ما تقوم به السياسة الإسرائيلية اليوم يعبر بشكل أو بآخر عن الواقع الإقليمي، رغم أنه يتعلق بشكل مباشر بالمسار التفاوضي ما بين سورية وإسرائيل، فقضية السلام أخذت مساحة سجال واسعة بين التيارات الإسرائيلية، في وقت لا تبدي فيه الإدارة الأمريكية أي اكتراث واضح لهذه المسألة، بينما يرى معظم المحللين أن الحديث عن السلام له علاقة مباشرة بوضع أولمرت السياسي.

لكن النتيجة المباشرة التي ظهرت بعد شهر تقريبا من أحاديث الحرب والسلام هو زيادة الإرباك السياسي، وهو ما يفسر استقبال "فريد الغادري" في ذروة التصريحات المتناقضة حول هذه المسألة... فهو جاء ليزيد الصورة غموضا، في وقت تصبح فيه زيارته وكأنها صياغة جديدة لمعادلة السلام المرتقبة من قبل إسرائيل. فرغم أن زيارة الغادري ليست رسمية، وهي لا تحمل أي معنى مرتبط بالرغبات الإسرائيلية تجاه التسوية عموما، لكنها في نفس الوقت تحاول تقديم مؤشر على أن "شرعية السلام" متعددة، ومن الممكن إيجاد مرجعيات سورية مختلفة داخلها.

هذه الصورة لا علاقة لها بـ"الغادري" أو بأي شكل من أشكال المعارضة السورية في الخارج، لكنها في نفس الوقت إشارات إسرائيلية إلى طبيعة التداخل في مسائل التسوية، في مقابل الإصرار السوري على مرجعيات محددة في مسألة السلام. ورغم أن السياسيين الإسرائيليين يعرفون بشكل مسبق طبيعة فريد الغادري ومساحته السياسية المحدودة، وهم أيضا مطلعون على تجربته، لكن هناك إصرار على مسألة استقباله، وترتيبات الزيارة حسب صحيفة هآرتس جاءت عبر أعضاء في حزب الليكود، وربما لا يبدو هذا غريبا في ظل الطموح الذي يبديه بنيامين نتنياهو للوصول إلى رئاسة الحكومة من جديد، لكن المهم هنا ثلاث قضايا أساسية:

-  الأولى أن زيارة الغادري التي تبدو منفصلة عن طبيعة التطورات الإقليمية بشأن السلام والحرب مع سورية، ولكنها في نفس الوقت تدخل في إطار إعادة رسم فرص السلام بالنسبة لإسرائيل خارج الإطار التقليدي الذي حكمها سابقا. فالهيئات التي سعت لزيارة الغادري تريد أيضا تقديم صورة أخرى للعالم بالدرجة الأولى على رؤية أخرى لهذا الموضوع حتى ولو كان الغادري هو الشخص الوحيد الذي يحملها.

-  ثانيا فإن زيارة معارض سوري لإسرائيل لها دلالتها بالنسبة للسياسة السورية، فهو أمر غير مسبوق بالنسبة للسياسة العربية عموما، وعادة ما تظهر المعارضة تشددا أكثر حيال مسألة السلام. وتأتي زيارة الغادري لتضع ملامح أخرى على ضرورة "صياغة" معارضة جديدة متصالحة ليس مع السلام بل مع الفكرة "الصهيونية". بهذا الشكل فإن رهان إسرائيل ليس على غادري، إنما على احتمال فتح ثغرة سياسية يمكن أن تؤدي لظهور "معارضات" تحاور إسرائيل خارج أي مؤسسات سياسية لها علاقة بالدول العربية.

-  ثالثا رغم أن الكثير من المحللين رأوا أن مسألة زيارة الغادري، ومصاحبها من حديث عن رسائل سرية إلى سورية بشأن السلام يمكن أن تحرج دمشق، فإن هذا الأمر يبدو بعيدا عن طبيعة السياسة السورية. فكل ما يرافق الحديث عن السلام اليوم بالنسبة لإسرائيل مرتبط بالترتيبات الإقليمية المتوقعة، وهو محاولة لكسب مواقع سياسية وليس لإحراج سورية التي تبدو غير مكترثة بالسجال الإسرائيلي.

عمليا فإن إسرائيل تدرك أن هناك مرحلة جديدة قادمة، ومن الممكن الوصول إليها بشكل عادي نتيجة التبدلات السياسية التي تحدث بشكل سريع في المنطقة، لكنها في نفس الوقت تعرف أن القفز إلى هذه المرحلة سواء بحرب سريعة، أو حرب إقليمية عبر ضرب إيران أو سورية سيعيد ترتيب الأوراق والحسابات السياسية. فالسياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة بدأت "مأزومة" وهي لا تسعى للخروج من هذا الواقع عبر ترتيبات سياسية عادية. ومن الضروري بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية التي دفعت خلال أربع سنوات المنطقة إلى حربين (احتلال العراق وحرب تموز) أن تحدث تحولا عميقا ولو عبر حرب ثالثة.

احتمالات الحرب تبدو أكثر قوة اليوم لمن يقرأ طبيعة الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، فالدفع السياسي، بما فيه استقبال الغادري، يحمل كل أنواع الاستفزاز الاجتماعي، وانفجار الوضع الأمني في لبنان ثم إقرار المحكمة في ذروة التأزم لا يوحي بأن السلام يملك فرصا واضحة... لكن اللعب بالسلام هو آلية ضرورية في ظل الأفق المسدود لـ"الشرق الأوسط الجديد"!!!