شعوب الأرض كمفسرين للرؤية الشمولية وللحكمة المتعالية والمتألقة والسامية التي تضمن السلام والأمن والطمأنينة للبشرية وإذا انقسمنا على أنفسنا واختلفنا فسنكون أول الخاسرين".

ويدل ذلك المسعى على أن الأوروبيين يبحثون عن نمط أو أنموذج مثالي للحكم عبر معايير جماعية يتفق عليها إلا أن الأمريكيين يتعالون على ذلك ويشعرون أنهم من القوة بمكان تؤهلهم لرفض تلك المعايير والأعراف والمقاييس إذا قدُروا أنها ضد مصالحهم الحيوية والقومية والوطنية أو أنها تقف حجر عثرة أما طموحاتهم في قيادة العالم بمفردهم أي أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أمركة العالم ولا تريد عولمة أمريكا".

أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية في نيسان 2003 أن 76% من الأمريكيين كانوا يؤيدون مشروع جورج بوش الحربي في العراق ويعتبرون صدام حسين مسؤولاً عن هجمات الحادي عشر من أيلول أو له علاقة بمرتكبيها باعتبار أن تلك الحرب هي خطوة ضرورية في سياق الحرب الشاملة على الإرهاب العالمي بيد أن هذه النسبة انخفضت في شهر نوفمبر من نفس العام إلى 45% في حين ارتفع عدد المناهضين للحرب في نفس الفترة الزمنية أعلاه من 21 % إلى 54% أما اليوم فلا يحظى الرئيس الأمريكي سوى بتأييد نسبة تقل عن 26% من المؤدين مقابل 74% من المعارضين .

والتفسير المنطقي لهذا الصعود والهبوط وهذا التفاوت في المواقف يعزى إلى أن الأمريكيين كانوا قبل أربع سنوات تواقين للانتقام من أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 التي كانت ما تزال ماثلة وحية في ذاكرتهم الجماعية، وإلى نوعية الخطاب الذي استخدمه الرئيس الأمريكي في رده على تلك الضربات الإرهابية ولجوئه إلى المفردات الدينية لوصف الصراع الدائر بين أمريكا والإرهاب وقدمه باعتباره صراعاً بين الخير والشر وهي الحيلة التي انطلت على أغلب الأمريكيين.

وقد ورد في خطاباته ما يشبه الوعظ الديني المباشر والصريح حين قال:" كثيرون اكتشفوا أنه، حتى في حالة التراجيديا أو المأساة فإن الله قريب منٌا. لقد اختارنا الله لهذا الدور الفريد في أحداث البشرية لنتصدى للشر وأناط بنا تلك المهمة المقدسة". وهو هنا يستنجد بتراث قديم يعود إلى ثلاثة قرون خلت ويعيد استخدامه بحذق ومهارة وهو تراث الآباء المؤسسين لماي فلور سنة 1610 الذين جعلوا من الولايات المتحدة ما يشبه أرض الميعاد ، أرض قاد الله شعبه إليها لإقامة نظام اجتماعي جديد سيبعث فيما بعد وينشر بين كافة الأمم، كما اعتقد توماس جيفرسون المؤلف الحقيقي لوثيقة إعلان الاستقلال في 4 تموز 1776 وأحد أوائل رؤوساء الولايات المتحدة الذين يحضون بما يشبه هالة من الاحترام والتقديس.

نجم عن ذلك ثقافة دينية ذات خصوصية متميزة وهي مزيج من الإيمان العقائدي الغيبي بالعناية الربانية والانتخاب الإلهي والشعور المتميز بالخصوصية والتفرد كما جاء في متن كتاب إيليز ماري ونراس " الأساطير المؤسسة للأمة الأمريكية" الصادر في بروكسل سنة 1992.

وتبلور ذلك المنهج عبر الزمن إلى ما يمكن تسميته بالدين المدني أو القومي للأمة الأمريكية وهو عبارة عن مجموعة من المعتقدات والرموز والشعائر والطقوس والخرافات المستندة إلى تاريخهم القصير الذي يبدأ منذ لحظة اكتشاف كريستوف كولومبس للعالم الجديد قبل أربعمائة عام ونيف, التيار البروتستانتي المحافظ يعتبر نفسه الوريث الشرعي لهذا التراث أو الإرث الذي يضم كذلك الميثوديين أو المنهاجيين وأتباع اليقظة البانتكوتية والإنجيليين أو الإنجليكايين وأتباع الإنبعاث المتجدد أو الولادة المجددة للمسيح وموته آخر الزمان والبروتستانتيين الأصوليين التقليديين أو السلفيين الذين لا يعيشون في زمن الانتظار لعودة المسيح بل في زمن المهمة المقدسة، أي المهمة التبشيرية التي تهيء الأرضية لعودة المسيح إلى الأرض.

كل هذه التيارات والمذاهب المسيحية المحافظة أيدت بوش ومازال بعضها يقدم له تأييده. أما في الجانب الآخر، في جبهة المعارضة للسياسة الخارجية الأمريكية الجديدة فنجد شخصيات وأسماء لامعة بدءاً بعدد من البروتستانت المخالفين والواعين حتى ضمن الكنيسة الباتستية أو المعمدانية " نسبة لجون باتيست أو يوحنا المعمدان" ـ وهي الكنيسة التي ينتمي إليها الرئيس جورج بوش نفسه ـ ومجمع الكنائس المستقلة وتجمع الأساقفة الذين انتقدوا الطريقة التي شنت فيها الحرب على العراق وما آلت إليه من نتائج كارثية على الشعبين الأمريكي والعراقي معاً وقد وجه الكاردينال وأسقف بوسطن للرئيس بوش رسالة شديدة اللهجة ، تعنيفية وتوبيخية صارمة جاء فيها:" قلت لنا ياسيادة الرئيس أننا كنا هدفاً للإرهاب لأننا ندافع عن الحرية والديمقراطية والحقوق الإنسانية في العالم وهذا كذب وعبث وهراء ... ياسيادة الرئيس إننا على العكس أصبحنا هدفاً للإرهابيين لأننا في كثير من بقاع العالم دافعنا أو بالأحرى دافعت حكوماتنا عن الدكتاتوريين والقتلة وأيدت العبودية وتجارة الرقيق واستغلال البشر نحن هدف للإرهاب لأننا مكروهين وممقوتين من جانب شعوب العالم التي صارت تحقد على أمريكا وشعبها .

وهكذا أصبحنا عرضة للحقد والكره لأننا قمنا بأعمال شنيعة وفظيعة. كم من البلدان قام فيها عملاؤنا ومخابراتنا بطرد وتصفية القادة الشعبيين المنتخبين من قبل شعوبهم واستبدالهم بالقوة والدسائس والتآمر والانقلابات بدكيتاتوريين دمويين وعسكريين ساديين متعطشين للدم والعنف والتعذيب أو دمى ضعفاء مسلوبي الإرادة وعملاء مستعدين لبيع أوطانهم وشعوبهم وثرواتهم الوطنية للشركات الأمريكية والمتعددة الجنسيات ؟ فعلنا ذلك في إيران عندما أطاحت وكالة المخابرات المركزية سي آي أ بمحمد مصدق لأنه أراد تأميم نفط بلاده واستبدلناه بالشاه محمد رضا بهلوي الذي خلعه شعبه من العرش. سلحنا ودربنا حرسه الخاص ومخابراته سيئة الصيت والسمعة السافاك الذي أذاق الشعب الإيراني كأس العذاب ومر العيش وسلبه الكرامة من أجل حماية المصالح المالية لشركاتنا النفطية فهل يمكن بعد كل ذلك أن نتصور أنه يوجد في إيران شخص لا يكرهنا بعد؟ لقد كررنا نفس الشيء في العراق عدة مرات في عهد قاسم وعارف ع وفي شيلي في عهد الليندي ونيكاراغوا وفيتنام وبوليفيا وعدد آخر من دول أمريكا الوسطى واللاتينية وحاولنا مراراً وتكراراً مع كوبا ولم ننجح ونحاول اليوم مع شافيز ولولا وغيرهم من الزعماء في أمريكا اللاتينية لا لشيء إلا لأن هؤلاء الزعماء وطنيون ويريدون إعادة ثروات بلدانهم لشعوبهم وتوزيعها بالعدل بينهم ".

كانت معارضة الحرب على العراق من جانب المثقفين والفنانين والمبدعين أشد على الرئيس جورج بوش الساذج وغير المثقف فهناك الكاتب المسرحي الشهير نورمان ميللر والكاتب والعالم اللغوي والأستاذ الجامعي الشهير نعوم تشومسكي والمحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية ستانلي هوفمان الذي كتب ساخراً من بوش :" أن أمريكا تسير بخطوات إلى الخلف" والكاتب الصحفي توماس فريدمان والكاتب المشاكس هيرش والممثل النجم داستن هوفمان والممثل المنتج جورج كلوني والمخرج والممثل الكوميدي المحبوب وودي آلن والمخرج الساخر مايكل مور ، أما الكاتب ورئيس تحرير مجلة هاربرز لويس هـ لافام فقد أشار بعد عودته من رحلة تقصي الحقائق إلى تصاعد مشاعر معاداة أمريكا ، وندد بطريقة إشهار راية الدين وإقحامها في السياسة الخارجية وأطلق تسمية " الجهاد الأمريكي مقابل الجهاد الإسلاموي" مستشهداً بأقوال جورج بوش ذاته وأقوال وزير العدل في حكومته الأولى جون آشكروفت الذي صرح:" لدينا المسيح كملك علينا" وأقوال توم دلاي رئيس الأغلبية الجمهورية سابقاً في مجلس النواب قبل خسارة الجمهوريين لتلك الأغلبية في الانتخابات التشريعية الأخيرة لمجلس النواب والشيوخ في الكونغرس الذي صرخ:" كلفني الله بمهمة أن أضفي رؤية العالم الإنجيلي على السياسة الأمريكية " ويختتم مقالته التي نشرتها صحيفة لوموند دبلوماتيك الفرنسية في تموز 2003 :" إن هذا النكوص الجماعي في ضباب ماض ساذج يكشف عن عدم ملائمة واضمحلال الذهنية التي طغت على الدستور وحملت التجربة الأمريكية في الحرية خلال قرنين .

يفتخر خبراؤنا الجيوبوليتيكيين ـ ومحللينا السياسيين، في واشنطن بتصورهم الحرب على الإرهاب وكأنها " صدام حضارات " والحقيقة أن مايجري ما هو إلا صدام شعوذات. ويعلق جوزيف سبرنيسيون مدير مؤسسة كارينجي للسلام الدولي قائلاً:" بمعاقبتنا العراق عسكرياً، اعتقدنا أننا سندفع الآخرين للتفكير والتأمل وأخذ العبر لكن توازي الأزمتين الكورية الشمالي والعراقية بالأمس والكورية ـ الإيرانية اليوم أظهر إلى أي مدى يفتقد سلوكنا هذا إلى المنطق السليم وهو سلوك ليس له أي معنى.

لقد دمرنا جهود عقود عديدة في مكافحة وانتشار أسلحة التدمير الشامل التي ذهبت أدراج الرياح بسبب حماقاتنا". زبجنيف بريجينسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والمدافع الشرس سابقاً عن الليبرالية الاقتصادية، وصف الغزو الأمريكي للعراق بالحماقة والمغامرة التي ستجر على أمريكا الويلات وستزحلق رجل أمريكا من العراق إلى إيران أو سورية أو كلاهما مما سيساهم في تعميق هوة الخلاف المتنامي بين الولايات المتحدة وباقي دول العالم" .

وإذا تواصلت سياسة المحافظين الجدد وبلغت غايتها القصوى والمنطقية المرسومة لها فإنها ستفضي إلى عالم ستكون في أمريكا كإسرائيل معزولة تماماً وسط محيط معادي كلياً وموضع صراع دائم أي ستتحول إلى مايمكن أن نسميه الدولة ـ الثكنة" ومن قلقه على مشروعية أمريكا نشر كتاباً تحت عنوان:" الخيار الحقيقي: أمريكا وبقية العالم " ظهر سنة 2004 عبر فيه عن رؤية سوداوية لمصير أمريكا ومستقبلها إذا استمرت في سياسة حافة الهاوية. أما الملياردير جورج سوروس فقد نشر هو الآخر كتاباً تحت عنوان " ضد بوش ومن أجل أمريكا" وقد تحدى الرئيس الأمريكي بتمويله للحملات الانتخابية لمنافسيه وخصومه بعشرات الملايين من الدولارات وقال معلقاً ومتهكماً:" إن النزعة المحافظة الجديدة تكشف عن داروينية اجتماعية بدائية وساذجة لأنها تجهل التعاون في بقاء الأنواع على قيد الحياة"...

يتبع