لا يحتاج المرء لعيني زرقاء اليمامة ليرى الى اين سيقود المنطقة ، الشحن المذهبي السني - الشيعي الذي يخوض فيه وللاسف غالبية المسؤولين ورجال الاعلام والسياسة العرب. في رقص على ايقاع الطبلة الاميركية التي وجدت في ذلك خير طريقة لجعل العرب يمارسون التدمير الذاتي فيوفرون عليها تكاليف تدميرهم. أوليس ذلك افضل تجلْ لنظرية الفوضى الخلاقة التي حققناها ونحن ندعي اننا نقاومها . واذا كان الواقع على الارض يدل على وجود الكثير من العاقلين والاصحاء الذين يدركون ذلك فان وسائل الاعلام ، خاصة الفضائيات العربية تتكفل بطمس وجودهم وارساء واقع مختلف عن الواقع ، يذكرنا بنظرية الباحث والفيلسوف الفرنسي ميشال دي سيرتو حول "ارساء الواقع" بواسطة الاعلام . فيوم بدأت الحرب الاهلية اللبنانية كان ممثلو الكتائب اللبنانية في مجلس النواب اللبناني اثني عشر نائبا من بين تسعة وتسعين ، (ولم تكن القوات اللبنانية موجودة بعد) رغم ذلك استطاع هؤلاء ان يفرضوا صورة التعصب الماروني والانعزالية اللبنانية كصورة عامة لكل مسيحيي لبنان ، واذ تعارض ذلك مع وجود الاف المسيحيين من شيوعيين وتقدميين ، اشتراكيين وقوميين ، سوريين وعلمانيين في المناطق الشرقية ، ومع وجود عشرات الاف المحايدين في القرى والمدن ، كان الحل هو تهجير المعارضين بالقوة وقمع المحايدين بالقوة ايضا. وكان من المتعمد ان تكون قسوة الجريمة بحق من يعارض وسيلة ارغام لا مجال لمقاومتها . ومع الوقت تمكنت الميليشيات المنظمة من جر الغوغاء والشباب اما بواسطة التخويف واما بواسطة الاغراء المالي واما بواسطة اللعب على الغرائز والعواطف والجهل ، التي ساهم في تأجيجها العزل المطبق وصورة الاخر المخيفة. نستذكر ذلك لنقارب اليوم ما يحصل في العراق ومن ثم في لبنان ، وما يتهددنا انتقال عدواه الى كل الساحات ، بشكل او باخر . واذا كانت هناك حقيقة يجهلها الكثيرون ، من ان الغالبية الساحقة ممن اجتذبتهم القوات اللبنانية التي تشكلت فيما بعد منشقة عن الجناح العسكري للكتائب ولسائر الميليشيات المسيحية الصغيرة ، الغالبية الساحقة هذه كانت من ابناء الطبقات المعدمة ، في القرى اللبنانية التي تعيش منذ المرحلة العثمانية في ظل النظام الاقطاعي. ومن غير المتعلمين وغير المعرضين لتجربة معرفة الاخر (محليا كان ام عربيا) باستثناء قلة صغيرة تولت المواقع القيادية السياسية . فان ذلك يشكل انقلابا رجعيا على القوى الرجعية ، لم يستطع ازاحتها عن الساحة. فان الحقيقة المقابلة اليوم هي هي دائما ، ان تجميع الغوغاء والعامة حول حساسيات طائفية واقليمية ومذهبية ، هو دائما امر سهل ، كما ان استثارة غرائزها لدفعا للمارسة الاعمال الاكثر تدميرا ووحشية هو بذات السهولة ، كما يقول الفيلسوف ريجيس دوبريه فان "اللاعقلاني يجمع ويرص". وليس وجود الكثيرين من اشباه المثقفين العفنين في صفوف هذه التجمعات بمستغرب لان هؤلاء قد يكونون واحدا من اثنين : اما من يصدر عن العقد الاجتماعية والفكرية نفسها ، واما من تسيره وصوليته ومعرفته من اين تؤكل الكتف. وقد لفتني في هذا المجال يوم امس لقاء تلفزيوني مع الشيخ ماهر حمود ، امام مسجد القدس في صيدا . وهو الامام السني المعروف بعقلانيته ووعيه ، والمعروف كذلك بدوره الفاعل جدا في حل المشاكل السياسية في منطقة الجنوب اللبناني ، الدقيقة جدا كونها منطقة التماس مع العدو الاسرائيلي من جهة ، ومنطقة التمازج السني الشيعي والفلسطيني اللبناني بامتياز ، كما انها وفي صيدا السنية منطقة الصراع بين النفوذ الشعبي الذي يمثله مصطفى سعد والنفوذ الجديد المالي الذي تمثله بهية الحريري ، دون ان ننسى ان السنيورة نفسه ينتمي الى صيدا ايضا ، ومثله نصرالله وبري الى الجنوب. نقاط كثيرة مما طرحه حمود استوقفتني ومنها ما يستحق مقالا بذاته خاصة تلك المتعلقة بدور السجون العربية في تخريج الارهابيين ، ودور الاجهزة الامنية في لبنان في اذكاء الصراع الطائفي والمذهبي وبالتالي دعوته الى اعادة تأهيل المسؤولين الامنيين والسياسيين والاداريين قبل العامة ، غير ان ما اذكره هنا ملاحظات اخرى : الاولى تركيزه القوي على ان جو الصراع السني الشيعي لم يكن موجودا لفترة طويلة في المنطقة وانه طارىء جديد ومفتعل . الثانية قبوله الضمني بفكرة توظيف المال لكسب العامة ، حيث برر بوضوح للسيدة "الفاضلة جدا" كما وصفها بهية الحريري ، كونها دفعت مئة الف دولار مرة واحدة لكسب جماعة فلسطينية وصيداوية ، ومن ثم دفعت مبالغ اخرى على شكل تبرعات وخدمات ، خلال معركة بلدية صيدا. كذلك برر (وهو يرسم ضحكة الامر الواقع) دعم تيار المستقبل لجماعة فتح الاسلام ، وجماعة جند الشام الذين شدد على انهم لا يتعدون الخمسة يتبعهم "بعض الاولاد" ، وذلك طمعا في استغلال وجود هؤلاء لتشكيل ميليشيا سنية لا يمكن تشكيلها في بيروت (لم يقل السبب ولكن اللبنانيين يعرفون ان غالبية سنة بيروت من التجار الميسورين ومن المتعلمين الذين لا ينخرطون في الميليشيات). واخيرا كان الحل الذي اقترحه لمشكلة نهر البارد في ان يختفي الكبار ، على حد تعبيره ، ويسلم الصغار انفسهم (وعندما سأله المذيع: اين يختفون؟ اجاب باسما مرة اخرى: يختفون،) كذلك رد على السؤال عن مصير الثلاثة الذين قتلوا القضاة الاربعة في صيدا بان احدهم قتل والثاني حول الى مخبر (ضاحكا) والثالث.. اختفى،،

مصادر
الدستور (الأردن)