JPEG - 35.3 كيلوبايت

في 30 أيار 2007، تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 1757 القاضي بإنشاء محكمة خاصة للنظر في الهجوم الذي أودى بحياة رئيس الوزراء السابق "رفيق الحريري" ومحاولات الاغتيال السياسية الأخرى كلها، المرتكبة ما بين 1 تشرين الأول 2004 و 12 كانون الأول 2005، والتي من الممكن أن تكون لها صلة بالاغتيال. واتخذ هذا القرار في مخرج من مشاورات طويلة وضغوط شرسة على الدول الأعضاء في المجلس. ووافقت على القرار 10 دول في حين امتنعت 5 دول عن التصويت (الصين وروسيا وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وقطر) ، وهي الدول التي عارضت القرار معتبرة أنه غير قابل للتطبيق فعليا.

مع ذلك، وكما أشار السفير الصيني "غوانغيا وانغ"، فإن هذا القرار يعد سابقة من شأنها إلغاء مصداقية مجلس الأمن وتقويض سلطته. أما بالنسبة لسفير جنوب أفريقيا "دوميساني كومالو" فقد لاحظ أن مجلس الأمن على وشك تشويه القانون الدولي وتسييسه. ولإدراك سبب إعادة التحقيق، يجب العودة لحظة إلى الوراء.

اغتيل رفيق الحريري في 14 شباط 2005 في بيروت. ووفقا للملاحظات الأولية، فإن الهجوم قد تطلب وسائل متطورة للغاية والمحققون اللبنانيون لم يكونوا مجهزين بالفرق والمواد اللازمة لمتابعة تحقيقاتهم. وكان الرئيس الفرنسي حينها "جاك شيراك" أول من طالب المجتمع الدولي بتزويد لبنان بمساعدات قضائية تسمح بكشف الحقيقة كاملة في هذه الجريمة. ووافق نظيره اللبناني "إميل لحود" مباشرة على هذا الطلب. وأوفد مجلس الأمن في البداية بعثة لتقييم الوضع، فلاحظت كلية حضور الأجهزة السورية في لبنان والشكوك التي ولدتها فيما يتعلق باستقلالية المحققين اللبنانيين. فشكل المجلس بعثة لمساعدة القضاء اللبناني.

غير أنه سرعان ما تحول رئيس بعثة المساعدة الألماني "ديتليف ميليس" إلى القاضي المكلف. حتى أنه أصبح يلقب بـ "القاضي ميليس" محتفظا بلبس مع مسؤولياته القديمة في ألمانيا. وبدا محافظا على علاقات قديمة ووثيقة تربطه بسلطات الولايات المتحدة ساعيا بكافة الوسائل إلى إلصاق التهمة بسورية. وأسس تحقيقه على شهادات مريبة سرعان ما لقيت استحسان "سعد الحريري" (ابن الفقيد) أو "رفعت الأسد" (وهو عم الرئيس السوري الذي أصبح مقربا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ). والحاصل أنه توجب على السيد "ميليس" ترك التحقيق ليستبدل بالبلجيكي "سيرج براميرتس" دون أن يكشف عن الغموض الذي يلف القضية.

وعبر انزلاق تدريجي، تحولت مهمة المساعدة سريعا إلى مهمة تحقيق، حاصلة على استقلاليتها من علاقتها بالقضاء اللبناني الذي كان يفترض أن تساعده. ثم جاءت إثارة محكمة دولية خاصة لتأكيد تحقيق هذه المهمة. وما يزيد الأمر غرابة هو أن أحدا لم يزعم أن هذه الاغتيالات وقعت في سياق حرب بين دولتين وبالتالي يجب أن تخضع للقضاء الدولي. ولم ينكر أحد مطلقا كفاءة لبنان في إدارة محاكمه ويلمح وجوب مؤازرته للحكم بالعدل. ولم تقدم أية حجة لتبرير إنشاء هذه المحكمة الخاصة. ما يعني الاعتراف بأن دوافع هذا الإنشاء غير معترف بها.

وعلى كل حال، فإن حكومة السنيورة تفاوضت على اتفاق مع الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة (كوفي عنان آنذاك) لتشكيل هذه المحكمة. كما أن المواعيد التي حددت صلاحية المحكمة (1 تشرين الأول 2004 إلى 12 كانون الأول 2005) لا تتوافق مع الفترة التقويمية التقليدية، بل مع الهجمات التي ارتكبت ضد "مروان حماده" و"جبران تويني"، والتي يلمح أنها يمكن أن تكون ذات صلة بالهجوم الذي أودى بحياة رفيق الحريري.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة هو من سيعين فيما بعد كلا من المدعي العام والقضاة وكتاب المحكمة، الذين لن يكونوا في أغلبيتهم لبنانيين وسيتمتعون بحصانة دبلوماسية وامتيازات مالية عظيمة. كما ستمول المحكمة الخاصة بنسبة 49 ٪ من المساهمة اللبنانية و 51 ٪ من الدول الأخرى التي تطوعت بذلك (أي الولايات المتحدة وفرنسا وحلفاؤهما). وسوف تنعقد خارج لبنان، في دولة ثالثة لم تحدد بعد. وأخيرا، فإن الحكومة اللبنانية ستكون ملزمة بالرد على أي طلب من المحكمة الخاصة وتمتنع عن تبرير الوقائع التي يحتمل أن تدخل في اختصاص المحكمة الخاصة.

غير أن هذا الإتفاق لم يصادق عليه بعد. ووفقا للدستور اللبناني، يجب أن يصادق عليه في الوقت نفسه رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ليكون شرعيا. والحال أن الرئيس "إميل لحود" عارض أي مساس بالسيادة الوطنية ؛ ولم يعد مجلس الوزراء يملك، بعد ست انشقاقات، التشكيل اللازم للإنعقاد ؛ وأخيرا رفض رئيس مجلس النواب "نبيه بري" إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال المجلس.

ويتعين أن يقتصر الأمر على ذلك. لكن رئيس الوزراء السابق "فؤاد السنيورة" قرر اللجوء إلى القوة. وهو متمسك بصورة غير قانونية بالسلطة مع وزرائه الباقون. ووافقت شبه الحكومة هذه على الاتفاق. وأعلنت أغلبية أعضاء البرلمان موافقتها واعتبر رئيس الوزراء -الغير الشرعي- أن تلك العريضة أعفيت من تصويت المجلس، والذي يفرضه الدستور مع ذلك. أما بالنسبة لرئيس الجمهورية، فقد تقرر تجاهل وجوده، إلى درجة أن مراسلاته التي توجه بها إلى أمين عام منظمة الأمم المتحدة لم تذكر ولو كمرجع في حيثيات قرار الأمم المتحدة.

علاوة على ذلك ، فإن السيد السنيورة تفاوض مع الأمين العام الجديد لمنظمة الأمم المتحدة "بان كي-مون" على ملف ملحق متعلق بالنظام الأساسي للمحكمة الخاصة. ويشير إلى أنه في حال تضارب المصالح، فإن السلطات القضائية اللبنانية ستتنازل عن صلاحياتها لصالح المحكمة الخاصة. لدرجة أن المحكمة الخاصة لن تشعر بنفسها ملزمة بالأحكام السابقة الصادرة عن المحاكم اللبنانية. ومن بين التفاصيل المهمة أيضا أن لغات عمل المحكمة الخاصة لن تقتصر على اللغة العربية (اللغة الرسمية للبنان) واللغة الفرنسية (اللغة الإدارية للبنان)، وإنما الإنجليزية أيضا، بحيث تتمكن وزارة الخارجية الأمريكية من إحكام السيطرة على أعمال المحكمة.

إن الأمر في غاية السهولة ، فقد تم تبني القرار 1757 الصادر بموجب أحكام الفصل 7 من ميثاق الأمم المتحدة. ما ينتهي إلى القول بأن "المجتمع الدولي" (ويشمل هنا الولايات المتحدة وفرنسا وحلفاؤهما) يحتفظ بحق استخدام القوة العسكرية لإقامة وتوظيف المحكمة الخاصة. وهو حكم يبرر في النهاية وجود هذه المحكمة : التي ستكون بمثابة ذريعة لبدء حرب ثانية في الوقت المناسب.

وهذا هو بالضبط ما أشار إليه السفير الروسي "فيتالي تشوركين": إن دور المجلس هو ضمان سيادة الدول الأعضاء بينما الإفادة غير المبررة في الفصل 7 سوف تتسبب بأثار مشؤومة على لبنان خصوصا وعلى الشرق الأوسط عموما. وندد سفير قطر "ناصر بن عبد العزيز النصر" بالقرار الذي يسيء إلى التماسك والاستقرار في لبنان. بيد أن سفير إندونيسيا "حسن كلييب" لاحظ أن القرار يناقض المادة 19 من اتفاق لبنان والأمم المتحدة الملحق والمشترط على لزوم المصادقة الدستورية، مدركا أن تفعيل المحكمة الخاصة سوف يبدأ في موعد أقصاه 10 حزيران 2007. وهذا هو السبب أن أعضاء مجلس الأمن الخمسة المعارضين للنص يعتبرون أنه في هذه الحالة لا يمكن تطبيق القرار قانونيا وقرروا الامتناع عن التصويت بدلا من التصويت ضده.

وستستمر اللعبة الدبلوماسية. وستقيم الولايات المتحدة وفرنسا هذه المحكمة غير القانونية في إطار منظمة الأمم المتحدة، أو تتظاهر بفعل ذلك. وإن الولايات المتحدة لا تفوت استخدام المشاكل القضائية لتبرر حربا جديدة تقوم بها هي نفسها أو تعهد بها لإسرائيل، كما في حرب تموز-آب 2006 ، وباستياء كبير من فرنسا. وتحتفظ الصين وروسيا بحقهما في عدم الاعتراف بالمحكمة الخاصة التابعة للأمم المتحدة، ولكنهما تخاطران بوجوب الانحناء أمام الأمر الواقع؛ وهو خطر كبير لدرجة أنه بعد عامين من التحقيقات، ما زال لا يعرف ما الذي سيترجم أمام هذه المحكمة الخاصة. انهار للتو جانب جديد من القانون الدولي وأخطار جديدة تهدد لبنان.

أما وسط بيروت في الوقت الراهن، ومنذ أشهر، فلايزال مسرحا لمظاهرات تلو أخرى احتجاجا على التدخل الأجنبي. حيث يخيم آلاف اللبنانيين سلميا ليل نهار أمام مبنيين محاطين بجدار من الأسلاك الشائكة، ومحميين بالمدرعات : السرايا الكبيرة التي تقيم فيها حكومة السنيورة الصورية، والمبنى المجاور، مكتب منظمة الأمم المتحدة المحلي حيث يعمل موظفون منتدبون من وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية.

ترجمته خصيصا لشبكة فولتير: روعه الرقوقي
جميع الحقوق محفوظة 2007 ©